هل أُغلق باب الاجتهاد؟ وهل الخلاف اللاحق ينقض الإجماع السابق؟

السؤال

هل ما زال باب الاجتهاد مفتوحًا؟ وهل اجتهاد علماء هذا العصر ينقض إجماع الصحابة؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

” الاجتهاد لغة: مأخوذ من الجَهد، وهو المشقة، أو الوسع، أو الطاقة.

وأما الاجتهاد عند علماء الفقه، أو الأصول: فقد عرَّفوه بتعاريف متقاربة في ألفاظها، ومعانيها، وإذا كان قد أُورد على بعض هذه التعاريف اعتراضات ترجع إلى الصناعة اللفظية، فكلها تدور حول بذل الجَهد، والطاقة لمعرفة الحكم الشرعي من دليله.

وأدق ما قيل في تعريفه ما ذهب إليه صاحب ” مسلَّم الثبوت ” – وهو: محب الله بن عبد الشكور البهاري -: ” إن الاجتهاد هو: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظنِّي “. ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 18، 19 ).

ثانيًا:

وفي أوائل القرن السادس انطلقت دعوى إغلاق باب الاجتهاد، ولا يملك أحد أن يغلق باب الاجتهاد، وليس ذلك من حق أحد حتى يغلقه، ودعوى إغلاق باب الاجتهاد هي ” اجتهاد ” أصلًا! فهي دعوى متناقضة، إذ كيف لهذا المدَّعي أن يجتهد في إغلاقه، ثم يمنع غيره منه؟!.

ثالثًا:

ولا تزال الأمة تمر عليها النوازل، ويحتاج المسلمون في الأرض لمعرفة حكم الله تعالى فيها، ولا يتم ذلك إلا بالاجتهاد في النظر في الأدلة الشرعية لمعرفة الحكم الشرعي لها.

ومَن زعم أن باب الاجتهاد مغلق لعدم الحاجة إليه، وأنه ” لم يترك الأوائل للأواخر شيئًا “: يُرد عليه بوجود نوازل تُلزم أهل العلم بالإفتاء فيها، وبيان حكم الله الذي يرونه منطبقًا عليها، ولا يوجد لها ذِكر في كتب المتقدمين.

ومن زعم أن باب الاجتهاد مغلق لعدم وجود مَن هو أهل له، أو وجود من يجتهد إرضاء لحكامه: فيرد عليه بالكثرة الكاثرة من أئمة الدِّين في كل عصر، ومصر، ممن هم أهلٌ للاجتهاد، وممن لا يخافون في الله لومة لائم.

* ومن زعم أن باب الاجتهاد مغلق حتى لا يُفتح المجال لكل أحد أن يفتي في دين الله: فيرد عليه:

أ. أن الحاجة ملحة للحكم على ما يستجد من مسائل.

ب. أن العلماء وضعوا ضوابط وشروطًا ينبغي تحققها في المجتهد، فليست المسألة فوضى حتى يُجعل الاجتهاد بيد كل أحد.

ج. أن الجاهل لو أفتى بغير علم فإن العلماء له بالمرصاد لإسقاطه، والتحذير منه، فهم أمناء الدين، وحراس حدوده.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 1 / 42، 43 ) :

والذي نَدين الله عليه: أنه لا بد أن يكون في الأمة علماء متخصصون، على علمٍ بكتاب الله، وسنَّة رسوله، ومواطن الإجماع، وفتاوى الصحابة، والتابعين، ومن جاء بعدهم، كما ينبغي أن يكونوا على خبرة تامة باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ودونت بها السنَّة النبوية، وأن يكونوا قبل ذلك وبعد ذلك على الصراط المستقيم، لا يخشون في الله لومة لائم، لترجع إليهم الأمة فيما نزل بها من أحداث، وما يجدّ من نوازل، وألا يُفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فيلج فيه من لا يحسن قراءة آية من كتاب الله في المصحف، كما لا يُحسن أن يجمع بين أشتات الموضوع، ويرجح بعضها على بعض.

والذين أفتوا بإقفال باب الاجتهاد إنما نزعوا عن خوفٍ من أن يدَّعي الاجتهاد أمثال هؤلاء، وأن يفتري على الله الكذب، فيقولون هذا حلال وهذا حرام، من غير دليل ولا برهان، وإنما يقولون ذلك إرضاء للحكام، ولقد رأينا بعض من يدَّعي الاجتهاد يتوهم أن القول بكذا وكذا فيه ترضية لهؤلاء السادة، فيسبقونهم بالقول، ويعتمد هؤلاء الحكام على آراء هؤلاء المدعين، فقد رأينا في عصرنا هذا من أفتى بحل الربا الاستغلالي دون الاستهلاكي، بل منهم من قال بحله مطلقا؛ لأن المصلحة – في زعمه – توجب الأخذ به، ومنهم مَن أفتى بجواز الإجهاض ابتغاء تحديد النسل، لأن بعض الحكام يرى هذا الرأي، ويسميه ” تنظيم الأسرة “، ومنهم من يرى أن إقامة الحدود لا تثبت إلا على من اعتاد الجريمة الموجبة للحدِّ، ومنهم … ومنهم … فأمثال هؤلاء هم الذين حملوا أهل الورع من العلماء على القول بإقفال باب الاجتهاد.

ولكنا نقول: إن القول بحرمة الاجتهاد وإقفال بابه جملة وتفصيلًا لا يتفق مع الشريعة نصًّا وروحًا، وإنما القولة الصحيحة هي إباحته، بل وجوبه على من توفرت فيه شروطه؛ لأن الأمَّة في حاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية فيما جدَّ من أحداث لم تقع في العصور القديمة.  انتهى.

* وسئل علماء اللجنة الدائمة: 

هل يعتبر باب الاجتهاد في الأحكام الإسلامية مفتوحًا لكل إنسان، أو أن هناك شروط لا بد أن تتوفر في المجتهد؟ وهل يجوز لأي إنسان أن يفتي برأيه، دون معرفته بالدليل الواضح؟ وما درجة الحديث القائل ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ) أو ما معناه؟.

فأجابوا:

باب الاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية لا يزال مفتوحًا لمن كان أهلاً لذلك، بأن يكون عالمًا بما يحتاجه في مسألته التي يجتهد فيها، من الآيات والأحاديث، قادرًا على فهمهما، والاستدلال بهما على مطلوبه ، وعالمًا بدرجة ما يستدل به من الأحاديث، وبمواضع الإجماع في المسائل التي يبحثها حتى لا يخرج على إجماع المسلمين في حكمه فيها، عارفًا من اللغة العربية القدر الذي يتمكن به من فهم النصوص؛ ليتأتَّى له الاستدلال بها، والاستنباط منها، وليس للإنسان أن يقول في الدين برأيه، أو يُفتي الناس بغير علم، بل عليه أن يسترشد بالدليل الشرعي، ثم بأقوال أهل العلم، ونظرهم في الأدلة، وطريقتهم في الاستدلال بها، والاستنباط، ثم يتكلم، أو يفتي بما اقتنع به، ورضيه لنفسه دينًا.

أما حديث ( أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ): فقد رواه الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في ” سننه “، عن عبد الله بن أبي جعفر المصري مرسلًا.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 17 ، 18 ).

رابعًا:

وهل اجتهاد علماء هذا العصر ينقض إجماع الصحابة؟! ولعل السائل يريد: الاجتهاد الذي يخالف ما أجمع عليه الصحابة، والجواب عليه: أنه لا يجوز لأحدٍ أن ينقض إجماعًا ثابتًا، ليس من أهل عصرنا فحسب، بل من كل من جاء بعد ثبوت ذلك الإجماع، ولو كان من التابعين، وإنما نرى خلاف العلماء للإجماعات قبلهم لأسباب:

  1. أنه قد لا يكون ثبت لدى ذلك الفقيه ذلك الإجماع، فبذل وسعه، واجتهد، وتوصل لخلاف ما ثبت الإجماع عليه.
  2. أن الإجماع الثابت قد لا يكون إجماعاً متفقًا على حجيته، كالإجماع السكوتي، فيرى الفقيه أن من حقه أن يجتهد، وأن ذلك الجماع ليس ملزمًا له.

وأما مع كون الإجماع قطعيًّا: فإنه لا يحل لأحدٍ أن يجتهد في المسألة أصلًا، فضلًا أن يخالفها، والإجماع مستنده النص، والمخالف له: مخالف للقرآن والسنَّة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

كل ما أجمعوا عليه فلا بدَّ أن يكون فيه نصٌّ عن الرسول، فكل مسألة يُقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين: فإنها مما بيَّن الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص البيِّن، وأما إذا كان يظن الإجماع، ولا يقطع به: فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر؛ بل قد يكون ظن الإجماع خطأ ، والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع، وما لا يكفر.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 39 ).

* وقال السرخسي – رحمه الله -:

الإجماع موجب للعلم قطعًا بمنزلة النص، فكما لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له: لا يجوز مخالفة الإجماع برأي يعترض له بعدما انعقد الاجماع بدليله. ” أصول السرخسي ” ( 1 / 308 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح؛ لقوة مأخذه. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 64 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة