هما على علاقة هاتفية محرَّمة ويخيرها بين قبوله زوجًا أو رجوعه للمعاصي!
السؤال
أنا بنت، أخاف الله كثيرًا، تعرفت على شاب عبر الهاتف بقصد الزواج، وهو كذلك ، لكن هناك مشكلة، هو يتكلم في ” الحب “، و ” الغرام ” ، إنه يقول: ” قولي لي ” أحبك “، وإلا لن أتزوج بك، أنتِ لا تحبيني “، وهو لا يعرف عن الدّين، ويريد أن يتوب، يسألني أيضًا عن العلاقات الجنسية بين الرجل فيما تجوز وما لا تجوز، وأنا هذا الشيء رفضته، لكن في مرات أجيب عليه! لأني أحبه، هل يجوز أن أستمر معه وهو في هذا يتكلم معي في حبه؟ وكان له علاقات جنسية مع بنات، وعندما عرفني تاب عنها، وقال: إن لم تتزوجي بي سأرجع إليها، وتكوني أنتِ السبب، وأنا خائفة إن تركته أن يذهب، ويرجع إلى المعاصي، وأكون مذنبة في ذلك، وهل أضحي وأتزوجه؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نشكر لك مراسلتك لنا، وحرصك على معرفة الصواب مما ستتخذينه من قرار، ونسأل الله أن يوفقنا لدلالتك على ما ينفعك في قبرك، وعند لقاء ربك.
ثانيًا:
نعتب عليك في البداية وقوعك في معصية العلاقات المحرمة عبر الهاتف مع أجنبي عنك، وهو ما جرَّك للكلام في الحب، والغرام، واستثارة الشهوات الكامنة عند الطرفين، وقد كانت مثل هذه العلاقات المحرمة سببًا لوقوع كثير من الناس في فاحشة الزنا، وإنما نهينا عن اتباع خطوات الشيطان من أجل أن لا نقع في المحذور العظيم من كل ذنب من الذنوب.
وبما أنك قلت عن نفسك ” إنك تخافين الله “: فكان الواجب عليك تفعيل ذلك الخوف في تلك العلاقة الآثمة، واستشعار رقابة الله تعالى عليك، والخوف من ارتكاب الذنوب، والخوف من الموت على تلك المعاصي قبل التوبة والاستغفار.
والخوف من الله من أعظم ما يدفع به المسلم عن نفسه الإمارة بالسوء فعل المعاصي، ومن أمثلة ذلك وأدلته:
- قال تعالى عن ابن آدم مخاطباً أخاه: ( لَئِنْ بَسَطْتَّ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) المائدة/ 28.
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ … وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ). رواه البخاري ( 6421 ) ومسلم ( 1031 ).
ولا يؤدي الخوف من الله للكف عن المعصية فحسب، بل يؤدي إلى أداء الواجبات، والقيام بالنوافل والمستحبات، بل ولترك الفضول في كل شيء مما لا ينفع صاحبه عند ربه.
* قال ابنُ رَجَب الحنبلي – رحمه الله -:
والقدرُ الواجبُ مِن الخَوفِ: مَا حَمَلَ عَلَى أداء الفَرائضِ، وَاجتنابِ المَحَارمِ، فَإنْ زَادَ عَلَى ذَلكَ بحيث صَارَ بَاعِثاً للنّفوسِ عَلَى التشميرِ في نوافل الطاعاتِ، وَالانكفافِ عَنْ دقائق المكروهاتِ، وَالتبسطِ في فُضولِ المُبَاحاتِ: كَانَ ذَلكَ فَضْلًا مَحْمودًا. ” التخويف من النار ” ( ص 20 ).
ولعل رسالتك هذه أن تكون خطوة مباركة، متقدمة، في سلوك طريق التوبة الصادقة، والكف عن هذا الذنب، وغيره.
ثالثًا:
وأما النصيحة المباشرة في الموضوع: فهو الترك الفوري للمحادثات الهاتفية مع أي رجلٍ أجنبي عنك، والكف الفوري عن الرجل الذي هو موضع سؤالك، ونرجو أن لا تترددي في ذلك، ولنا أسبابنا لنصحك بذلك، ومنها:
- قد ثبت بما لا مجال للشك فيه: أن الزواج عن طريق الهاتف، والإنترنت، بل وعموم العلاقات المحرمة قبل الزواج: أن مصيره إلى الفشل، وأنه سبب للهموم، والغموم، والشكوك، التي تصاحب الزوجين، إن لم يحصل طلاق، وأنتِ قد أغناك الله باستقامتك على دينه، فلا تتورطي فيما تندمين عليه في قابل الأيام.
- أن هذا الرجل الذي يتجرأ على فعل المحرمات الآن، ولا يبدو منه أثر توبة، وخوف من الله: ليس بالذي يصلح زوجاً لك، يرعاك، ويؤدبك، ويربي أولادك، فلا تجعلي من حياتك محط تجربة لشيء فاسد ترينه أمام ناظريك، وفي الخلق من أهل الاستقامة، والدِّين، من هو أليق وأفضل بأن يكون زوجًا لك، ومثل هذا لا يؤسف عليه، وعنده من النساء غيرك ما يتسلى به عنك، ولا تظني للحظة أنه يريدك زوجة عفيفة، مصونة، مكرمة، بل يريد هذا وأمثاله العبث، والتسلية، وعند إرادة الزواج حقيقة يبحث عمن ليس لها ماضٍ، ولا تخاطب الرجال الأجانب، وباختصار يبحث عن غيرك!.
- تهديده بأن يرجع لفعل المعاصي إن لم تقبلي به زوجًا: يؤكد ما قلناه سابقًا عنه، ويؤكد أنه ليس بالحريص على التوبة الصادقة، بل هو ليس بصادق أصلًا، ولو أراد التوبة من معاصيه، ولو خاف من ذنوبه أن تلحق به نارها، أو أن يرجع إليها: لما جعلك بينه وبينها، بل لبادر إلى التوبة بينه وبين الله، ولخاف على نفسه الوقوع فيما يُغضب ربه، وليس الصادق في التوبة من يقول لغيره: إن لم تفعل لي كذا: سأعصي ربي، وأغضبه! بل هذا حال العابثين، والمستهزئين بشرع الله، والراغبين بفعل الموبقات.
فالحذر الحذر من المكالمات الهاتفية معه، ومع غيره، والحذر الحذر من الاغترار بكلامه، وتحميل نفسك مسئولية هدايته، والحذر الحذر من قبوله زوجًا.
هذه نصيحتنا، وهذه وصيتنا، ونسأل الله أن يهدي قلبك لعقلها، وفهمها، وتنفيذها.
والله أعلم.


