طبيب أسنان يفتي بعض مرضاه بترك المضمضة وبعضهم بالتيمم! فماذا يترتب عليه؟

السؤال

أنا طبيب أسنان, في الكثير من الأحيان، وبعد قلع الأضراس: أطلب من المريض بعض النّصائح، كالابتعاد عن المأكولات السّاخنة، والحارّة, ومن ذلك: عدم المضمضة لمدّة أربع وعشرين ساعة على الأقل؛ لتسهيل تخثّر الدّم، ولتلتئم الجروح خلال وقت أسرع، ودون مضاعفات, فيسألني المريض كيف أفعل في الوضوء؟ وكنت أجتهد – غفر اللّه لي وللمؤمنين – فأفتي بإسقاط المضمضة من الوضوء بما أنّها سنّة، وليست من الفرائض في مذهبنا المالكي, وفي أحيان أخرى كنت أنصح بالتّيمّم! وأنا الآن نادم على ذلك إلّا أنّني في حاجة إلى جواب شافٍ أقدّمه لأخي المسلم المريض.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, وجزاك الله خيرًا، ونفع بك, وزادك حرصًا على تعلم ما ينفعك في أمر دينك، ودنياك، والعتب عليك في إفتائك مرضاك بغير علم، وقد تيسرت سبل الوصول إلى أهل العلم، ومواقع الفتوى، وتيسر الحصول على الكتب الفقهية، وسماع الأشرطة الصوتية، بما تقام به الحجة على كثير من الناس لطلب العلم الواجب عليهم، ولعدم الإفتاء بغير علم، وأنت قد أخطأتَ بقولك لمرضاك بالتيمم، وهو قول ليس له أساس من الصحة، وأما القول بترك المضمضة باعتبار أنها سنَّة: فهو جارٍ على المذهب المالكي، بل على قول الجمهور من أهل العلم، وإن كنَّا نرجح وجوبها.

ثانيًا:

مسألة المضمضة والاستنشاق من المسائل التي اختلف فيها العلماء، فمن قائل بالاستحباب، وهم الجمهور، ومن قائل بالوجوب، وهو مذهب جماعة من السلف، وبعض المحققين ممن بعدهم، ومن المعاصرين، وهو الذي يظهر رجحانه.

* قال الشوكاني – رحمه الله -:

فاعلم أنه قد اختلف في الوجوب وعدمه، فذهب أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، ومن أهل البيت: الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله: إلى وجوب المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار, وبه قال: ابن أبي ليلى، وحمَّاد بن سليمان، وفي ” شرح مسلم ” للنووي: أن مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود الظاهري، وأبي بكر بن المنذر، ورواية عن أحمد: أن الاستنشاق واجب، في الغسل، والوضوء، والمضمضة سنَّة فيهما, وما نقل من الإجماع على عدم وجوب الاستنثار: متعقب بهذا ….

وذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والليث، والحسن البصري، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وقتادة، والحكَم بن عتيبة، ومحمد بن جرير الطبري، والناصر – من أهل البيت -: إلى عدم الوجوب.

وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وزيد بن علي – من أهل البيت عليهم السلام -: إلى أنهما فرض في الجنابة، وسنَّة في الوضوء؛ فإن تركهما في غسله من الجنابة: أعاد الصلاة. ” نيل الأوطار ” ( 1 / 172 ).

ومن أقوى ما استدل به من قال بالوجوب:

أ. حديث لقيط بن صبرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ ). رواه أبو داود ( 144 )، وصححه ابن حجر في ” فتح الباري ”  ( 1 / 262 ).

ب. عدم ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمضمضة في وضوئه في حياته كلها.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولم يتوضأ صلى الله عليه وسلم إلا تمضمض، واستنشق، ولم يُحفظ عنه أنه أخلَّ به مرَّة واحدة. ” زاد المعاد ”  ( 1 / 194 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ولم يحكِ أحدٌ ممَّن وصف وضوءه عليه الصلاة والسلام على الاستقصاء: أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهو يرد على من لم يوجب المضمضة أيضًا، وقد ثبت الأمر بها أيضا في سنن أبي داود بإسناد صحيح.

” فتح الباري ” ( 1 / 262 ).

– وقد سبق في جواب لنا بيان أن الوضوء، والاغتسال، لا يصحان إلا بالمضمضة، والاستنشاق.

ثالثًا:

وما دمت أنك كنت تعتقد عدم وجوب المضمضة والاستنشاق تقليدًا لمذهب المالكية: فلا إثم عليك، ولا حرج, ولكن إذا تبيَّن لك وجوب المضمضة والاستنشاق: فلا بد من القول، والعمل، بهذا الحكم؛ لأن الاعتبار في المسائل الخلافية هو الدليل لمن يستطيع النظر في الأدلة، ومعرفة الراجح من المرجوح, وأما من كان لا يستطيع ذلك: فليقلد من يثق بدينه وعلمه.

رابعًا:

وأما إسقاط الوضوء إلى التيمم بعذر عدم قدرة المريض على المضمضة: فهو قول شاذ؛ لأنه يجب على الإنسان أن يأتي بما يقدر عليه من العبادة، ويسقط عنه ما يعجز عن القيام به من أعمالها، قال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) البقرة/ 286، وجاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ). رواه البخاري ( 6858 ) ومسلم ( 1337 ).

فعلى ذلك: فالواجب أن يأتي المريض بما يستطيع فعله من أفعال الوضوء، ويجتنب ما يخاف ضرره, أو ما فيه تأخير برئه، فيتوضأ وضوءً كاملًا ويترك إدخال الماء في فمه، وليغسل شفتيه دون مس الماء لأسنانه إن استطاع ذلك بلا حرج.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في معنى الحديث السابق -:

المكلف إذا عجز عن جملة المأمور به: أتى بما يقدر عليه منه، كمن عجز عن القيام في الصلاة، أو عن إكمال غسل أعضاء الوضوء، أو عن إكمال الفاتحة، أو عن تمام الكفاية في الإنفاق الواجب, ونحو ذلك: أتى بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه. ” مدارج السالكين ”  ( 1 / 382 ).

فينصح المريض بترك ما يخاف ضرره، كترك المضمضة – مثلًا – بشرط  أن يتأكد الضرر, أو يكون محتملًا راجحًا، أو ينصح بتخفيف المضمضة، وعدم المبالغة، على حسب حالته, ومقدار خوف الضرر.

وقد رجحنا في موقعنا أن من عجز عن غسل عضو من أعضاء الوضوء لترتب مضرة على ذلك: أنه يتيمم عنه.

وعليك التوبة والاستغفار بما قلتَه مما يخالف الشرع، وإن علمتَ أحدًا مما أفتيته بالتيمم: فأخبره بالصواب من القول، وليس عليهم إعادة لما قد صلوه بالتيمم.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة