حكم دعم الجمعيات الخيرية التي يقوم عليها المبتدعة

السؤال

هل من الجائز أن أقوم بإعطاء الهبات للطوائف المنحرفة – كالصوفية – إذا كانوا ينفقونها في سبيل الخير، مثل مساعدة الفقراء بينهم، أو إنشاء مدارس يمكن من خلالها تعليم الأطفال، وتحفيظهم القرآن؟ وسوف أكون ممنوناً إذا ما كانت هناك حادثة كهذه من السلف.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن من الخير الذي أمر الله  به وحث عليه: ما يقدمه الإنسان من صدقات يريد بها الأجر والثواب، كما قال تعالى: ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء :114]

وقد بين الله سبحانه في كتابه فضل تلك النفقات والصدقات فقال: ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ ِ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمّ َ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  ) البقرة/ 261، 262.

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ – وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ – وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَل ).

رواه البخاري ( 1344 ) ومسلم ( 1014 ).

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ).

رواه البخاري ( 5073 ) ومسلم ( 993 ).

ثانيًا:

والأصل أن تكون العطيات، والصدقات، وما شابهها: لأهل السنَّة, وأن يتحرى المسلم في ذلك أهل الاستقامة والتقوى منهم، وأن لا يمكِّن لماله أن يكون بين أيدي أهل المجون، والبدع، والضلال؛ لما في ذلك من الاستعانة به على نشر بدعتهم، وضلالهم.

عنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيّ ). رواه الترمذي ( 2395 ) وأبو داود ( 4832 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ثالثًا:

وحكم إعطاء المال لأهل البدع يختلف باختلاف نوع النفقة، ويختلف باختلاف حكم الشرع في البدعة، فإذا كانت النفقة واجبة كالزكاة: فلا تُعطى لمن بدعته تخرجه من الإسلام – كالصوفية الحلولية والاتحادية -، ويعطون من الزكاة إذا كانت بدعتهم لا تخرجهم من الملة – كالصوفية دون أولئك ممن بدعتهم في الذِّكر الجماعي والتوسل -، وكانوا من الأصناف التي تُدفع لهم الزكاة.

وأما إن كانت النفقة مستحبة: فيجوز إعطاؤها لمن بدعته غير مخرجة له من الملة، إلا أن يكون يستعين بذلك المال على نشر بدعته، ومحاربة السنَّة وأهلها به، والأولى أن تكون نية المُعطي تأليف قلب ذلك المبتدع على السنَّة.

وإذا كان أولئك المبتدعة يرعون أيتامًا، وفقراء: فإن الأولى أن يتولى أهل السنَّة زمام ذلك، أو يعطى أولئك الفقراء والأيتام مباشرة؛ لأن تمكين المبتدعة من المال ليقوموا بتوزيعه هم: من شأنه أن يقوي مكانتهم بين العامة، ويصلوا بذلك إلى قلوبهم، فيتمكنون من نشر بدعتهم بينهم.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين  – رحمه الله -:

هل يجوز دفع الزكاة لأهل البدع؟.

فأجاب:

البدع تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: بدع مكفِّرة، يخرج بها الإنسان من الإسلام، فهذه لا يجوز أن تدفع الزكاة لمن كان متصفًا بها، مثل من يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يجيب دعاء من دعاه، أو يستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو يعتقد بأن الله بذاته في كل مكان، أو ينفي علو الله عز وجل على خلقه، وما أشبه ذلك من البدع.

القسم الثاني: البدع التي دون ذلك، والتي لا توصل صاحبها إلى الكفر، فإن صاحبها من المسلمين، ويجوز أن يعطى من الزكاة إذا كان من الأصناف الذين ذكرهم الله في كتابه. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 18 / 279 ).

فالزكاة الواجبة لا تدفع للصنف الأول, وأما غيرها من صدقة التطوع، والهبة، والإحسان: فلا بأس بإعطائهم منها بالشرطين المذكوريْن -أن لا يستعينوا بها على نشر بدعتهم, وأن يكون ذلك بنية تأليف قلوبهم -، وقد أجاز العلماء إعطاء غير المسلم من تلك النفقات والأموال: فمن باب أولى من كان من أهل الإسلام وقد تلبس ببدعة.

وأقوال العلماء في دفع الزكاة للعاصي، والمبتدع تدل على ما ذكرناه، وتفصيله:

  1. لا يُعطى الفسَّاق والمبتدعة من الزكاة إن كانوا غير مستحقين لها.
  2. لا يُعطون منها إن كانوا يستعينون بها على معصيتهم، وبدعتهم.
  3. لا يُعطى المبتدعة الذين تخرجهم بدعتهم من الملة.
  4. أهل السنَّة، وأهل الطاعة، هم أولى من يُعطون من الزكاة إن كانوا مستحقين.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 23 / 327، 328 ):

وقد صرح المالكية بأن الزكاة لا تُعطى لأهل المعاصي إن غلب على ظن المعطي أنهم يصرفونها في المعصية، فإن أعطاهم على ذلك: لم تجزئه عن الزكاة، وفي غير تلك الحال تجوز، وتجزئ.

وعند الحنابلة: قال ابن تيمية: ” ينبغي للإنسان أن يتحرى بزكاته المستحقين من أهل الدِّين المتبعين للشريعة، فمن أظهر بدعة، أو فجورًا: فإنه يستحق العقوبة بالهجر، وغيره، والاستتابة، فكيف يعان على ذلك؟ “، وقال: ” مَن كان لا يصلي: يؤمر بالصلاة، فإن قال: أنا أصلي: أُعطي، وإلا لم يعط “، ومراده: أنه يعطى ما لم يكن معلوما بالنفاق.

وعند الحنفية: يجوز إعطاء الزكاة للمنتسبين إلى الإسلام من أهل البدع إن كانوا من الأصناف الثمانية، ما لم تكن بدعتهم مكفرة مخرجة لهم عن الإسلام.

على أن الأولى تقديم أهل الدِّين المستقيمين عليه في الاعتقاد، والعمل على من عداهم عند الإعطاء من الزكاة، لحديث: ( لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِناً وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ ). انتهى.

وما قلناه في الزكاة، ونقلناه عن أهل العلم: هو عينه الذي نقوله في الصدقات المستحبة، وفي الهبات.

وليعلم الأخ السائل وفقه الله أن أهل البدعة ينصر بعضهم بعضًا، وينتصر بعضهم لبعض، وأما أهل السنَّة فلا بواكي لهم إلا قليلًا، فالأولى والأحرى أن يقصد الإنسان ويتحرى أهل السنة والجماعة بزكاته، ونفقاته، ووقفه، وهباته، وخاصة في مثل هذا الزمان الذي يعيش فيه أهل السنة غربة عظيمة، في اعتقادهم، ومنهجهم، وبلدانهم.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة