هل تحف الملائكة من يستمع لدرس علمي في فضائية أو يشارك في منتدى إسلامي؟
السؤال
قال صلى الله عليه وسلم فيما معناه: ( ما من قوم اجتمعوا يذكروا الله في مجلس إلا حفتهم الملائكة ).
الآن نحن في عصر التكنولوجيا والمنتديات، هل القسم الإسلامي، أو المنتدى الإسلامي، يندرج تحت اسم ” المجلس ” الذي ورد في الحديث؟ وعليه: هل تحف الملائكة مَن وُجد بالقسم أو كتب فيه وشارك؟.
الجواب
الحمد لله
الحديث المشار إليه في السؤال قد رواه مسلم – ( 2699 ) – عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( … وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ).
وظاهر هذا الحديث يحصر الفضل الوارد فيه في مجالس العلم المعقودة في المساجد دون غيرها من الأماكن، لكن ورد حديث آخر يجعل ذلك الفضل لكل من كان في مجلس يتعلم فيه شرع الله تعالى، أو يعلِّمه، وليس يختص في كونه يُعقَد في بيت من بيوت الله.
عن أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ).
رواه مسلم ( 2700 ).
* قال النووي – رحمه الله -:
ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة: الاجتماع في مدرسة، ورباط، ونحوهما – إن شاء الله تعالى -، ويدل عليه الحديث الذى بعده، فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب، لا سيما في ذلك الزمان، فلا يكون له مفهوم يُعمل به.
” شرح مسلم ” ( 17 / 22 ).
والسؤال الآن: أنه يحصل أن يحضر كثير من المسلمين لحلقات علمية ومحاضرات شرعية في الفضائيات، أو يستمعون لدروس في الإذاعات، أو من خلال أجهزة التسجيل، وقد يشاركون في منتديات إسلامية بكتابة مقالات، ومناقشة أحكام شرعية، فهل يدخل أولئك في الحديث الثاني، ويستحقون الفضل الوارد فيه؟.
والجواب عن هذا يكون بتقسيم تلك الوسائل إلى قسمين:
الأول: حلقات علمية، ودروس شرعية، مباشرة، سواء من فضائية، أو من إذاعة، وكتابات في منتديات إسلامية ضمن نقاش مباشر.
الثاني: حلقات علمية، ودروس شرعية، مسجلة، أو معادة، وكتابات وقراءات في منتديات إسلامية مخزَّنة أو بمشاركة لاحقة، ويجمعها كلها أنها غير مباشرة في بثها، وكتابتها.
والذي يظهر لنا – والله أعلم -: أن القسم الأول يُرجى أن يكون داخلًا في الفضل الوارد في الحديث، وأن من حضر مجلس علم مباشر في فضائية، أو إذاعة، أو من خلال غرفة في برنامج ” البال توك “، أو كان في نقاش مباشر في حلقة كتابية علمية في منتدى إسلامي: أنه يرجى لجميع أولئك أن يصدق عليهم أنهم قعدوا في مجلس علم، وأنهم يستحقون ذلك الفضل الوارد في الحديث.
وأما من حضر حلقة علمية معادة، أو استمع لدرس من خلال جهاز تسجيل، أو شارك في الكتابة في منتديات إسلامية غير مباشرة: فإن جميع أولئك مأجورون على تعلمهم، وتعليمهم، وقضاء أوقاتهم في النافع المفيد، لكننا لا نرى أنه يصدق عليهم ذلك الحديث؛ لبُعد واقعهم عن الواقع الأول، فقد يكونون يحضرون حلقة علم لعالِم قد مات منذ أمدٍ بعيد، وقد يشاركون في موضوع في منتدى إسلامي يستمر النقاش فيه سنوات، وكل ذلك يجعل واقعهم غير الواقع المذكور في الحديث.
* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
مجموعة من النساء لا يستطعن أن يحضرن إلى المساجد لسماع الندوات فتضطر إحداهن لشراء أشرطة المسجل لسماع هذه الندوات، فهل ثواب السامع من الشريط هو نفس ثواب الجالس في المسجد مباشرة من تنزل الملائكة عليهم وإحاطتهم بالرحمة؟.
فأجاب:
لا، الذين يستمعون إلى الأشرطة ليسوا كالذين يحضرون إلى حلقة الذكر ويشاركون الذاكرين في مجالسهم، ولكن السامع للأشرطة له أجر الانتفاع وطلب العلم الذي يحصلونه من هذه الأشرطة، وما أكثر ما حصل من الهدى والاستقامة بواسطة هذه الأشرطة، والشريط – كما نعلم – خفيف المحمل، سهل الاستفادة، فالإنسان يمكن أن يستمع إليه وهو في شغله، ويمكن أن يستمع إليه في سيارته ماشيًا في طريقه، ومن أجل ذلك كانت هذه الأشرطة فضل كبير من الله سبحانه وتعالى، فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا التسهيل والتيسير.
” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 26 / 140 ).
ونرى أن ذلك التفصيل قول وسط بين من أدخل كل حضور لحلقة علم مسجلة أو مباشرة، أو شارك في موضوع في منتدى إسلامي مباشر وغير مباشر، فجعل ذلك داخلاً في الحديث، وبين من أخرج كلا القسمين – المسجَّل والمباشر – من الحديث والفضل الوارد فيه.
والله أعلم.



كتب الله لكم الاجروالثواب والقبول وجزاكم الله خيرا