رأوا والدهم في المنام فأخبرهم بانشغال ذمته بمالٍ لشخص فتحقق موته فماذا عليهم؟
السؤال
توفي والدي من قرابة ثلاثة أشهر، واتضح لنا من خلال رؤيا رأيناها أنه عليه ديْن من تصفية شراكة قديمة مع أحد الأشخاص، مع العلم أن هذا الشخص صاحب الديْن قد توفي أيضا قبل أبي على حسب تفسير الرؤيا، علمًا أن الرؤيا قد فسرها أحد المشايخ الثقات، وقد اجتهدنا وحاولنا بشتى الطرق في البحث عن أهل صاحب الديْن ولم نستطع أن نتعرف عليهم، فأمَرَنا الشيخ بإخراجها صدقة عن صاحب الديْن، هل هذا يبرىء ذمة والدي في قبره إن شاء الله؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أما بخصوص الرؤيا التي رآها بعضكم في انشغال ذمة والدكم بمال لشريكٍ له سابق: فهو غير ملزم لكم بأدائه إلا أن يقرَّ الشريك بحقه عند أبيكم، أما وهو غير موجود حتى يقرَّ بذلك، ولم يكن ثمة بيِّنة شرعية على ذلك الحق: فإنه لا يجب عليكم شيء تجاه تلك الرؤيا.
ويمكن الاستئناس بتلك الرؤيا، والعمل بمقتضاها في حال وافق الورثة على إخراج ذلك المال من تركة والدكم.
وفي حال وجود من يرغب منكم بأداء ذلك المال لصاحبه، والعمل بمقتضى تلك الرؤيا: فإنه يمكنه ذلك إن دفع لصاحب الحق من ماله الخاص.
فتلخص وجود أحوال:
الأولى: أن يوافق الورثة على إخراج ذلك الحق من التركة، فيُخرج منها.
الثانية: أن يرفض أحد من الورثة ذلك، فلا تثريب عليه، وتقسَّم التركة على الورثة.
الثالثة: أن يوجد مَن يرغب مِن الأبناء بإعطاء صاحب الحق حقَّه: فلا يُمنعون من ذلك، ويُخرِجون ذلك الحق من أموالهم الخاصة.
قال الدكتور خالد بن بكر بن إبراهيم آل عابد – وفقه الله -:
لو رُؤيَ شخص بعد موته يوصي هل تنفذ وصيته؟.
لم أقف على نص واضح في المسألة لكن ومن خلال النظر في أصول الشريعة وقواعدها العامة ومن خلال أقوال العلماء في العمل بالرؤى أقول مستعينا بالله: إن هذه الوصية لا تخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يوصي بفعل برٍّ، كبناء مسجد، أو التصد ، وما أشبه ذلك.
الحالة الثانية: أن يوصي بفعل واجب عليه ، كقضاء ديْن، أو أداء أمان ، أو رد عارية، أو أداء زكاة ، أو حج ، وما أشبه ذلك مما لم يعلمه الورثة ولم تقم عليه بيِّنة.
فالحالة الأولى: إن رضي الورثة بإنفاذه : فلا إشكال عندئذٍ، فهي كالصدقة لمورثهم، وإنفاذها لا يقدح في قواعد الشريعة الكلية، ولا يخالف أصلًا، فيعمل بالرؤيا استئناسًا، ولا مانع منه.
أما إذا لم يرض الورثة: فيحرُم إنفاذ الوصية؛ لأنه عندئذٍ يؤدِّي إلى مخالفة قواعد الشريعة والنصوص الشرعية، وبيانه:
أن الملك يزول بالموت، والأصل: أنه لا يحق للإنسان التصرف في ماله بعد موته؛ لانتقال
الملكية إلى الورثة، إلا أن الله منَّ على المؤمن فجعل له الحق بأن يوصي بثلث ماله وينفذ تصرفه فيه بعد موته صدقة منه عز وجل، وبعد الموت يفوت هذا الحق، فالإلزام بإنفاذ الوصية التي رؤيت في النوم: ينافي ما تقرر في الشريعة من أنه لا ينفذ تصرف الإنسان فيما لا يملك، ومخالف لمقتضى آيات وأحاديث المواريث التي قسمت التركة على الورثة، ولم تجعل لغيرهم نصيبًا فيها.
أما الحالة الثانية: فيما لو أوصى بواجب عليه، كما لو رؤي في المنام يقول: لفلان بن فلان عليَّ ألفٌ فاقضوه، أو له أمانة كذا وكذا فأدوه، أو عارية كذا فردوها، ثم بعد التحقق وجد الأمر كما ذكر، فالذي يظهر ل : أنه يلزم إنفاذها؛ لدلالة القرائن على ذلك، ولأن هذا من الحقوق المتعلقة بذمة الميت فيجب أداؤها عنه، بل هي مقدَّمة على الإرث، ولا يقال: إن هذا فيه إثبات للحكم الشرعي بالرؤيا إذا احتفت بالقرائن لأنا نقول: إن وجوب قضاء الدَّيْن وأداء الأمانة ورد العارية ونحوها: ثابت بأصل الشرع والرؤيا لما احتفت بالقرائن أظهرت هذا الحكم، فلم يعمل هنا بمجرد الرؤيا بل بما احتفت بها من القرائن، وهي معتبرة شرعًا في إثبات الأحكام.
بحث بعنوان: ” الرؤى الصادقة، حجيتها وضوابطها ” ( ص 36 ، 37 )، وقد نشر في ” مجلة جامعة أم القرى “، ج ١٩، ع ٤٢، رمضان ١٤٢٨ هـ.
ثانيًا:
وإذا تمَّ الاتفاق على إعطاء صاحب الحق حقَّه سواء من التركة أو من أموالكم الخاصة، وقد تحقق وفاة صاحب ذلك الحق: فإن التصرف الصحيح يكون وفق الترتيب الآتي:
- البحث عن ديْن لأحدٍ على ذلك الرجل لم يؤدَّ، فتؤدوا ديْنه، وتبرؤا ذمته.
- فإن لم يوجد أحد له على ذلك الرجل ديْن، أو عسر عليكم معرفة ذلك: فيؤدى هذا المال لورثته.
- فإن لم تعلموا مكان ورثته، وعسر عليكم الحصول على عناوينهم: فتصدقوا بذلك المال – الذي أخبركم به والدكم في الرؤيا – عنه، وهو يصل له، ويجعله الله في ميزان حسناته.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وإن كان قد مات – أي: صاحب الحق -: فإنه يوصله إلى ورثته؛ لأن المال بعد الموت ينتقل إلى الورثة، فلابدَّ أن يسلِّمه للورثة، فإن لم يعلمهم بأن جهلهم ولم يدر عنهم: تصدق به عنهم، والله تعالى يعلمهم، ويعطيهم حقهم.
” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 509 ، 510 ).
وإذا فعلتم ذلك: برأت ذمة والدكم إن شاء الله، وإن لم تكن ذمة والدكم مشغولة بذلك الدَّين كانت تلك الأموال صارت صدقة من الصدقات لكم تجدون أجرها يوم القيامة، ويصل لوالدكم منها من الأجور كما يصل لكم؛ كما جاء في الحديث ( الوَلَدُ مِنْ كَسْبِ أَبِيهِ ) رواه أهل السنن الأربعة.
والله أعلم.


