يسأل لماذا خلقنا؟ ولماذا أمرنا بالعبادة؟ ولماذا نُبتلى بسبب الحرب بين الله والشيطان؟

السؤال

لقد قاومت هذه الأسئلة لمدة طويلة حتى أنني لا أملك من الشجاعة ما يمكنني أن أتكلم به مع إمام مسجدنا، وأظن أنه ليس لديه ما يصبر به عليَّ، وكذلك من المعرفة ما يمكنه أن يجيب على تلك الأسئلة، أرجو أن تبذلوا قصارى جهدكم للإجابة على أسئلتي، وشكرًا.

لماذا خُلقنا؟ وكذلك لماذا خلق الشيطان؟ وإن كان الرب لا يحتاج إلى عبادتنا فلماذا خلَقَنا وأمرنا بعبادته؟ ولماذا يحتاج الله لصلواتنا لتعظيمه وهو الرب سبحانه وتعالى؟.

وإذا كانت هناك حرب بين الله والشيطان فلماذا نحن نعاني بسببها؟ ألا يجب على الله والشيطان أن يسووا تلك الحرب بينهم بأنفسهم بينما يغرينا الشيطان ونُبتلى ونُختبر من الله دون أي سبب؟ لماذا ينال بعض الناس الفضائل وينال الآخرون المثالب؟ بعضهم يولدون أغنياء وآخرون فقراء، البعض مشوهون والآخرون مكفوفون، البعض أصحاء والآخرون مرضى، لماذا لا ننال كلنا الفضائل كالآخرين؟ إذا لم يكن الله عادلاً فكيف يتوقع  منَّا أن نكون منصفين عادلين؟! أليست قسوة من الله أن يخلقنا ثم يتسبب لنا في الألم والجوع والمشقة … إلى غير ذلك؟ وكيف يتسلى في حين يبتلينا نحن بل ونقع في الضلال وذلك عن طريق أحد مخلوقاته ألا وهو الشيطان؟ وإذا أصغينا للشيطان واستسلمنا لإغراءاته فكيف نعاقب على ذلك؟ ولماذا يجب علينا ألا نسأل من أين أتى الله؟ ففي القرآن يأمرنا الله بالتأمل والتفكر في خلقه وكذلك في ذاته، وإذا كان الله خلقني وكذلك خلق عقلي وأنا أستخدمه لأتأمل في قوته وعجائبه ومن أين حصل على تلك القوة: كيف يكون هذا معصية؟.

أشك بدرجة عالية أنك تستطيع أن تجيب على أسئلتي، ولكني قد أخرجتها من داخلي، ولكن على الأقل حاول أن تجيب ولو على بعضها.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

سننطلق معك في إجابة مسائلك من خلال ” بطاقتك الشخصية ” التي ذكرتَ فيها أنك ” مسلم “، ومن خلال كلماتك التي سطرتها أعلاه، فأنت ذكرت في كلامك ألفاظ ” الله ” ” الرب سبحانه وتعالى ” وذكرت ” أن الله خلقنا ” و ” خلق الشيطان “، وفي آخر كلامك قلت ” وأسأل الله أن يرزقني وكل المسلمين المعرفة والحكمة “.

ونحن نقول لك: هذا الرب الذي تؤمن به إلها وخالقا وتعتقد أنه يملك خزائن السموات والأرض ألا تعتقد أنه حكيم بأفعاله ؟! فعجيب منك اعتقادك به تلك الاعتقادات ثم تعترض على بعض أفعاله ظانّاً أنها ظلم أو أنها عبث! وهذا غاية في الجحود والضلال.

ودعنا نسألك سؤالا راجين منك الإجابة بصدق، لو أنك فتحت جهازك ” الحاسوب ” من الداخل فرأيت تلك القطع المرصوصة فيه، ورأيت الأسلاك عن اليمين والشمال: ألا تسلِّم لتلك العقول التي صنعته بالعلم، والإبداع؟ ثم هل سيخطر في بالك أنه ثمة ” قطعة ” في الجهاز وُضعت ” عبثًا ” وأنه يمكنك إزالتها وطرحها من الجهاز؟ نظن أنه لست بفاعل ذلك، وأنك ستسلم أنه لم توضع قطعة فيه إلا لسبب وأن صانعيه لم يجعلوا فيه شيئًا يمكن طرحه وإزالته من غير أن يؤثر على عمل الجهاز، ونظن أن هذا هو واقع كل عاقل، فهل يا ترى تسلم بالعلم الإبداع لعقول مخلوقة علمها مستمد من تعليم الله لها، وتسلم لها بالحكمة في صنع الأشياء وأنها قد وضعتها في مكانها الصحيح، ثم لا يكون منك ذلك الاعتقاد وذلك التسليم لرب العالمين الذي خلق الكون كله، جعل فيه الإنس والجن، والصحيح والسقيم، والفقير الغني، والعزيز والذليل؟! وهل تظن أن قطعة في جهاز من بشر مخلوق لها حكمة في وجودها في مكانها وكل ذلك من رب العالمين لا حكمة فيه؟!.

– وانظر في الحكم الجليلة من خلق السموات والأرض وخلق البشر وخلق الجانّ في أجوبتنا الأخرى.

ثانيًا:

قلتَ: ” ولماذا يجب علينا ألا نسأل من أين أتى الله؟ “.

والجواب:

أن هذا السؤال متناقض في نفسه، فكيف يكون ” الله ” ثم تسأل من أين أتى؟! فالله تعالى هو الأول وليس قبله شيء – كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم – ولو كان قبله شيء، أو كان ثمة من جاء به: لم يكن ربّاً ولا إلهًا، ولرجعنا للذي قبله، حتى نصل إلى الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الله تعالى، فهل تظن أنه بسؤالك ستنحل عقدٌ وتزول إشكالات؟! إن الله الذي نعبده ( لم يلد ولم يولد ) وهو ( الأول فليس قبله شيء ) وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن مثل سؤالك ذاك وأنه ليس له مصدر إلا الشيطان، وأنه لا يزال يتدرج في وساوسه حتى يصل بصاحبه إلى الشك في وجود ربه تبارك وتعالى وفي ألوهيته، ولك أن تتأمل في سؤالك ” مِن أين أتى الله “؟ وهذا – بالضبط – ما يريد الشيطان أن يوصلك إليه لتقطع إيمانك بالله تعالى فتصير ملحدًا متشككًا في وجوده عز وجل.

عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ). رواه البخاري ( 3102 ) ومسلم ( 134 ).

– وفي لفظ عند مسلم ( 134 ): ( فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلكَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِالله ).

ففي هذا الحديث بيان مصدر هذه الأسئلة وهو الشيطان، وبيان طريقة علاج وسوسته وكيده بالانتهاء والكف عن الانسياق وراء هذه الوساوس، وبالاستعاذة بالله من الشيطان، وبإعلان الإيمان بالله تعالى.

ثالثًا:

وقولك ” وإذا كانت هناك حرب بين الله والشيطان فلماذا نحن نعاني بسببها؟ ألا يجب على الله والشيطان أن يسووا تلك الحرب بينهم بأنفسهم بينما يغرينا الشيطان ونُبتلى ونُختبر من الله دون أي سبب؟ “: في غاية الوقاحة والجهل، وسواء كنت مسلمًا أم كافرًا: فإن هذا الكلام لا يقوله إلا ملحد، لا يؤمن بالله تعالى ربًّا، ولا ندري أي إسلام تعتنقه وأنت تقول مثل هذا الكلام وتعتقد أن الشيطان ندٌّ لله تعالى وأنه ثمة حربٌ بينهما وأن عليهما أن يسويا الأمور بينهما؟! ولو أنك لم تعرِّف على نفسك بأنك مسلم لكان لنا جواب آخر معك إن كنا سنجيبك، لكن أن تعرف نفسك بأنك مسلم ثم يصدر منك هذا الكلام وغيره: فهذا الذي نتعجب منه، فأي ربِّ تؤمن به حتى تظن أن الشيطان الرجيم ندٌّ لله تعالى وداخل في حرب معه؟! ألا تعلم إن كنت مسلمًا- بل ويهودي أو نصراني – أن الله تعالى قد طرد الشيطان من الجنة، وأنه تعالى هو الذي أمهله ليعيش هذه المدة الطويلة؟ ألا تعلم أن الله تعالى قد جعل كيد الشيطان ضعيفًا وأن أتباعه إنما يتبعون أهواءهم وهو لم يكن صاحب سلطان عليهم بل ما كان منه إلا دعوتهم للضلال والكفر والفجور فما كان منهم إلا اتباعه؟ وهل تعلم أن الشيطان لا يعتقد في نفسه ما تعتقده أنت وغيرك ممن ألحد في ألوهية الله تعالى؟! نعم، إن الشيطان يعتقد الله تعالى هو ربُّ كل شيء، وأن مالك الملك، فلذا توجَّه إليه تعالى بربوبيته يطلب منه أن يمهله وأن يؤخر أجله، بينما ثمة كثير من الناس عبدوا شجرًا وحجرًا واعتقدوا في الأموات والأصنام أنها تهب الحياة وتسلبها من الناس!.

فإن كنتَ مسلمًا فاعلم أن ما قلته هو إلحاد برب العالمين، وإن كنت ملحدًا فليس لنا إلا أن ندعوك إلى الإسلام والتوحيد، ونقيم بذلك الحجة عليك.

رابعًا:

وقولك ” لماذا ينال بعض الناس الفضائل وينال الآخرون المثالب؟ بعضهم يولدون أغنياء وآخرون فقراء، البعض مشوهون والآخرون مكفوفون، البعض أصحاء والآخرون مرضى، لماذا لا ننال كلنا الفضائل كالآخرين؟ إذا لم يكن الله عادلاً فكيف يتوقع  منَّا أن نكون منصفين عادلين؟! أليست قسوة من الله أن يخلقنا ثم يتسبب لنا في الألم والجوع والمشقة … إلى غير ذلك؟ “: يؤكد لنا أنك ملحد، تريد فقط أن تتخذ هذا المنبر لتسب الله تعالى.

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة