هل ثمة تعارض بين ما ثبت في أن المؤمنين يرون ربَّهم في الجنة وأنهم يرون وجهه؟

السؤال

هل المؤمنين يرَون الله عز وجل في الجنة بكامل صفاته سبحانه أم أنهم يرون وجهه الجليل فقط؟ وهل رؤية الله في الجنة تتعدد؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

قد بينَّا اعتقاد أهل السنَّة في رؤية الله تعالى في الجنَّة بأدلة من القرآن والسنَّة والإجماع.

ثانيًا:

جاءت نصوص الوحي تبيِّن أن الاعتقاد الصحيح في رؤية المؤمنين ربَّهم تعالى، وبعضها في كون الرؤية لله تعالى، وأخرى لرؤية وجهه الكريم.

فمن الأول:

قوله تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) القيامة/ 22، 23.

ومن الثاني:

ما جاء من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه في دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ ). رواه النسائي ( 1305 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

ولا فرق فيما ورد في نصوص الوحي بين ما جاء أن المؤمنين يرون ربهم تعالى وبين ما ورد أنهم يرون وجهه عز وجل؛ لأن:

  1. الوجه من صفات الله الله تعالى، فمن رأى وجهه عز وجل فقد رأى ربَّه تعالى.

* سئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

ورد في بعض أحاديث الرؤية أن الرؤية لله سبحانه وفي بعضها أن الرؤية لوجه الله فكيف الجمع بينهم؟.

فأجاب:

رؤية الله ورؤية وجه الله كلها رؤية لله عز وجل، الله عز وجل من صفاته الوجه، فرؤية الله عز وجل رؤية وجه الله. ” شرح سنن ابن ماجه ” ( شريط 23 ).

  1. أن ” الوجه ” يُعبَّر به عن الذات، ولا يقال هو الذات من غير إثبات صفة الوجه، بل يقال قد يُطلق ويراد به الذات مع إثبات الصفة بما يليق بالله عز وجل.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فإن قيل: ما المراد بالوجه في قوله: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) القصص/ 88؟ إن قلت: المراد بالوجه الذات: فيُخشى أن تكون حرَّفت، وإن أردت بالوجه نفس الصفة: أيضًا وقعت في محظور – وهو ما ذهب إليه بعض من لا يقدرون الله حق قدره، حيث قالوا: إن الله يفنى إلا وجهه – فماذا تصنع؟!.

فالجواب:

إن أردت بقولك ” إلا ذاته “، يعني: أن الله تعالى يبقى هو نفسه مع إثبات الوجه لله: فهذا صحيح، ويكون هنا عبَّر بالوجه عن الذات لمن له وجه.

وإن أردت بقولك ” الذات “: أن الوجه عبارة عن الذات بدون إثبات الوجه: فهذا تحريف وغير مقبول.

وعليه فنقول: ( إِلاّ وَجْهَهُ )، أي: إلا ذاته المتصفة بالوجه، وهذا ليس فيه شيء؛ لأن الفرق بين هذا وبين قول أهل التحريف: أن هؤلاء يقولون: إن المراد بالوجه الذات لأن له وجهًا، فعبَّر به عن الذات.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 8 / 243 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

لما نهى سبحانه عن دعاء غيره لأنه هالك فإنه لا يصلح أن يدعى ويعبد: أخبر أنه هو الباقي وحده الذي يستحق أن يُدعى ويُعبد، وعبَّر بالوجه لأنه أشرف الأعضاء، كقوله تعالى: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 26، 27.

ففي الآيتين إثبات الوجه لله عز وجل على ما يليق بجلاله؛ لأن الوجه يعبَّر به عن الذات عند العرب، والقرآن نزل بلغتهم، وفيهما إخبار عن فناء كل ما سواه وبقائه وحده بجميع صفاته، فهو الحي الذي لا يموت والخلق يموتون ثم يبعثون.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 373 ).

ثالثًا:

ويجب أن يَعتقد المسلم أنه لا يمكنه الإحاطة بربه تعالى عند رؤيته عز وجل، فقد نفى الله تعالى إدراك العباد له تعالى، مع إثبات رؤيتهم له، قال تعالى ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) الأنعام/103.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وحينئذ فتكون الآية دالَّة على إثبات الرؤية، وهو أنه يُرى ولا يُدرك ، فيُرى من غير إحاطة ولا حصر، وبهذا يحصل المدح؛ فإنه وصفٌ لعظمته أنه لا تدركه أبصار العباد وإن رأته، وهو يدرك أبصارهم، قال ابن عباس – وعكرمة بحضرته – لمن عارض بهذه الآية: ” ألست ترى السماء؟ “. قال: بلى، قال: ” أفكلها ترى؟ “.

” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 88 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يرون الله كما يشاء سبحانه وتعالى في كيفية رؤيتهم إياه، وكما يشاء الله في زمن رؤيتهم إياه، وفي جميع الأحوال، يعني: على الوجه الذي يشاؤه الله عز وجل في هذه الرؤية

وحينئذ: فإن هذه الرؤية لا نعلم كيفيتها، بمعنى: أن الإنسان لا يَعلم كيف يَرى ربَّه، ولكن معنى الرؤية معلوم: أنهم يرون الله كما يرون القمر، لكن على أي كيفية؟ هذه لا نعلمها، بل كما يشاء الله. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 8 / 471 ).

رابعًا:

إذا فهمنا أن رؤية وجه الله تعالى في الجنة هي – أيضًا – رؤية لله تعالى: فلا مانع من أن يُرى غير الوجه من صفاته الذاتية، كاليدين مثلا، ونحو ذلك.

وقد ورد أن المؤمنين في عرصات القيامة، قبل دخول الجنة، يرون ربهم عز وجل، ويعرفونه بساقه حين يكشف لهم عنها، كما في حديث الشفاعة الطويل:

( فَلاَ يُكَلِّمُهُ إِلاَّ الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ السَّاقُ. فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ … ) رواه البخاري (7440) واللفظ له، ومسلم (183).

لكن هل يرى غير ذلك من الصفات؟!.

مثل هذا لا يصح القول فيه إلا بتوقيف من الشرع، وليس في البحث عنه كبير فائدة بعد أن يكون المسلم قد أثبت ما دلت عليه النصوص من رؤية الله جل جلاله، والنظر إلى وجهه الكريم في الجنة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة