يعمل في مكتبة جامعية فهل يترتب عليه إثم أو ضمان لما يتلفه من كتب محرَّمة؟
السؤال
أرجو من الشيخ الإجابة عن سؤالي بارك الله فيكم:
أنا أعمل في إحدى المكتبات الجامعية، وقد اقتنت المكتبة كتبًا تعادي الإسلام في ظاهرها وباطنها، وتحرِّض ضد الإسلام والمسلمين، وتدعو إلى الكفر وتكذيب القرآن، فكَّرت – أنا – في الخلاص من هذه الكتب بطريقة التحايل، وسرقة هذه الكتب وإتلافها قصدًا مني تغيير المنكر، علمًا أنني لا أريد إخبار أحد لأن ذلك سوف يجلب لي المضرة في عملي. فهل عملي هذا جائز؟ وهل يعتبر ما أنوي فعله سرقة؟.
أفيدوني بارك الله فيكم.
الجواب
الحمد لله
يجب على كل مَن ولاَّه الله تعالى أمر مكانٍ أن يخليه من كتب السحر والبدع والضلال والفسق والمجون، ويدخل في هؤلاء: ولي أمر البلاد الذي يجب عليه أن يمنع استيراد تلك الكتب، كما يجب عليه إتلاف ما هو موجود منها بالفعل في بلاده، ويشمل ذلك – أيضًا -: ولي أمر البيت، وكذا قيِّم المكتبة، والذين يجب عليهم ما يجب على ولي أمر البلاد، وهكذا الأمر في حق كل صاحب سلطة على مكان.
ومن استطاع من آحاد الناس أن يُتلف شيئًا من كتب الكفر والضلال من غير أن يترتب على فعله مفسدة أعظم: فليُتلفها، حتى لو كان كتاباً مستعارًا، ولا يضمن ما أتلفه؛ لأنه مهدر المالية، وهو مأجور على فعله.
وليُعلم أن الورق الذي طُبعت عليه الكلمات المحرَّمة لا يستفاد منه في عصرنا هذا، بخلاف الشريط الذي سُجِّل عليه المواد المحرَّمة، وآلات اللهو، فتلك يمكن الاستفادة منها، فالشريط فارغًا له قيمة يستحقها صاحبه، وآلات اللهو يمكن الاستفادة من بعضها من خشبها في بعض البلاد، فنرجو التنبه عند الاطلاع على فتاوى أهل العلم بخصوص ضمان المتلفات، وتقدير الزمن الذي قيلت فيه الفتوى، وتقدير العُرف.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 34 / 191، 192 ):
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الكتب المحرَّمة يجوز إتلافها.
قال المالكية: كتب العلم المحرم كالتوراة والإنجيل يجوز إحراقها وإتلافها إذا كانا محرَّفين. وقال الشافعية: يجب إتلاف كتب الكفر والسحر والتنجيم والشعبذة والفلسفة؛ لتحريم الاشتغال بها.
وصرح الحنابلة بأنه يصح شراء كتب الزندقة لإتلافها؛ لأن في الكتب مالية الورق، وتعود ورقا منتفعا به بالمعالجة .
وقال الحنفية: الكتب التي لا ينتفع بها: يُمحى عنها اسم الله وملائكته ورسله ويحرق الباقي، ولا بأس بأن تُلقى في ماء جار كما هي، أو تدفن وهو أحسن. انتهى.
وقال ابن القيم – رحمه الله -:
وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلاف .
قال المروذي: قلت لأحمد: استعرتُ كتاباً فيه أشياء رديئة ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم فاحرقه، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن فتمعر وجه النبي صلى الله عليه و سلم حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه
فكيف لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما صنِّف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنَّة، والله المستعان.
وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنَّة: غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها، وما على الأمة أضر منها، وقد حرق الصحابة جميعًا المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف \، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة؟!.
والمقصود: أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة: يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر؛ فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها، كما لا ضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقها. ” الطرق الحُكمية ” ( ص 399 – 402 ) باختصار.
* وقال الشيخ محمد بن أحمد السفاريني – رحمه الله -:
فكل ما شاكل ذلك وماثَلَه: فلا ضمان على متلفه؛ لعدم حرمته وماليته, وكذا كتب مبتدعة مضلة, وأحاديث مكذوبة, وكتب أهل الكفر بالأولى، لا سيما ( كتب الدروز ) عليهم لعنة الله, فقد نظرت في بعضها فرأيت العجب العجاب, فلا يهود ولا نصارى ولا مجوس مثلهم, بل هم أشد مَن علِمنا كفرًا لإسقاطهم الأحكام وإنكارهم القيام, وزعمهم أن الحاكم العبيدي الخبيث رب الأنام, تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا.
فكل ما كان من هذا وأضرابه من الكتب المضلة: ( اقدد ) ها، أمر وجوب أو استحباب على ما مرَّ بيانه من ” القدِّ “، وهو القطع المستأصل، أو المستطيل، والشق كالاقتداد والتقديد، كما في ” القاموس “.
” غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ” ( 1 / 252 ).
وبما سبق يتبين لك أخي السائل أنه يجب عليك – إن استطعت – أن تتلف كتب البدعة والضلالة، وكتب الكفر التي فيها الطعن في الإسلام من باب أولى، ولا تعدُّ سارقاً إن أنت فعلتَ ذلك، ولا تضمن قيمة تلك الكتب، وأنت مأجور على فعلك إن أخلصت فيه النية، وكل هذا منوط بقدرتك على ذلك من غير ترتب مفسدة عليك إن أنت فعلتَ ذلك، فإن لم تستطع: فلا تُعن أحداً على استعارة تلك الكتب، ولا تمكِّن أحدًا من قراءتها إلا أن يكون ذلك لعالِم أو طالب علم تعرفه، تعلم أنه يريد الاطلاع عليها لنقضها ونقدها، فلا بأس حينئذٍ من تمكينه من استعارتها أو الاطلاع عليها، وهذه أمانة يجب عليك أداؤها على وجهها الأمثل، فلا تكن سبباً في إضلال أحدٍ من الناس أو فتنته عن دينه، واحرص على أن لا تورِّط نفسك فيما لا تقدر عليه من البلاء؛ فإن الله لم يكلفك إلا ما تستطيعه.
وإن لم تستطع تغيير المنكر أو تخفيفه: فليكن منك بحث عن عمل آخر مباح فهو خير لك.
والله أعلم.


