هل يجوز للمطلَّقَة أن تُسقط جنينها قبل الشهر الرابع؟

السؤال

في حال طُلقت امرأة وهي في الشهر الثالث من حملها، وأرادت هذه المرأة أن تتخلص من حملها خشية أن تضع أنثى فيأخذها طليقها، ولن تتمكن من رؤية طفلتها، كما أنها لا تثق في أن زوجها الأول سيرعى المولودة بشكل جيد.  وفي ظل هذه الظروف، هل يجوز لها أن تتخلص من حملها دون إذن الرجل؟  وهل له أي حق فيما تحمله في رحمها بعد أن طلقها؟

و بشكل عام، هل يجوز التخلص من الحمل قبل الشهر الرابع (وأشير إلى حديث النعمان ابن بشير)؟

الرجاء تغطية كل جوانب الموضوع التي قد تكون مفيدة. والسلام عليكم.

الجواب

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

  1. المسلم لا يملك أن يحكم على حياة أحد أو وفاته حتى نفسه التي بين جنبيه فإنه لا يملكها فهذا من حق الله تبارك وتعالى، ونحن مستخلفون في هذا الأمر فقط، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا كما في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدً مخلدًا فيها أبدًا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا “. رواه البخاري ( 3208 ) ومسلم ( 2643 ).

فإذا كان الإنسان يحاسب على نفسه التي بين جنبيه إن قصر بها أو آذاها، فكيف يملك الإنسان نفس غيره حتى ولو كان أحد أولاده بأن يحكم له بالحياة  أو يحكم عليه بالفناء؟.

  1. الأم هي أحق بالحضانة من الأب وأحق بأولادها ما لم تتزوج، فإن تزوجت فالأب أحق بالأولاد، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتلك المرأة التي طلبت حضانة ولدها من زوجها: ” أنت أحق به ما لم تنكحي “. رواه أبو داود ( 2276 ) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه بإسناد صحيح. انظر: ” الإرواء ” ( 2187 ).

فحكمَ النبي صلى الله عليه وسلم أن الأم هي أحق بأولادها منه ما لم تتزوج، وسبب الحديث أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله  صلى الله عليه وسلم: ” أنت أحق به ما لم تنكحي “.

  1. فإذا كانت الأم متزوجة وكان الأب مسلوب العدالة أو يغلب على الظن أن يسيء معاملة الأولاد أو تربيتهم في المستقبل فإنه لا حضانة له، ويقال الأمر نفسه في حال أن تكون الأم كذلك ولم تتزوج.

قال ابن القيم رحمه الله:

وسمعت شيخنا رحمه الله أي: ابن تيمية – يقول:

تنازع أبوان صبيًّا عند بعض الحكام، فخيَّره بينهما فاختار أباه، فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه فسأله، فقال: أمي تبعثني كل يوم للكتَّاب والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع الصبيان، فقضى به للأم قال: أنت أحق به.

قال شيخنا: وإذا ترك أحدُ الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله عليه: فهو عاص، فلا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته: فلا ولاية له عليه، بل إما أن تُرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يُضم إليه من يقوم معه بالواجب، إذ المقصود: طاعة الله ورسوله بحسب.

قال شيخنا: وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء سواء كان الوارث فاسقًا أو صالحًا بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان.

قال: فلو قُدِّر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها، وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرَّة: فالحضانة هنا للأم قطعًا.

قال: ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقًا، ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقًا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقًا بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البَرِّ العادل المحسن، والله أعلم. ” زاد المعاد ” ( 5 / 475، 476 ).

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم:

البنت الصغرى حضانتها لأمها ما لم تتزوج، أو يكمل لها سبع سنين فتكون حضانتها لأبيها بشرط أن لا يلحقها ضرر ببقائها عند أبيها.

وأما الكبرى فحضانتها لأبيها ما لم يلحقها ضرر من بقائها عند ضرَّة أمها.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 874 ).

وقال الشيخ صالح الفوزان:

ولا حضانة لفاسق لأنه لا يوثق به فيها، وفي بقاء المحضون عنده ضرر عليه؛ لأنه يسيء تربيته، وينشئه على طريقته. ” الملخص الفقهي ” ( 2 / 353 ).

  1. لا يجوز للمرأة أن تتخلص من طفلها بعد الشهر الرابع – اتفاقا – ولا بعد الأربعين يومًا – احتياطًا -.

فإن أسقطت المرأة جنينها بعد نفخ الروح وجب عليها عشر الدية، والكفارة  – عند أكثر أهل العلم -، وإن سقط حيا ثم مات ففيه الدية كاملة.

قال ابن قدامة:

وإذا شربت الحامل دواء، فألقت به جنينا، فعليها غرة، لا ترث منها شيئا، وتعتق رقبة ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه، إلا ما كان من قول من لم يوجب عتق الرقبة، على ما قدمنا، وذلك لأنها أسقطت الجنين بفعلها وجنايتها، فلزمها ضمانه بالغرة، كما لو جنى عليه غيرها، ولا ترث من الغرة شيئا؛ لأن القاتل لا يرث المقتول، وتكون الغرة لسائر ورثته، وعليها عتق رقبة؛ كما قدمنا.

ولو كان الجاني المسقط للجنين أباه، أو غيره من ورثته، فعليه غرة، لا يرث منها شيئا، ويعتق رقبة. وهذا قول الزهري، والشافعي، وغيرهما. ” المغني ” ( 8 / 328 ).

* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عن امرأة حامل تعمدت إسقاط الجنين إما بضرب وإما بشرب دواء: فما يجب عليها؟

فأجاب:

يجب عليها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق الأئمة غرة: عبد أو أمة، تكون هذه الغرة لورثة الجنين غير أمه، فإن كان له أب كانت الغرة لأبيه، فإن أحب أن يسقط عن المرأة فله ذلك، ويكون قيمة الغرة عشر دية، أو خمسين دينارا.

وعليها أيضا عند أكثر العلماء عتق رقبة فإن لم تجد صامت شهرين متتابعين، فإن لم تستطع أطعمت ستين مسكينا. ” الفتاوى الكبرى ” ( 3 / 402 ).

قلت: لكن في إيجاب الكفارة نظر، والقول الصحيح عدم وجوبها وهو قول الحنفية، ولا يصح قياس العمد على الخطأ، لاختلاف السبب والحكم، ولم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على من أسقطت جنين امرأة أكثر من غرة عبد أو أمة – وهو ما يعادل عشر دية الرجل -.

عن أبي هريرة: أن امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر – ويروى: بعمود فسطاط -فقتلتها، فأسقطت جنينا، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلة القاتلة، وفي الجنين بغرة عبد أو أمة. رواه البخاري ( 6512 ) ومسلم ( 1681 ).

وهذا القتل لا يعدو أن يكون شبه عمد، لا خطئًا.

قال النووي:

وفي الرواية الأخرى أنها ضربتها ” بعمود فسطاط ” هذا محمول على حجر صغير وعمود صغير لا يقصد به القتل غالبا فيكون شبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني، وهذا مذهب الشافعي والجماهير. ” شرح مسلم ” ( 11 / 177 ).

  1. أما حكم إسقاط الجنين قبل نفخ الروح ففيه خلاف بين الأئمة والأقوال دائرة بين الإباحة والكراهة والتحريم.

في الموسوعة الفقهية الكويتية:

– حكم الإجهاض قبل نفخ الروح:

في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح اتجاهات مختلفة وأقوال متعددة ، حتى في المذهب الواحد:

أ. فمنهم من قال بالإباحة مطلقا، وهو ما ذكره بعض الحنفية، فقد ذكروا أنه يباح الإسقاط بعد الحمل، ما لم يتخلق شيء منه.

والمراد بالتخلق في عبارتهم تلك نفخ الروح.

وهو ما انفرد به من المالكية اللخمي فيما قبل الأربعين يوما، وقال به أبو إسحاق المروزي من الشافعية قبل الأربعين أيضا، وقال  الرملي: لو كانت النطفة من زنا فقد يتخيل الجواز قبل نفخ الروح.

ب. والإباحة قول عند الحنابلة في أول مراحل الحمل، إذ أجازوا للمرأة شرب الدواء المباح لإلقاء نطفة لا علقة، وعن ابن عقيل أن ما لم تحله الروح لا يبعث، فيؤخذ منه أنه لا يحرم إسقاطه، وقال صاحب الفروع: ولكلام ابن عقيل وجه.

ج. ومنهم من قال بالإباحة لعذر فقط، وهو حقيقة مذهب الحنفية.

فقد نقل ابن عابدين عن كراهة ” الخانية ” عدم الحل لغير عذر، إذ المُحرم لو كسر بيض الصيد ضمن لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤاخذ بالجزاء فلا أقل من أن يلحقها – من أجهضت نفسها – إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر، ونقل عن ابن وهبان أن من الأعذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر ( المرضع ) ويخاف هلاكه، وقال ابن وهبان: إن إباحة الإسقاط محمولة على حالة الضرورة.

ومن قال من المالكية والشافعية والحنابلة بالإباحة دون تقييد بالعذر فإنه يبيحه هنا بالأولى، وقد نقل الخطيب الشربيني عن الزركشي: أن المرأة لو دعتها ضرورة لشرب دواء مباح يترتب عليه الإجهاض فينبغي أنها لا تضمن بسببه.

د. ومنهم من قال بالكراهة مطلقا.

وهو ما قال به علي بن موسى من فقهاء الحنفية.

فقد نقل ابن عابدين عنه: أنه يكره الإلقاء قبل مضي زمن تنفخ فيه الروح؛ لأن الماء بعدما وقع في الرحم مآله الحياة، فيكون له حكم الحياة، كما في بيضة صيد الحرم.

وهو رأي عند المالكية فيما قبل الأربعين يوما، وقول محتمل عند الشافعية.

يقول الرملي: لا يقال في الإجهاض قبل نفخ الروح إنه خلاف الأولى، بل محتمل للتنزيه والتحريم، ويقوى التحريم فيما قرب من زمن النفخ لأنه جريمة.

هـ. ومنهم من قال بالتحريم، وهو المعتمد عند المالكية.

يقول الدردير: لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوما، وعلق الدسوقي على ذلك بقوله: هذا هو المعتمد. وقيل يكره. مما يفيد أن المقصود بعدم الجواز في عبارة الدردير التحريم. كما نقل ابن رشد أن مالكا قال: كل ما طرحته المرأة جناية، من مضغة أو علقة، مما يعلم أنه ولد، ففيه الغرة وقال: واستحسن مالك الكفارة مع الغرة.

والقول بالتحريم هو الأوجه عند الشافعية؛ لأن النطفة بعد الاستقرار آيلة إلى التخلق مهيأة لنفخ الروح. وهو مذهب الحنابلة مطلقا كما ذكره ابن الجوزي، وهو ظاهر كلام ابن عقيل، وما يشعر به كلام ابن قدامة وغيره بعد مرحلة النطفة، إذ رتبوا الكفارة والغرة على من ضرب بطن امرأة فألقت جنينا، وعلى الحامل إذا شربت دواء فألقت جنينا. ” الموسوعة الفقهية الكويتية ” ( 2 / 58 – 60 ).

قلت: والأرجح هو القول بالكراهة إلا من عذر.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة