هل وسائل الدعوة وطرقها توقيفية؟
السؤال
هل وسائل الدعوة وطرقها توقيفية ، وهل حديث ” من كان على ما أنا عليه وأصحابي ” شامل لجميع الأمور ، وما المراد بسنة الخلفاء الراشدين؟
الجواب
الحمد لله
أ. أمر الله تعالى بالدعوة إليه ، والدعوة إلى الله عبادة شرفٌ شرَّف الله بها هذه الأمة ، قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } [ آل عمران / 110 ] . والأصل في الوسائل التي تُسلك في الدعوة إلى الله الإباحة وليس التحريم والمنع ؛ والمهم في هذه الوسائل أن لا يقع صاحبها في بدعة أو أمرٍ محرَّم . ونحن نرى علماءنا في هذا الزمان يستعملون الوسائل المتاحة لتبليغ دين الله تعالى للناس ، فهم يدعمون الجمعيات التي ترعى الأيتام وتوزع الكتيبات وتدعو إلى الله ، ونراهم يفرِّغون الدعاة ، ولأكثرهم مواقع في الإنترنت ، هذا عدا عن تأليف الكتب وتوزيع الأشرطة – سواء كانت منهم مباشرة أو بإقرارهم – وكل هذه الوسائل لم تكن موجودةً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن تكون بدعة . وفي ظني أنه إذا أراد الذي يقول بأنها توقيفية أنه ينبغي أن تكون شرعية ولا يكون فيها بدعة أو حرام ، ومن يقول إنها اجتهادية أراد أنه يجوز أن يَسلك طرقاً لم تكن موجودة في زمان النبي صلى الله عليه لكنها لا توقع صاحبها في الحرام : لكان هذا قاطعاً للخلاف الذي نسمعه ونراه .
وهذه نخبة من فتاوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في هذه المسألة :
السؤال:
هل تعتبر وسائل الدعوة إلى الله عز وجل وسائل توقيفية ؟ بمعنى أنه لا يجوز الاستفادة من الوسائل الحديثة في الدعوة ، كوسائل الإعلام وغيرها ، وإنما ينبغي الاقتصار على الوسائل التي استخدمت في عهد الرسول ، صلى الله عليه و سلم ؟
الجواب:
يجب أن نعرف قاعدة وهي أن الوسائل بحسب المقاصد كما هو مقرر عند أهل العلم أن الوسيلة لها أحكام المقصد ما لم تكن هذه الوسيلة محرمة ، فإن كانت محرمة فلا خير فيها . وأما إذا كانت مباحة وكانت توصِل إلى ثمرة مقصودة شرعا ، فإنه لا بأس بها ، ولكن لا يعني ذلك أن نعدل عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما فيهما من مواعظ ، إلى ما نرى أنه وسيلة في الدعوة إلى الله ، وقد نرى أن هذا وسيلة ، ويرى غيرنا أنه ليس بوسيلة ، ولهذا ينبغي للإنسان في الدعوة إلى الله أن يستعمل الوسيلة التي يتفق الناس عليها حتى لا تخدش دعوته إلى الله بما فيه الخلاف بين الناس . ولكن يجب أن نعلم الفرق بين التأليف وبين الدعوة .. فقد يكون من المصلحة أن نؤلف الشباب الذين ينضمون إلى الدعوة بعد دعوتهم إلى الكتاب والسنة بأشياء من الأمور المباحة التي لا تضرنا في الدين ولا تضر الدعوة تأليفا لهم ولئلا ينفروا لو رأوا الأمر كله جدّاً. ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 295 ، 296 ).
السؤال :
إن مما وقع فيه الخلاف بين الدعاة إلى الله عز وجل أمر وسائل الدعوة ، فمنهم من يجعلها عبادة توقيفية ، وبالتالي ينكر على من يقيمون الأنشطة المتنوعة الثقافيَّة أو الرياضيَّة أو المسرحيَّة كوسائل لجذب الشباب ودعوتهم .. ، ومنهم من يرى أن الوسائل تتجدد بتجدد الزمان ، وللدعاة أن يستخدموا كل وسيلة مباحة في الدعوة إلى الله عز وجل ، نرجو من فضيلتكم بيان الصواب في ذلك ؟ .
الجواب :
الحمد لله رب العالمين ، لا شك أن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى عبادة ، كما أمر الله بها في قوله { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [ النحل / 125 ] ، والإنسان الداعي إلى الله يَشعر وهو ويدعو إلى الله عز وجل أنه ممتثل لأمر الله متقرب إليه به . ولا شك أيضاً أن أحسن ما يدعى به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن كتاب الله سبحانه هو أعظم واعظ للبشرية ، { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } [ يونس / 57 ] . والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك يقول أبلغ الأقوال موعظة ، فقد كان يعظ أصحابه أحيانا موعظة يصفونها بأنها وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون . فإذا تمكن الإنسان من أن تكون موعظته بهذه الوسيلة : فلا شك أن هذا خير وسيلة ، وإذا رأى أن يضيف إلى ذلك – أحياناً – وسائل مما أباحه الله : فلا بأس بهذا ، ولكن بشرط أن لا تشتمل هذه الوسائل على شيء محرم كالكذب أو تمثيل دور الكافر – مثلاً – في التمثيليات ، أو تمثيل الصحابة رضي الله عنهم أو الأئمة .. أئمة المسلمين من بعد الصحابة ، أو ما أشبه ذلك مما يخشى منه أن يزدري أحدٌ من الناس هؤلاء الأئمة الفضلاء . ومنها أيضاً : ألا تشتمل التمثيلية على تشبه رجل بامرأة أو العكس ؛ لأن هذا مما ثبت فيه اللعن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء . المهم أنه إذا أخذ بشيءٍ من هذه الوسائل أحياناً من أجل التأليف ، ولم يشتمل هذا على شيءٍ محرم : فلا أرى به بأسا ، أما الإكثار منها وجعلها هي الوسيلة للدعوة إلى الله ، والإعراض عن الدعوة بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحيث لا يتأثر المدعو إلا بهذه الوسائل : فلا أرى ذلك ، بل أرى أنه محرم ؛ لأن توجيه الناس إلى غير الكتاب والسنة فيما يتعلق بالدعوة إلى الله أمر منكر ، لكن فعل ذلك أحياناً لا أرى فيه بأساً إذا لم يشتمل على شيءٍ محرَّم . ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 292 ، 293 ).
وقال الشيخ ابن عثيمين:
والوسائل ليس لها حد شرعي ، فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصود ، ما لم بكن منهيا عنه بعينه ، فإن كان منهيا عنه بعينه فلا نقربه ، فلو قال : أنا أريد أن أدعو شخصا بالغناء والموسيقى لأنه يطرب لها ويستأنس بها وربما يكون هذا جذبا له فأدعوه بالموسيقى والغناء هل نبيح له ذلك ؟ لا ، لا يجوز أبدا ، لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها ولها أثر فهذه لا بأس بها ، فالوسائل غير المقاصد وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها يقول هذه جائزة وهذه غير جائزة ، لأن الوسائل لا حصر لها ، ولا حدَّ لها ، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير . ” لقاء الباب المفتوح ” ( رقم 15 ص 49 (.
ب . أما حديث ” من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي :
فالمراد به ابتداءً اعتقادهم ؛ وذلك لأنها جملة بيان تعصم صاحبها والعامل بها من الوقوع في التفرق العقيدي الذي يحصل لهذه الأمة وهو الذي جاء ذكره صريحاً في أول الحديث وفيه بيان افتراق هذه الأمة إلى ( 73 ) فرقة كلها في النار إلا واحدة . لكن لا يمكن أن يكون المسلم على اعتقاد الصحابة إلا بأن يسلك سبيلهم في الاستدلال وتعظيم السنة وعدم تقديم شيء عليها . ومن معاني هذه الكلمة – أيضاً – : الاجتماع على الكتاب والسنة ولذا جاء الجملة في رواية أخرى بلفظ ” هي الجماعة “.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ذاكراً الحديث تامّاً ، وشارحاً له – :
الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند ؛ كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم ولفظه ” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ” وفي لفظ ” على ثلاث وسبعين ملَّة ” ، وفي رواية ” قالوا : يا رسول الله من الفرقة الناجية ؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ” وفي رواية قال ” هي الجماعة ، يد الله على الجماعة ” ، ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنَّها أهل السنَّة والجماعة ، وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم ، وأما الفرق الباقية فإنَّهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء ، ولا تبلغ الفِرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفِرقة الناجية فضلا عن أن تكون بقدرها ، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة ، وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنَّة والإجماع ، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة . ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 346 ، 347 ).
ومن نظر إلى الفرق الضالة والمنحرفة فإنه لا يجرؤ أن يقول إن الصحابة كان واحد منهم على قوله ، ولك أن تنظر في اعتقاد الخوارج والمرجئة والقدريَّة والأشعريَّة فضلاً عن الفِرق الخارجة عن الإسلام كالجهميَّة والرافضة !
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن :
… فتبيَّن بهذه الأحاديث أن الفِرقة الناجية من الثلاث والسبعين هي التي تمسكت بكتاب الله ، وأخلصوا العبادة ، واتبعوا رسوله ، فإن أصل دين الإسلام أن لا يعبدوا إلا الله ، وأن لا يُعبد إلا بما شرع . ” مجموعة الرسائل والمسائل ” ( 2 / 74 ) بواسطة كتاب ” حديث افتراق الأمة ” للصنعاني .
وإن كان الأصل والأكمل أن يكون المسلم على ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى في عبادتهم وعلاقتهم مع ربهم تعالى وكذا أخلاقهم ، ولهذا لا نعجب أن يذكر مثل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في آخر ” العقيدة الواسطية ” أخلاق أهل السنة والجماعة !
ت . وأما المراد بـ ” سنَّة الخلفاء الراشدين “:
فهو : ما وافق كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم من أقوالهم وأفعالهم ، دون ما كان من اجتهادات بعضهم وخالفه فيه غيره ، ودون ما دلَّ الشرع على خطئه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقول الصحابي ، وفعله إذا خالفه نظيره : ليس بحجة ، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة ؟ . ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 390 ).
ومما يدل على ذلك – أي : أنَّها سنَّة واحدة – هو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ” عضوا عليها بالنواجذ ” ولم يقل ” عليهما ” وهذا يدل على أنها ” سنَّة واحدة ” ، وكذا قوله ” الخلفاء الراشدين ” وهو يوحي باتفاقهم ، وهو الذي يسمى ” إجماعاً ” سواء أكان على فهم آية أو حديث أو على فعلٍ من أحدهم ووافقه عليه جميعهم كقتال المرتدين ومانعي الزكاة ، وجمع المصحف وما أشبههما .
والله أعلم.



بارك الله فيك