حكم نحر الكفار بالسكاكين
السؤال
انتشر بين الشباب في الآونة الأخيرة مقاطع فيديو فيها تصوير للمجاهدين الشيشان وهم يقومون بنحر بعض الأسرى الروس بسكاكين صغيرة يطعن بها الجندي الروسي في حلقومه ثم تجر حتى يقطع حلقومه فهل هذا العمل جائز أم هو من التمثيل المنهي عنه؟
الجواب
الحمد لله
حرَّم الإسلام التمثيل بالجسد، فعن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن النهبى والمثلة. رواه البخاري ( 2342 ).
– والنهبى: المال المأخوذ بالقهر علانية.
لكن لا يظهر أنّ هذا الفعل من المثلة، إذ إنّ المثلة تشويه الجسد قبل موته أو بعده، وهم لم يقوموا بتشويه الجسد حسب ما رؤي في المقطع.
والبحث في المقطع المشاهد – إن ثبت أنه لشيشاني ينحر روسيًّا – يكون في طريقة القتل ليس أكثر، وهنا نقول:
أ. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحسان القتل والذبح.
عن شداد بن أوس قال: ثنتان حفظتُهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته ولْيُرح ذبيحته “. رواه مسلم ( 1955 ).
ب. ويجب أن يكون قتل القاتل مماثلا لقتله – إن تيسر – حتى لو كان في قتله تمثيلٌ في جسده.
عن أنس بن مالك أن يهوديّا قتل جاريةً على أوضاح لها فقتلها بحجرٍ، قال: فجيء بها إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وبها رمق، فقال لها: أقتلك فلان؟ فأشارت برأسها أن لا، ثم قال لها الثانية فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة فقالت: نعم ، وأشارت برأسها فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين. رواه البخاري ( 2282 ) ومسلم ( 1672 ).
– أوضاح: حلي من فضة.
عن أنس رضي الله عنه أن ناسا من عكل وعرينة قدِموا المدينة على النَّبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا يا نبي الله إنّا كنّا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذودٍ وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرَّة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم.
رواه البخاري ( 3956 ) ومسلم ( 1671 ).
وفي رواية عند مسلم ( 1671 ) عن أنس قال: إنَّما سمَل النَّبي صلى الله عليه وسلم أعينَ أولئك لأنّهم سملوا أعين الرعاء.
– استوخموا: كرهوا الإقامة في المدينة؛ وذلك بسبب المرض الذي أصابهم.
– الذود: من ثلاثة إلى عشرة من الإبل.
– سمروا – وسملوا -: كحلوا أعينهم بالمسامير المحميَّة.
* قال الحافظ ابن حجر:
وهو حجة للجمهور أنّ القاتل يقتل بما قَتل به، وتمسكوا بقوله تعالى: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به }، وبقوله تعالى: { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم }، وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث ” لا قوَد إلا بالسيف “، وهو ضعيف، أخرجه البزار وابن عدي من حديث أبي بكرة، وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده، وقال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة.
وعلى تقدير ثبوته فإنّه على خلاف قاعدتهم في أن السنَّة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه، وبـ “النهي عن المثلة” وهو صحيح، لكنه محمول عند الجمهور على غير المماثلة في القصاص جمعا بين الدليلين. ” فتح الباري ” ( 12 / 200 ).
* وقال ابن القيم:
وفيها من الفقه: جواز شرب أبوال الإبل، وطهارة بول مأكول اللحم، والجمع للمحارب إذا أخذ المال وقتل بين قطع يده ورجله وقتله، وأنه يُفعل بالجاني كما فَعل فإنَّهم لمّا سمَلوا عين الراعي سمَل أعينَهم، وقد ظهر بهذا أنّ القصة محكمة ليست منسوخة، وإن كانت قبل أن تنزل الحدود، والحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها. ” زاد المعاد ” ( 3 / 285 ).
والخلاصة: أنه يحرم التمثيل بالجسد، ويجوز التمثيل عقوبة مماثلة لما فعله القاتل، وأنه يجب إحسان القتل وهو لا ينفي حرمة التمثيل كما بينّا.
فالنحر الذي حصل إن كان بسكين حادَّة: فلا حرج في هذا الفعل، ويجوز قتل الأسير بأي طريقة تزهق روحه بشرط الإحسان في القتل، ويتحتم القتل بهذه الطريقة إن ثبتَ أن هذا الجندي قد قتل مسلما بها، أو يكون في هذه الطريقة قذف للرعب في قلوب الكفرة.
والله أعلم.


