ما هي عقوبة التحرش الجنسي بالأطفال؟
السؤال
ما هي عقوبة التحرش الجنسي بالأطفال حسب المقياس الشرعي؟
الجواب
الحمد لله
أولاً:
إن لله تبارك وتعالى في تشريعه للأحكام حِكَماً ، وغايات , ومن ذلك : حفظ الضروريات الخمس , ومن تلك الضروريات : حفظ النفس ، والعِرض – النسل – .
قال الشاطبي – رحمه الله – :
فقد اتفقت الأمة ، بل سائر الملل : على أن الشريعة وُضعت للمحافظة على الضروريات الخمس ، وهي : الدِّين ، والنفس ، والنسل ، والمال ، والعقل ، وعلمها عند الأمة كالضروري . ” الموافقات ” ( 1 / 31 ) .
ولحفظ ذلك شرع الله سبحانه وتعالى الحدود , كالقصاص ، والرجم ، والجلد , وشرع التعزيرات البدنية ، لما لا نصَّ فيه .
ثانياً:
عرَّف العلماء الحدودَ بالعقوبات المقدرة شرعا على معصية معينة , والتعزير : هو العقوبات على معصية لا حد فيها ، ولا كفارة .
ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 10 / 19 ) :
التَّعْزِيرُ لُغَةً : التَّأْدِيبُ والمَنْعُ وَالنُّصرَةُ ، وَمِن هَذا المَعْنَى : قَوْل الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : (فَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ).
وَشَرْعًا : تَأْدِيبٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ ، لاَ حَدَّ فِيهَا ، وَلاَ كَفَّارَةَ . انتهى.
ففاحشة الزنى للمحصن شرع لها حد الرجم بالحجارة حتى الموت , وغير المحصن : الجلد مئة ، وعقوبة اللواط : القتل , وإن اختلفوا في كيفية قتله – مع بيان أنها من أعظم الفواحش عند الله .
وأما ما دون ذلك من الفواحش : ففيها التعزير ، على حسب ما يراه القاضي الشرعي ، مع بيان أن التعزير قد يصل إلى القتل ، كما هو الراجح من أقوال العلماء , وذلك إذا تهاون الناس في المعصية ، واجترؤوا عليها .
ومن هذه الفواحش المستحقة للتعزير : التحرش الجنسي بالأطفال ، سواء بالتقبيل ، أو بكشف عورته والعبث بها ، أو غير ذلك من صور التحرش التي تصدر من أهل الشذوذ ، ولو صاحب ذلك إنزال المني من المتحرش .
– ومن صور التحرش التي تستحق التعزير شرعاً ، وهي معاقب عليها في قوانين العالَم:
- كشف الأعضاء التناسلية ، سواء أعضاء المتحرِّش ليراها الطفل ، أو عن الطفل ليراها المتحرِّش .
- إزالة الثياب عن الطفل .
- ملامسة جسده ، وخاصة الأعضاء التناسلية .
- التلصص على الطفل ، وخاصة أثناء استحمامه ، أو تغيير ملابسه ، أو نومه .
- تعريضه لصور فاضحة ، أو أفلام جنسية .
- إجباره على التلفظ بألفاظ فاضحة .
وتبقى الأمور في حكم التعزير ما لم يلج في دبر الطفل ، فيكون عندئذٍ مستحقّاً للقتل ؛ لارتكابه ما يوجبه عليه .
ويختلف قدر التعزير على المتحرش بحسب قبح ما يفعله بالطفل – ذكراً أو أنثى – ، وبحسب تكرر ذلك منه أو عدم تكرره ، وكل ذلك يُراعى عند تعزير ذلك المتحرش ، وقد يصل الأمر إلى قتل المدمن على التحرش لأولاد الناس ، إذا رأى القاضي الشرعي أن ذلك يردع عن هذا الفعل القبيح ممن هو مثله في الشذوذ والمرض .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
وأما المعاصي التي ليس فيها حدٌّ مقدَّر ، ولا كفارة ، كالذي يقبِّل الصبي ، والمرأة الأجنبية ، أو يباشر بلا جماع ، أو يأكل ما لا يحل ، كالدم ، والميتة ، أو يقذف الناس بغير الزنا … إلى غير ذلك من أنواع المحرمات ، فهؤلاء يعاقبون تعزيزاً ، وتنكيلاً ، وتأديباً ، بقدر ما يراه الوالي ، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته ؛ فإذا كان كثيراً : زاد في العقوبة ، بخلاف ما إذا كان قليلاً , وعلى حسب حال المذنب ، فإذا كان من المدمنين على الفجور : زيد في عقوبته ، بخلاف المقل من ذلك ، وعلى حسب كبر المذنب ، وصغره ، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم ما لا يعاقبه من يتعرض إلا لامرأة واحدة ، أو صبي واحد .
وليس لأقل التعزير حدٌّ ، بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان ، من قول ، وفعل ، وترك قول ، وترك فعل ، فقد يعزر الرجل بوعظه ، وتوبيخه ، والإغلاظ له , وقد يعزَّر بهجره ، وترك السلام عليه ، حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة ، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الثلاثة الذين خلِّفوا , وقد يعزر بعزله عن ولايته ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعزرون بذلك , وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين ، كالجندي المقاتل إذا فرَّ من الزحف ؛ فإن الفرار من الزحف من الكبائر , وقطع خبزه نوع تعزير له , وكذلك الأمير فعل ما يستعظم فعزله من الإمارة تعزير له.
وكذلك قد يعزر بالحبس , وقد يعزر بالضرب , وقد يعزر بتسويد وجهه ، وإركابه على دابة مقلوباً ، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بذلك في شاهد الزور ؛ فإن الكاذب سوَّد الوجهَ ، فسُوِّدَ وجهُه ، وقلَب الحديثَ فقُلبَ رُكوبُه .
وأما أعلاه فقد قيل : لا يزيد على عشرة أسواط , وقال كثير من العلماء : لا يبلغ به الحد ، ثم هم على قولين : منهم من يقول : لا يبلغ به أدنى الحدود : لا يبلغ بالحر أدنى حدود الحر , وهي الأربعون ، أو الثمانون , ولا يبلغ بالعبد أدنى حدود العبد ، وهي العشرون ، أو الأربعون , وقيل : بل لا يبلغ بكل منهما حد العبد , ومنهم من يقول : لا يبلغ بكل ذنب جنسه وإن زاد على حد جنس آخر ، فلا يبلغ بالسارق من غير حرز قطع اليد , وإن ضرب أكثر من حد القاذف , ولا يبلغ بمن فعل ما دون الزنى حد الزنى , وإن زاد على حد القاذف ، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن رجلا نقش على خاتمه وأخذ بذلك من بيت المال ، فأمر به فضرب مائة ضربة ، ثم في اليوم الثاني مائة ضربة ، ثم ضربه في اليوم الثالث ، مائة ضربة … .
وأما مالك وغيره ، فحكي عنه : أن من الجرائم ما يبلغ به القتل , ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين ؛ فإن أحمد يتوقف في قتله ، وجوزه مالك وبعض الحنابلة ، كالقاضي أبي يعلى .
وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما : قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وكذلك كثير من أصحاب مالك ، وقالوا : إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض ، لا لأجل الردة ، وكذلك قد قيل في قتل الساحر ، فإن أكثر العلماء على أنه يقتل .
وكذلك أبو حنيفة ، يعزر بالقتل فيما تكرر من الجرائم إذا كان جنسه يوجب القتل ، كما يقتل من تكرر منه اللواط ، أو اغتيال النفوس لأخذ المال ، ونحو ذلك .
وقد يُستدل على أن المفسد متى إذا لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل : بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجه الأشجعي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ( من أتاكم وأمركم جمع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ) ، وفي رواية : ( ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ) . ” السياسة الشرعية ” ( ص 151 ) ، و ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 343 – 346 ) باختصار .
فالخلاصة :
أن المتحرش الجنسي بالأطفال يستحق أبلغ العقوبات ، وقد تصل العقوبة إلى القتل ، ولا كرامة له ، ولا لمثله .
ثالثاً:
وليتنبه الآباء والأمهات لمثل هذا الأمر ، وليعلموا أنه لو وقع لأحد أولادهم فإنه سيسبب لهم ألماً بالغاً ، وقد يستمر معهم في حياتهم حتى الموت ، وليربوا أولادهم على الوقاية من الوقوع في التحرش من الأقربين ، والأبعدين .
أما الأقربون :
- فيفرَّق بينهم في المضاجع عند النوم .
- ويُجعل الذكور في غرفة ، والإناث في أخرى .
- ولا يُجعل الكبير مع الصغير في غرفة واحدة .
- ولا يمكن الكبير من الخلوة بالصغير في البيت وحده .
- ويحذر من تغيير الملابس أمام بعضهم بعضاً ، أو من لبس القصير في السباحة ، واللعب .
- ويُحذر من الأقارب في زياراتهم ، ورحلاتهم ، والنوم عندهم .
والمهم : لا بدَّ من تربية واعية ، ومن الالتزام بالضوابط الشرعية ، في العلاقات ، والزيارات .
وأما الأبعدون :
- فالحذر من الخروج مع غريب ، أو ركوب السيارة معه .
- عدم قبول الهدايا من أجنبي غريب ، فغالباً هي طريقهم إلى قلوب الأطفال .
- تعويد الولد الإخبار مباشرة عن حصول أمر غريب معه ، حتى لا يتعرض للابتزاز من قبل مريض قد يكون صوَّره عارياً ، أو خرج معه لمرة .
- على الأهل متابعة أصدقاء أولادهم ، وجيرانهم ، والحذر الدائم من السماح بصحبة الأشرار منهم ، والسيئين .
ويُرجى لمن التزم هذه النصائح والوصايا أن ينجو أولاده من تحرش الشاذين ، وقد أصبح التحرش بالأطفال ، والنساء ، من الظواهر المقلقة لأهل الشرف ، والدِّين ، وقد كثرت المهيجات ، وأسباب الفتنة ، والفساد ، فليحرص كل راعٍ على رعيته .
رابعاً:
لا بد أن يعلم المسلم أن إقامة الحدود ، والتعزيرات هي إلى السلطان ، والحاكم ، أو نوابهما ، فهما من أعمالهم ، ولا يجوز لآحاد الناس إقامتهما دونهم .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
إقامة الحدود من شأن الإمام ، وإقامة التعزيرات من شأن الإمام ، ولا يحل لأحد أن يفتات عليه ، وأقول : من شأن الإمام ، والإمام هو الرئيس الأعلى في الدولة ، سواء سمِّي ملِكاً ، أو سمِّي رئيساً ، أو إماماً ، أو أميراً ، أو شيخاً ، أو من ينوب الإمام ، كأمراء المناطق ، ومحافظي المناطق ، وما أشبه ذلك ، لكن للإنسان أن يؤدب ولده ، وللإنسان أن يؤدب عبده . ” لقاء الباب المفتوح ” ( 75 / السؤال رقم 7 ) .
والله أعلم.


