حكم العمل في المجال القانوني في بلد لا يُقام فيه شرع الله
السؤال
هل يجوز العمل في المجال القانوني في بلد لا يُقام فيه شرع الله؟ أرغب في دراسة القانون وأعمل محام في شركة تجارية. أعلم أن الحكم بالقوانين التي وضعها البشر محرم, لكن ماذا عسانا نفعل ونحن نقيم في دول غربية. على سبيل المثال إذا أراد مسلم أن تمثله جهة ما في المحكمة فإن عليه الذهاب إلى الكفار الذين قد لا يفهمون وجهة النظر الإسلامية حيال أي عمل يعتبر غير قانوني. أرجو توضيح الأمر.
الجواب
الحمد لله
المحاماة في أصل حقيقتها – على فرض أن المحاكم تحكم بما أنزل الله -: مباحة وهي من الأمور المحدثة المباحة، وقد حرمها بعض المعاصرين: بحجة أنها لم تكن في القرون الأولى ولم يعرفها المسلمون إلا في العصر الحديث.
أنها تساعد على الخصومة وتشجع على مخالفة القانون، حيث يعتمد المخطئون على المحامين لتخليصهم مما وقعوا فيه.
– أن الجهل وأتعاب المحامي مجهولة وفيها غرر غير معلوم.
– وهذا الجهل يجعل لتشجيع الخصام والشجار.
– أن المحامين يأخذون أموالهم مقابل تشويه الحقائق والكذب والتنميق.
وأجازه كثيرون وحجتهم:
استدلوا بحديث أم سلمة رضي الله عنها: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب إنه صادق، فأقضي له ،فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليحملها أو يذرها “.
رواه البخاري ( 2326 ) ومسلم ( 1713 ).
قال ظافر القاسمي:
هذا الحديث الذي وصف أحوال الناس أمام القضاء، وتفاوتهم في البيان والإدلاء، وهو أمر طبيعي، و أن بعض الخلق أبلغ من بعض في إيراد الحجج، هذا الحديث إذا جمع إلى أحاديث أخر: أوجبت تحقيق المساواة بين المتقاضين، فخرج منها: أنه إذا رأى القاضي أن بعض الخصوم، أبلغ من بعض، أوجب على المقصر أن يتخذ له وكيلًا، يعادل خصمه بلاغةً. ” نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي ( ص 383 – 384 ) نقلًا عن ” المحاماة ” لمشهور حسن ( ص 89 ).
قال تعالى: { قال ربِّ إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا فأرسله معي ردءًا يصدقني إني أخاف أن يكذّبون قال سنشد عضدك بأخيك } [القصص/ 33 – 35 ].
فيفهم من هذه الآية الكريمة أن طلب موسى الاستعانة بهارون ليس للقتال أو الحماية، بل للدفاع عنه في التهمة الموجهة إليه نظر لأنه أفصح منه لسانًا وأقوى منه حجةً. وغير ذلك من الأدلة.
* الرد على المحرِّمين:
كونه لم يكن في عصر الإسلام الأولى لا يعني حرمته فهو أسلوب من الأساليب الدنيوية التي يستعين الناس بها في دنياهم.
أما قولهم ” تساعد على الخصومة “: فصحيح أن هذا هو المتفشي في أيامنا ولكن ذلك ناتج عن سوء استخدام المهنة لا على أصل المهنة فهي توضح الحق عن طريق الخبرة والعلم بالمهنة.
أما كون الجهل بأتعاب المحامي فيه غرر: فهذا صحيح وذلك لأن العمل غير محدد ولا يمكن تحديده إلا بعد انتهاء القضية فهو أشبه بالاستصناع.
ومعظم القضايا يتفق المحامي مع أولياء موكِّله أو مع موكِّله نفسه على أتعابه، وبذا يزول الغرر.
أما كون المحامي يأخذ أمواله بالباطل لأنه يشجع على الخصومة فهذا غير صحيح كون المحامي يعمل على توضيح الحجة التي قد تخفى على صاحب التهمة.
أما كونه يأخذ الأجرة مقابل تشويه الحقائق فهذا عائد إلى سوء استخدام المهنة لا إلى أصل صحة المهنة.
والراجح: الجواز.
هذا على فرض أن المحاكم تحكم بشرع الله تعالى وأن المحامين يوضحون أحوال القضية بالحق والصدق والبيان وأنهم يطلبون من القاضي أن يحكم وفق الشريعة ويعارضون القاضي إذا زل عن الحكم بالشريعة وعلى أنهم ينصرون المظلوم ويقصمون ظهر الظالم.
وأما وقد اختلف الحال وكانت المحاكم لا تحكم بشرع الله تعالى: فإن المحامي عندئذٍ سينظر إلى هذا القانون بأنه الحق وأنه الواجب تطبيقه سواء اقتنع بذلك أم لم يقتنع به واكتفي بالمطالبة بتطبيقه: فهذا لا يجوز، ولا يحل أن نحكِّم بيننا قانونًا غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فتجد المحامي يقف في المحكمة ينادي باسم القانون وسيادته ويطالب بتطبيقه والتحاكم إليه وهذا عين الحرام بل هو من أشد الحرام وأبعده عن الحق.
قال تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما } [ النساء / 65 ].
وقال تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة / 44 ].
وقال تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ المائدة / 45 ].
وقال تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } [المائدة / 47 ].
مع هذا كله فإن بعض المحامين بل معظمهم يعرف الحق ويبتعد عنه ويحاول أن يكسب القضية بالحق أو الباطل فهو يحاول أن يزين الباطل ويقبح الحق إذا عارض قضيته وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” أخوف ما أخاف على أمتي كلَّ منافق عليم اللسان “. رواه الضياء المقدسي في ” الأحاديث المختارة ” ( 1 / 344 ) من حديث عمر رضي الله عنه.
وقال صلى الله عليه وسلم: ” سيكون أقوام يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقرة من الأرض “. رواه أحمد والبزار، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ( 419 ).
يقول الله عز شأنه وتبارك اسمه:
{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا، واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا، هاأًنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم يكون عليهم وكيلًا، ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليمًا حكيمًا، ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرمِ به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا } [ النساء / 105 – 112 ].
والله أعلم.


