سيموت أبوه الكافر الغني، فهل يترك المال لأنه حرام؟
السؤال
أبي كافر وأمي ماتت وهي كافرة لقد قتلها أبي وأنا أكرهه لأجل ذلك لقد كان يعضها مثل حيوانات الغابة إنه غني جدًا ولم يدخل السجن لأنه يمارس السحر ويستخدم أفضل المحامين في الولاية.
الآن هو يموت ويريد أن يترك لي كثيرًا من المال، إنني مسلمة ولم أكلمه منذ 18 عامًا هل يجوز لي أخذ هذا المال أم أنه حرام؟
الجواب
الحمد لله
لا يحل لكافر أن يرث مسلمًا ولا لمسلم أن يرث كافرًا، فإن فعل وأخذ هذا المال فهو انتزاع له بغير وجه شرعي وهو تملك باطل.
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه قال: ” يا رسول الله أين تنزل في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك عقيل من رباع أو دور؟ “.
وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه جعفر ولا علي رضي الله عنهما شيئا لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين.
فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لا يرث المؤمن الكافر.
قال ابن شهاب: وكانوا يتأولون قول الله تعالى: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } [ الأنفال / 72]. رواه البخاري ( 1511 ) – واللفظ له – ومسلم ( 1614 ).
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم “. رواه البخاري ( 6383 ) ومسلم ( 1614 ).
قال ابن المنذر:
لما قال تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم } [ النساء / 11 ]، فكان الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد المؤمن منهم والكافر، فلما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” لا يرث المسلم الكافر “، علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض فلا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم على ظاهر الحديث. ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 59 ).
قال النووي:
أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وأما المسلم فلا يرث الكافر أيضا عند جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وذهبت طائفة إلى توريث المسلم من الكافر وهو مذهب معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب ومسروق وغيرهم، وروي أيضا عن أبي الدرداء والشعبي والزهري والنخعي نحوه على خلاف بينهم في ذلك. والصحيح عن هؤلاء كقول الجمهور.
واحتجوا بحديث: ” الإسلام يعلو ولا يعلى عليه “.
وحجة الجمهور هنا: الحديث الصحيح الصريح ولا حجة في حديث الإسلام ” يعلو ولا يعلى عليه “؛ لأن المراد به فضل الإسلام على غيره ولم يتعرض فيه لميراث فكيف يترك به نص حديث: ” لا يرث المسلم الكافر.” ولعل هذه الطائفة لم يبلغها هذا الحديث. ” شرح النووي على صحيح مسلم ” ( 11 / 52 ).
وحديث ” الإسلام يعلو ولا يعلى عليه “: رواه الدار قطني ( 3 / 252 ) والبيهقي ( 6 / 205 ) من حديث عائذ بن عمرو المزني، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 3 / 220 )، والشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” رقم ( 2787 ).
وفي سورة النساء عند ذكر المواريث قال تعالى: { فريضةً من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا} [ سورة النساء / 11 ].
قال الإمام ابن كثير في شرح هذه الآية:
هو فرض من الله حكم به وقضاه، والله عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها ويعطي كلًا ما يستحقه بحسبه ولهذا قال الله تعالى { إن الله كان عليمًا حكيمًا }. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 500 ).
ثم قال الله تعالى في ذلك في السورة نفسها: { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم. ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين } [ سورة النساء / 13 – 14 ].
فالآية الكريمة تقرر أن ترك العمل بالميراث بما يقتضي الشرع تعدٍّ لحدود الله تعالى، وأن فاعل ذلك خالد في النار وله عذاب مهين.
وعليه:
فلا يحل لكِ أن تأخذي من ميراث أبيك شيئًا.
ولكن كون المال الذي تركه أبوك ستفرضه المحكمة لك وإن سامحتِ به سيظل بأيدي الكفرة هناك ويعود إلى الدولة الكافرة: فنرى أن تأخذينه وأن تمنحينه غيرك من فقراء المسلمين فهم أولى به، ولكن بشرط ألا تنتفعي أنت بشيء منه إلا أن تكوني فقيرة معدمة فتأخذين ما يسد حاجتك فحسب.
والله أعلم.


