الرئيسية بلوق الصفحة 513

هل وسائل الدعوة وطرقها توقيفية؟

هل وسائل الدعوة وطرقها توقيفية

السؤال:

هل وسائل الدعوة وطرقها توقيفية ، وهل حديث ” من كان على ما أنا عليه وأصحابي ” شامل لجميع الأمور ، وما المراد بسنة الخلفاء الراشدين؟

 

الجواب:

الحمد لله

أ. أمر الله تعالى بالدعوة إليه ، والدعوة إلى الله عبادة شرفٌ شرَّف الله بها هذه الأمة ، قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } [ آل عمران / 110 ] . والأصل في الوسائل التي تُسلك في الدعوة إلى الله الإباحة وليس التحريم والمنع ؛ والمهم في هذه الوسائل أن لا يقع صاحبها في بدعة أو أمرٍ محرَّم . ونحن نرى علماءنا في هذا الزمان يستعملون الوسائل المتاحة لتبليغ دين الله تعالى للناس ، فهم يدعمون الجمعيات التي ترعى الأيتام وتوزع الكتيبات وتدعو إلى الله ، ونراهم يفرِّغون الدعاة ، ولأكثرهم مواقع في الإنترنت ، هذا عدا عن تأليف الكتب وتوزيع الأشرطة – سواء كانت منهم مباشرة أو بإقرارهم – وكل هذه الوسائل لم تكن موجودةً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن تكون بدعة . وفي ظني أنه إذا أراد الذي يقول بأنها توقيفية أنه ينبغي أن تكون شرعية ولا يكون فيها بدعة أو حرام ، ومن يقول إنها اجتهادية أراد أنه يجوز أن يَسلك طرقاً لم تكن موجودة في زمان النبي صلى الله عليه لكنها لا توقع صاحبها في الحرام : لكان هذا قاطعاً للخلاف الذي نسمعه ونراه .

وهذه نخبة من فتاوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في هذه المسألة :

السؤال:

هل تعتبر وسائل الدعوة إلى الله عز وجل وسائل توقيفية ؟ بمعنى أنه لا يجوز الاستفادة من الوسائل الحديثة في الدعوة ، كوسائل الإعلام وغيرها ، وإنما ينبغي الاقتصار على الوسائل التي استخدمت في عهد الرسول ، صلى الله عليه و سلم ؟

الجواب:

يجب أن نعرف قاعدة وهي أن الوسائل بحسب المقاصد كما هو مقرر عند أهل العلم أن الوسيلة لها أحكام المقصد ما لم تكن هذه الوسيلة محرمة ، فإن كانت محرمة فلا خير فيها . وأما إذا كانت مباحة وكانت توصِل إلى ثمرة مقصودة شرعا ، فإنه لا بأس بها ، ولكن لا يعني ذلك أن نعدل عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما فيهما من مواعظ ، إلى ما نرى أنه وسيلة في الدعوة إلى الله ، وقد نرى أن هذا وسيلة ، ويرى غيرنا أنه ليس بوسيلة ، ولهذا ينبغي للإنسان في الدعوة إلى الله أن يستعمل الوسيلة التي يتفق الناس عليها حتى لا تخدش دعوته إلى الله بما فيه الخلاف بين الناس . ولكن يجب أن نعلم الفرق بين التأليف وبين الدعوة .. فقد يكون من المصلحة أن نؤلف الشباب الذين ينضمون إلى الدعوة بعد دعوتهم إلى الكتاب والسنة بأشياء من الأمور المباحة التي لا تضرنا في الدين ولا تضر الدعوة تأليفا لهم ولئلا ينفروا لو رأوا الأمر كله جدّاً. ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 295 ، 296(.

السؤال

إن مما وقع فيه الخلاف بين الدعاة إلى الله عز وجل أمر وسائل الدعوة ، فمنهم من يجعلها عبادة توقيفية ، وبالتالي ينكر على من يقيمون الأنشطة المتنوعة الثقافيَّة أو الرياضيَّة أو المسرحيَّة كوسائل لجذب الشباب ودعوتهم .. ، ومنهم من يرى أن الوسائل تتجدد بتجدد الزمان ، وللدعاة أن يستخدموا كل وسيلة مباحة في الدعوة إلى الله عز وجل ، نرجو من فضيلتكم بيان الصواب في ذلك ؟ .

الجواب

الحمد لله رب العالمين ، لا شك أن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى عبادة ، كما أمر الله بها في قوله { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [ النحل / 125 ] ، والإنسان الداعي إلى الله يَشعر وهو ويدعو إلى الله عز وجل أنه ممتثل لأمر الله متقرب إليه به . ولا شك أيضاً أن أحسن ما يدعى به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن كتاب الله سبحانه هو أعظم واعظ للبشرية ، { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } [ يونس / 57 ] . والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك يقول أبلغ الأقوال موعظة ، فقد كان يعظ أصحابه أحيانا موعظة يصفونها بأنها وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون . فإذا تمكن الإنسان من أن تكون موعظته بهذه الوسيلة : فلا شك أن هذا خير وسيلة ، وإذا رأى أن يضيف إلى ذلك – أحياناً – وسائل مما أباحه الله : فلا بأس بهذا ، ولكن بشرط أن لا تشتمل هذه الوسائل على شيء محرم كالكذب أو تمثيل دور الكافر – مثلاً – في التمثيليات ، أو تمثيل الصحابة رضي الله عنهم أو الأئمة .. أئمة المسلمين من بعد الصحابة ، أو ما أشبه ذلك مما يخشى منه أن يزدري أحدٌ من الناس هؤلاء الأئمة الفضلاء . ومنها أيضاً : ألا تشتمل التمثيلية على تشبه رجل بامرأة أو العكس ؛ لأن هذا مما ثبت فيه اللعن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء . المهم أنه إذا أخذ بشيءٍ من هذه الوسائل أحياناً من أجل التأليف ، ولم يشتمل هذا على شيءٍ محرم : فلا أرى به بأسا ، أما الإكثار منها وجعلها هي الوسيلة للدعوة إلى الله ، والإعراض عن الدعوة بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحيث لا يتأثر المدعو إلا بهذه الوسائل : فلا أرى ذلك ، بل أرى أنه محرم ؛ لأن توجيه الناس إلى غير الكتاب والسنة فيما يتعلق بالدعوة إلى الله أمر منكر ، لكن فعل ذلك أحياناً لا أرى فيه بأساً إذا لم يشتمل على شيءٍ محرَّم . ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 292 ، 293 ).

وقال الشيخ ابن عثيمين:

والوسائل ليس لها حد شرعي ، فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصود ، ما لم بكن منهيا عنه بعينه ، فإن كان منهيا عنه بعينه فلا نقربه ، فلو قال : أنا أريد أن أدعو شخصا بالغناء والموسيقى لأنه يطرب لها ويستأنس بها وربما يكون هذا جذبا له فأدعوه بالموسيقى والغناء هل نبيح له ذلك ؟ لا ، لا يجوز أبدا ، لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها ولها أثر فهذه لا بأس بها ، فالوسائل غير المقاصد وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها يقول هذه جائزة وهذه غير جائزة ، لأن الوسائل لا حصر لها ، ولا حدَّ لها ، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير . ” لقاء الباب المفتوح ” ( رقم 15 ص 49  (.

ب . أما حديث ” من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي :

فالمراد به ابتداءً اعتقادهم ؛ وذلك لأنها جملة بيان تعصم صاحبها والعامل بها من الوقوع في التفرق العقيدي الذي يحصل لهذه الأمة وهو الذي جاء ذكره صريحاً في أول الحديث وفيه بيان افتراق هذه الأمة إلى ( 73 ) فرقة كلها في النار إلا واحدة . لكن لا يمكن أن يكون المسلم على اعتقاد الصحابة إلا بأن يسلك سبيلهم في الاستدلال وتعظيم السنة وعدم تقديم شيء عليها . ومن معاني هذه الكلمة – أيضاً – : الاجتماع على الكتاب والسنة ولذا جاء الجملة في رواية أخرى بلفظ ” هي الجماعة “.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ذاكراً الحديث تامّاً ، وشارحاً له – :

الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند ؛ كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم ولفظه ” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ” وفي لفظ ” على ثلاث وسبعين ملَّة ” ، وفي رواية ” قالوا : يا رسول الله من الفرقة الناجية ؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ” وفي رواية قال ” هي الجماعة ، يد الله على الجماعة ” ، ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنَّها أهل السنَّة والجماعة ، وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم ، وأما الفرق الباقية فإنَّهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء ، ولا تبلغ الفِرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفِرقة الناجية فضلا عن أن تكون بقدرها ، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة ، وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنَّة والإجماع ، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة . ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 346 ، 347  (.

ومن نظر إلى الفرق الضالة والمنحرفة فإنه لا يجرؤ أن يقول إن الصحابة كان واحد منهم على قوله ، ولك أن تنظر في اعتقاد الخوارج والمرجئة والقدريَّة والأشعريَّة فضلاً عن الفِرق الخارجة عن الإسلام كالجهميَّة والرافضة !

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن :

… فتبيَّن بهذه الأحاديث أن الفِرقة الناجية من الثلاث والسبعين هي التي تمسكت بكتاب الله ، وأخلصوا العبادة ، واتبعوا رسوله ، فإن أصل دين الإسلام أن لا يعبدوا إلا الله ، وأن لا يُعبد إلا بما شرع . ” مجموعة الرسائل والمسائل ” ( 2 / 74 ) بواسطة كتاب ” حديث افتراق الأمة ” للصنعاني .

وإن كان الأصل والأكمل أن يكون المسلم على ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى في عبادتهم وعلاقتهم مع ربهم تعالى وكذا أخلاقهم ، ولهذا لا نعجب أن يذكر مثل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في آخر ” العقيدة الواسطية ” أخلاق أهل السنة والجماعة !

ت . وأما المراد بـ ” سنَّة الخلفاء الراشدين “:

فهو : ما وافق كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم من أقوالهم وأفعالهم ، دون ما كان من اجتهادات بعضهم وخالفه فيه غيره ، ودون ما دلَّ الشرع على خطئه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وقول الصحابي ، وفعله إذا خالفه نظيره : ليس بحجة ، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة ؟ . ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( ص 390  (.

ومما يدل على ذلك – أي : أنَّها سنَّة واحدة – هو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ” عضوا عليها بالنواجذ ” ولم يقل ” عليهما ” وهذا يدل على أنها ” سنَّة واحدة ” ، وكذا قوله ” الخلفاء الراشدين ” وهو يوحي باتفاقهم ، وهو الذي يسمى ” إجماعاً ” سواء أكان على فهم آية أو حديث أو على فعلٍ من أحدهم ووافقه عليه جميعهم كقتال المرتدين ومانعي الزكاة ، وجمع المصحف وما أشبههما .

 

والله أعلم.

حكم تربية الكلاب

حكم تربية الكلاب

السؤال:

هل تربية الكلاب محرمة أم حلال؟ و ما هي الشروط التي يجب توافرها لاقتناء الكلاب؟ أرجوا الإدلال بحديث أو آية من القرآن الكريم .

 

الجواب :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
الأخ الفاضل

– هذا جوابي على سؤالك وهو مستل من كتابي “الفوائد العِذاب فيما جاء في الكلاب”. وأسأل الله أن ينفع به.

  1. الكلب والاقتناء
  2. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أمْسَكَ كَلْباً فَإنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أوْ مَاشِيَةٍ. رواه البخاري [5/6] و مسلم [10/240].
    2. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أوْ صَيْدٍ أوْ زَرْعٍ انْتُقِصَ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ. رواه مسلم [10/240].
    3. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أوْ ضَارِياً(2)نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ.
    رواه البخاري [9/759)ومسلم [10/237].ولمسلم [10/241]: مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ زَرْعٍ(3) أوْ غَنَمٍ أوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ.
    4. عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أوْ كَلْبَ غَنَمٍ أوْ كَلْبَ زَرْعٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ. رواه الترمذي [4/80]و النسائي [7/185]و ابن ماجه [2/1069]، وحسَّنه الترمذي.

فوائد الأحاديث:
1. تحريم اقتناء الكلاب لغير ما وردتْ به النصوصُ السابقةُ،لأنَّ نقصان الأجر لا يكون إلا لمعصيةٍ ارتكبها المـُقتني.

  1. وقال بعض العلماء – كابن عبد البر- بالكراهة، ووجّه ذلك بقوله: (وفي قوله: (نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ (
    أي: من أجر عمله -ما يشير إلى أنَّ اتخاذها ليس بمحرَّمٍ ، لأنَّ ما كان اتخاذه محرماً امتنع اتخاذه على كلِّ حالٍ سواء نقص الأجر أو لم ينقص، فدلَّ ذلك على أنَّ اتخاذها مكروه لا حرام!! ا.هـ ( التمهيد 14/221 (.

وردَّ عليه الحافظ ابن حجر فقال: وما ادَّعاه من عدم التحريم واستند له بما ذكره ليس بلازمٍ ، بل يحتمل أنْ تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمله من الخير لو لم يتخذ الكلب.

ويحتمل أن يكون الاتخاذ حراماً، والمراد بالنقص أن الإثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر فينقص من ثواب المتَّخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه وهو قيراط أو قيراطان .ا.هـ. (الفتح 5/ 8 (

  1. هل يجوز اقتناء الكلب لغير ما سبق؟
    قال الإمام النووي :اختلف في جواز اقتنائه لغير هذه الأمور الثلاثة كحفظ الدور والدروب، والراجح: جوازه قياساً على الثلاثة عملاً بالعلَّة المفهومة من الحديث وهي: الحاجة. ا.هـ
    وقال ابن عبد البر: وفي معنى هذا الحديث -أي: حديث ابن عمر- تدخل -عندي- إباحة اقتناء الكلاب للمنافع كلها ودفع المضار إذا احتاج الإنسان إلى ذلك.ا.هـ (التمهيد 14/219 (
    وقال ابن حجر:والأصح عند الشافعيَّة: إباحة اتَّخاذ الكلاب لحفظ الدروب، إلحاقاً بالمنصوص بما في معناه كما أشار إليه ابن عبد البر. ا.هـ (الفتح 5/8 (
    وقال الشيخ يوسف بن عبد الهادي -ناقلاً عن بعض العلماء-: لا شك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أذِن في كلب الصيد في أحاديثَ متعدِّدَةٍ ، وأخبر أنَّ متَّخذَه للصيد لا ينقص مِن أجره، وأذِن في حديثٍ آخر في كلـبِ الماشية، وفي حديثٍ في كلب الغنم ، وفي حديثٍ في كلب الزرع، فعُلم أنَّ العلَّة المقتضية لجواز الاتخاذ المصلحة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا وُجدت المصلحة جاز الاتخاذ، حتى إنّ َ بعضَ المصالح أهمُّ وأعظمُ مِن مصلحة الزرع، وبعض المصالح مساوية للتي نصَّ الشارع عليها،  ولا شك أنَّ الثمار هي في معنى الزرع، والبقر في معنى الغنم، وكذلك الدجاج والأوز – لدفع الثعالب  عنها – هي في معنى الغنم. ولا شك أنَّ خوفَ اللصوص على النَّفس، واتخاذه للإنذار بـها والاستيقاظ لها  أعظم مصلحة من ذلك ، والشارع مراعٍ للمصالح ودفع المفاسد، فحيث لم تكن فيه مصلحةٌ ففيه مفسدة … ا.هـ    (الإغراب في أحكام الكلاب ص106-107 (
    وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
    وعلى هذا فالمنـزل الذي يكون في وسط البلد لا حاجة أنْ يتخذ الكلب لحراسته، فيكون اقتناء الكلب لهذا الغرض في مثل هذه الحال محرماً لا يجوز وينتقص من أجور أصحابه كل يوم قيراط أو قيراطان، فعليهم أنْ يطردوا هذا الكلب وألا يقتنوه، وأما لو كان هذا البيت في البر خالياً ليس حوله أحدٌ فإنَّه يجوز أنْ يقتني الكلب لحراسة  البيت ومَن فيه، وحراسةُ أهلِ البيت أبلغُ في الحفاظ مِن حراسة المواشي والحرث. ا.هـ
  2. وهل يجوز اقتناء الكلب للدلالة على المخدرات أو لاكتشاف السارق؟
    قال الشيخ ابن عثيمين: لا بأس بذلك وهو أولى من الحرث والصيد.ا.هـ

( شرح زاد المستقنع باب الوصايا شريط 3 (
وقال المحققان لكتاب (الإغراب): ومِن المصالح الراجحة استخدام الكلاب في العثور على المخدرات والأسلـحة والمجرمين في وقتنا الحاضر، وهي ما يسمَّى بـ (الكلاب البوليسية) فإنَّ فيها مصالحَ عظيمةً ، فَكَمْ عُثِرَ على المخدرات ونحوها عن طريقها، فمصلحتها أعظم مِن مصلحة الصيد أو الحرث أو الماشية ، لأنَّها مصلحة عامة للمجتمع، والله أعلم. ا.هـ (الإغراب في أحكام الكلاب ص106 (

  1. يستثنى من جواز اقتناء كلب الصيد ونحوه ما إذا كان أسود بهيماً- أو ذا نقطتين- لأنَّه مأمورٌ بقتله، فلا يحل اقتناؤُه ولا تعليمُه ولا الاصطيادُ به.
    – قال الإمام أحمد بن حنبل: ما أعلم أحداً أرخص في أكل ما قَتَل الكلبُ الأسودُ مِن الصيد.
    قلت: وهو قول قتادة والحسن البصري وإبراهيم النخعي وإسحاق بن راهويه وابن حزم.
  2. لو أراد اتخاذ كلب ليصطاد به فيما بعد، أو ليحفظ الزرع والماشية إذا صار له ذلك، فهل يجوز له الاقتناء؟.
    قال العراقي:
    فيه وجهان، أصحهما: الجواز، وهو مقتضى قوله في الحديث (إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ)، فإنَّه بهذه الصفة،  وإنْ لم يصطد به في الحال.ا.هـ (طرح التثريب 6/28 (
  3. هل يجوز أنْ يقتني كلباً لا يحسن الصيد، لكن لقصد تعليمه ؟
    قال العراقي:
    إنْ كان كبيراً جاز، وإنْ كان جرواً يُرَبَّى ثم يعلَّم ففيه وجهان، أصحهما: الجواز أيضاً- واستُدِلَّ له بالحديث -.
    لأنَّ هذا كلب صيد في المآل، ولو منع ذلك لتعذر اتخاذ كلاب الصيد فإنَّه لا يتَأتَّى تعليمُها إلا مع اقتنائها.ا.هـ  (طرح التثريب 6/28-29 (
  4. ما هو سبب نقصان الأجر؟
    قال الحافظ ابن حجر:
    أ- قيل: لامتناع الملائكة مِن دخول بيته.
    ب- وقيل: لما يلحق المارِّين مِن الأذى.
    جـ- وقيل: لأنَّ بعضها شياطين.
    د- وقيل: عقوبة لمخالفة النهي.
    هـ- وقيل: لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فربما يتنجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطهارة. ا.هـ (الفتح 5/8 (
  5. كيف نوفِّق بين رواية (القيراط) و (القيراطان) ؟
    قال الحافظ العيني:
    أ- يجوز أنْ يكونا في نوعين مِن الكلاب، أحدُهما أشدُّ إيذاءً.
    ب- وقيل: القيراطان في المدن والقرى، والقيراط في البوادي.
    جـ- وقيل: هما في زمانين، ذكر القيراط أولاً، ثم زاد التغليظ، فذكر القيراطين. ا.هـ (عمدة القاري 12/158 (
  6. قال الحافظ:
    استُدلَّ به – أي: حديث أبي هريرة- على طهارة الكلب الجائز اتخاذه، لأنَّ في ملابسته مع الاحتراز عنه مشقة شديدة، فالإذن في اتخاذه إذن في مكملات مقصوده، كما أنَّ المنع من لوازمه مناسبٌ للمنع منه، وهو استدلالٌ قويٌّ لا يعارضه إلا عمومُ الخبر الوارد في الأمر من غسل ما ولغ فيه الكلب من غير تفصيلٍ ، وتخصيص العموم غير مستنكرٍ إذا سوَّغه الدليل.ا.هـ (الفتح [5/8-9]).والمقصود – عند ابن عبد البر – طهارة الإناء .
    قلت: وهذا الاستدلال مرجوحٌ من وجوه ثلاثةٍ ذكرها الحافظ نفسه، نذكرها في باب (الكلب في الطهارة ( .
    تحت الفائدة السابعة إن شاء الله.
  7. هل نقصُ الأجر مِن عمل ذلك اليوم أو من مجموع عمله؟
    قال الشيخ يوسف بن عبد الهادي: وقد اختلف في معنى ذلك هل هو مِن مجموع العمل الذي عمله فيما تقدم، أو عمل ذلك اليوم، أي ينقص مِن عمل يومه الذي كان مقتنياً للكلب فيه قيراط؟ فمنهم مَن قال: مِن عمل ذلك اليوم.
    ومنهم مَن قال مِن مجموع عمله وكون المراد مِن عمل اليوم الذي اقتنى فيه الكلب أظهر، وإن عمل يوم اقتنائه بكثرة.ا.هـ   (الإغراب في أحكام الكلاب ص119(.
  8. هل ينقصُ الأجرُ مِن صاحب البيت أو مِن كلِّ واحدٍ منهم؟
    جاء في سنن الترمذي: قوله صلى الله عليه وسلم (وَمَا مِنْ أهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْباً إِلاَّ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ) قال الترمذي : هذا حديثٌ حسنٌ (السنن [5/56] تحفة الأحوذي (.
    والظاهر -عندي- أنَّ الأجرَ ينقص مِن كل مَن يملك إخراج الكلب مِن المنـزل دون مَن عداه، لأنَّ مَن ملك إخراجه فلم يفعل كان في حكم المقتني. والله أعلم.
  9. إذا اقتنى أهلُ بيتٍ كلُّ واحد منهم كلباً، هل ينقص مِن أجورهم بعدد الكلاب، أم كل واحدٍ بكلبه؟
    قال ابن عبد الهادي رحمه الله: والأمر يحتمل!! ا.هـ (الإغراب في أحكام الكلاب [ص204]). قلت: والتفصيل السابق- عند النقطة (12) – يتعلق بهذا السؤال كذلك.
  10. قال الحافظ:
    وفي الحديث:
    أ- الحث على تكثير الأعمال الصالحة.
    ب- والتحذير من العمل بما ينقصها.
    جـ- والتنبيه على أسباب الزيادة فيها والنقص منها لتُجتنب أو تُرتكب.
    د- وبيان لطف الله تعالى بخلقه في إباحة ما لهم به نفع.
    هـ- وتبليغ نبِيِّهم صلى الله عليه وسلم لهم أمور معاشهم ومعادهم.
    و- وفيه: ترجيح المصلحة الراجحة على المفسدة لوقوع استثناء ما ينتفع به مما حرم اتخاذه. ا.هـ (الفتح 5/9 (.تتمة:
    أ- ولا يجوز لمن اقتنى كلباً مباحاً أنْ يعلِّق في عنقه جرساً، وذلك لحديث أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه قال:
    فَأرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَسُولاً لاَ تَبقَيَنَّ في رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَةٌ مِنْ وَتَرٍ – أوْ قِلاَدَةٌ – إِلاَّ قُطِعَتْ. رواه البخاري [6/174] ومسلم [14/95 ].
    وقد جاء في تفسير هذا النهي ثلاثة أقوال:
    الأول: أنَّهم كانوا يضعون الأوتار في أعناق الإبل لئلا تصاب بالعَيْن بزعمهم فنهاهم عن ذلك إعلاماً بأنَّ الأوتار لا تردُّ مِن أمر الله شيئاً، وهو قول الإمام مالك.
    والثانـي: لئلا تختنق الدابة عند الركض، وهو قول محمد بن الحسن وأبي عبيد.
    والثالث: لأنهم كانـوا يعلقون فيها الأجراس وهو ما يدل عليه تبويب البخاري(11)، وهو قول الخطابي وابن حبان وبوَّب عليه في صحيحه [10/552]: ذكر البيان بأنَّ الأمر بقطع قلائد الأوتار عن أعناق الدواب إنما أمر بذلك من أجل الأجراس التي كانت فيها.
    قلت: ولا مانع مِن حمل الحديث على كلِّ المعاني التي ذكرها الأئمة. ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك، فلعلَّ التقييد بـها في الترجمة للغالب. وهو قول ابن حجر وابن حبان رحمهما الله. انظر: (صحيح ابن حبان [10/551])و(شرح مسلم [14/95]) و(الفتح 6/175 (

ب- ولا يجوز لمن جاز له الاقتناء أنْ يسافر به، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لاَ تَصْحَبِ الملائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلاَ جَرَسٌ. رواه مسلم )14/94(
قال النووي رحمه الله: أما فقه الحديث ففيه كراهة استصحاب الكلب والجرس في الأسفار وأنَّ الملائكة لا تصحب رُفقةً فيها أحدهما، والمراد بالملائكة ملائكة الرحمة والاستغفار لا الحفظة. ا.هـ (شرح مسلم 14/95 (.

جـ- فإن كانت قافلةً كبيرةً كركبِ الحجاج ونحوهم، ومع واحدٍ منهم كلبٌ، فهل يكون عدم صحبة الملائكة مختصاً بأصحاب الكلب أو بالجميع؟
قال ابن عبد الهادي رحمه الله: يحتمل قولين …ا.هـ (الإغراب ص216 (
قلت: والأقرب أنَّ الذي يُحرَم صحبة الملائكة هو الذي معه الكلب، وأما الباقي فلا علاقة لهم بفعله المحرم هذا، لاسيما إذا كان في قافلةٍ أو طائرةٍ أو باخرةٍ، فإنَّ الإنسان في كثيرٍ مِن أحيانه يَحرُم عليه السفر مَعَ مَن معه حتى لو لم يكن معهم كلاب، لكن الضرورة تدعو لذلك السفر، فإنَّ بعضهم يكون السفر مع الكلاب أقلَّ حرمةً مِن السفر معهم!! فالإثم عليهم في شرب الخمر أو التبرج أو سفرهم إلى معصية أو صحبتهم كلابهم دونه. والله أعلم.

د- قال ابن قدامة – رحمه الله – : ومَن اقتنى كلباً ثم ترك الصيد مدةً وهو يريد العود إليه لم يحرم اقتناؤه في مدة تركه لأنَّ ذلك لا يمكن التحرز منه ، وكذلك لو حصد صاحب الزرع زرعه أبيح له إمساك الكلب إلى أن يزرع زرعا آخر ، ولو هلكت ماشيته فأراد شراء غيرها فله إمساك كلبها لينتفع به في التي يشتريها .أ.هـ (المغني4/326 ( .

والله أعلم. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاقتناء: من اقتنى يقال: قناه يقنوه واقتناه: إذا اتخذه لنفسه دون البيع ومنه: القنية وهي: ما اقتنـي من شاة أو ناقة أو غيرهما. عمدة القاري )12/157 (
(2)  الضاري من الكلاب: ما يهيج بالصيد. قال الحافظ: ضار الكلب وأضراه صاحبه: أي: عوده وأغراه بالصيد.
(3)  وهذه الزيادة في حديث ابن عمر تردُّ على من ادَّعى أنَّ ابن عمر أنكرها.
وقد وافق أبا هريرة وابنَ عمر سفيانُ بن أبي زهير الصحابي فقد سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: من اقتنى كلباً لا يغني عنه زرعاً ولا ضرعاً نقص كل يوم من عمله قيراط) رواه البخاري [5/6]و مسلم )10/241(
وقال النووي: ولو انفرد بـها – أي: أبو هريرة -لكانتْ مقبولةً مرضيَّةً مكرَّمةً. شرح مسلم )10/236 (
(4) شرح مسلم [10/236].وأيده ولي الدين العراقي في طرح التثريب )6/28 (
(5) مجموع فتاوى ابن عثيمين )/246 (
(6) قال ابن حزم: وقد أدرك أحمد من أهل العلم كثيراً. المحلى )6/174(
(7)  انظر طرح التثريب [6/29] و المحلى )6/174 (
(8)  ورجّحه النووي في المجموع )9/279 (
(9)  ورجّحه النووي في المجموع [9/279] وابن قدامة في المغني [6/357] وابن عبد الهادي في الإغراب ) ص211 ( .
(10)  وهذه الفوائد تصلح لجميع الأحاديث التي في الباب.
(11)  قال البخاري: باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل.
(12)  ويرجِّح هذا التفسير حديث: الجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ . رواه مسلم [14/94]، وكذا الحديث الآتي في ب.

 

والله أعلم.

هل ” المنتقم ” من أسماء الله تعالى؟

السؤال:

هل ” المنتقم ” من أسماء الله تعالى؟

 

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

واسم ” المنتقم ” ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم و إنما جاء في القرآن مقيداً كقوله تعالى { إنا من المجرمين منتقمون} و قوله {إن الله عزيز ذو انتقام } . و الحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى الذي يذكر فيه ” المنتقم ” فذكر في سياقه ” البر التواب المنتقم العفو الرؤوف ” : ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي صلى الله عليه و سلم . ” مجموع الفتاوى ”  ( 8 /96 ).

وقال:

وكذلك الأسماء التي فيها ذكر الشر لا تذكر إلا مقرونة كقولنا : الضار ، النافع ، المعطي ، المانع ، المعز ، المذل ، أو مقيدة كقوله { إنا من المجرمين منتقمون } . ” مجموع الفتاوى ” ( 14/276 ).

وقال:

و لا في أسمائه الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم اسم ” المنتقم ” ، و إنما جاء ” المنتقم ” في القرآن مقيداً كقوله { إنا من المجرمين منتقمون } و جاء معناه مضافا إلى الله فى قوله { إن الله عزيز ذو انتقام } . و هذه نكرة في سياق الإثبات ، و النكرة فى سياق الإثبات مطلقة ليس فيها عموم على سبيل الجمع . ” مجموع الفتاوى ” ( 17/95 ).

* قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله:

– ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:

الأول : التصريح بالصفة.

الثاني : تضمن الاسم لها.

الثالث : التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش ، والنزول إلى السماء الدنيا ، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة ، والانتقام من المجرمين ، الدال عليها – على الترتيب – ……. وقوله { إنا من المجرمين منتقمون } . ” القواعد المثلى ” ( 28 ، 29 ).

قال الشيخ عمر الأشقر:

فلا يجوز أن يسمى الرب – تبارك وتعالى – بالأسماء المذمومة ، وكذلك بالصفات التي تشعر بالذم : كالمخادع ، والماكر …… والمنتقم . ” أسماء الله وصفاته ” ( 58 ).

قال الأخ الفاضل علوي سقاف:

يوصف الله عز وجل بأنه ( ذو انتقام ) ، وأنه ينتقم من المجرمين ، وهي صفة فعلية ثابتة بالكتاب والسنة . وليس ( المنتقم ) من أسماء الله تعالى . ” صفات الله ” ( ص 60 ).

 

والله أعلم.

الإنكار في المسائل الخلافية

0

سؤال :  إذا اختلف العلماء في اي مسألة كانت .. وتبنيت منها قولا … فهل يجوز لي الانكار على من خالفني فيها اذا كان يترتب على الاخذ به افساد للدين ونحوه … وهو اخذ بما اخذ به اقتناعا بالدليل …
وهل هناك ضوابط وقيود في المسألة …
مثال تحريم الغناء فلو انكرت على من يعتقد حله باقتناع واعتمادا على الادله الثابته لديه .. فلو انكرت عليه يقول لا يجوز ان تنكر على في امر اختلف فيها العلماء وانا معي ادلتي وانت معك ادلتك .. !!!
فلو تركته ولم انكر عليه لا يخفى الضرر الناتج من ذلك .. ولو انكرت الامر فيه خلاف وسعه ..؟؟

فما قولك حفظك الله .
وما الرد على من يقول مثل ذلك …؟؟؟

سؤال آخر ..
في السفر … لو سافرت من مكة الى المدينة واقمت بها ثلاثة ايام بلياليها فقط .. فهل يجوز لي القصر والجمع وانا مقيم في احد الفنادق او الشقق ؟
بمعنى هل يجوز لي ان اترك الجماعة والجمعة والاتمام لاني مسافر ؟ مع اني مقيم في مكان ثابت ؟
وهل يجوز لغيري ان ينكر علي فعلي ؟
انا اسأل عن الجواز وليس الافضل … وفقك الله …

الجواب :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الأخ عمر الأثري وفقه الله :
جزاك الله خيراً على حسن ظنك بأخيك ، وسأنقل لك ما كنتُ كتبته في ردي على ” عبد الله علوان ” رحمه الله ، وذلك لما قال : إنه لا ينكر إلا ما اتفق على أنه منكر ، وفي ثنايا الرد : الموقف من الإنكار في المسائل الخلافية :

قال عبد الله علوان في كتابه ” تربية الأولاد في الإسلام ” (ص483) [ ومن الأمور التي لا يختلف فيها اثنان من رجال العالم والإصلاح أن المنكر الذي يُنهى عنه المسلم يجب أن يكون مما أجمع على إنكاره لدى أهل الفقه وأئمة الاجتهاد، أما ما كان من خلافٍ بين المجتهدين الثقات فلا يُعد في الشرع منكرا، فلا يجوز لمن كان حنفي المذهب أن ينكر على مَن كان شافعي المذهب، وقد قالوا قديماً ” مَن قلَّد عالِماً لقي الله سالِما”].

قلت: هذا الكلامُ فيه فتحُ بابٍ لشرٍّ عظيمٍ، وذلك أنَّه قلَّما توجدُ مسألةٌ إلا وللعلماءِ فيها أقوال مختلفة، فهل هذا يعني أنَّ الأمرَ كذلك في نفسِه ؟! وعليه فلا يجوز الإنكارُ إلا إذا اتفقت كلمةُ العلماء على إنكاره ؟ اللهمَّ لا.

أ. قال الشاطبي رحمه الله: كلُّ مَن تحقق بأصول الشريعة، فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أنَّ كلَّ مَن حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابهٍ؛ لأنَّ الشريعةَ لا تعارُضَ فيها البتَّة، فالمتحقِّق بها متحققٌ بما في الأمر، فيلزم أنْ لا يكون عنده تعارُض، ولذلك لا تجد البتَّة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لمَّا كان أفراد المجتهدين غير معصومين مِن الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم، إذا ثبت هذا فنقول: التعارُض إمَّا أن يُعتبر مِن جهة ما في نفس الأمر، وإمَّا مِن جهة نظر المجتهد، أمَّا مِن جهة ما في نفس الأمر فغير ممكنٍ بإطلاق، وقد مرَّ آنفاً في كتاب الاجتهاد مِن ذلك – في مسألة أنَّ الشريعة على قولٍ واحدٍ – ما فيه كفاية، وأمَّا مِن جهة نظر المجتهد فممكنٌ بلا خلاف…أ.ه‍. “الموافقات” (4/174).

لذا كان الواجب على المصنِّف أن يُرجِعَ النَّاس إلى الأدلة المعصومة -الكتاب والسنَّة- في تقويم الأخطاء، وإنكار المنكر، بدلا مِن تهوين الأمر، وإرجاع كلٍّ إلى مذهبه.

ب. قال الشاطبي أيضاً : الشريعةُ كلُّها ترجع إلى قولٍ واحدٍ في فروعها، وإن كَثُرَ الخلافُ، كما أنَّها في أصولها كذلك، ولا يصلح فيها غير ذلك، والدليل عليه أمورٌ:

أحدها: أدلَّةُ القرآن، ومِن ذلك قولُه تعالى { وَلَوْ كانَ منْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }[ النساء/82] ، فنفى أن يقع فيه اختلافٌ البتة، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين، لم يصدُقْ عليه هذا الكلامُ على حالٍ، وفي القرآن { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } الآية [النساء /59] ، وهذه الآيةُ صريحةٌ في رفعِ التنازعِ والاختلاف، فإنه رَدَّ المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيءٍ واحدٍ، إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف، لم يكن في الرجوع إليه رفعُ تنازعٍ، وهذا باطلٌ…أ.هـ‍
“الموافقات” (4/63) وهو الموضع الذي أشار إليه آنفا.
وبِهذا يتبين خطأُ مَن قال ” كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ “، والصوابُ أن نقول “كلُّ مجتهدٍ مأجورٌ”، ومصداقُ هذا قولُه صلى الله عليه وسلم “إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ” رواه البخاري (13/393) ، ومسلم (12/13) .

ج. قال ابنُ حجر رحمه الله: فالأول له أجران: أجرُ الاجتهاد وأجرُ الإصابة، والآخرُ له أجرُ الاجتهاد فقط، وتقدمت الإشارة إلى وقوع الخطأ في الاجتهاد في حديثِ أمِّ سلمة “إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِليَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ” أ.هـ‍ “الفتح” (13/394).
والحديث : رواه البخاري (12/419)، و مسلم (12/4).

د. وقال النووي رحمه الله: وقد اختلف العلماء في “أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ” ؟ أم المصيبُ واحدٌ وهو مَن وافق الحكم الذي عند الله تعالى، والآخر مخطئ لا إثم عليه لعذره ؟ والأصحُّ عند الشافعيِّ وأصحابِه “أن المصيبَ واحدٌ”، وقد احتجَّت الطائفتان بهذا الحديث. .أ.ه‍ “شرح مسلم” (12/14).

هـ. وقال ابنُ القيِّم رحمه الله: الوجه الخامس والعشرون: أن يُقال لفرقة التقليد “دينُ اللهِ عندكم واحدٌ وهو في القول وضده، فدينُه هو الأقوالُ المختلفةُ المتضادة التي يناقضُ بعضُها بعضاً، كلُّها دينُ الله”؟

فإن قالوا: بلى هذه الأقوالُ المتضادةُ المتعارضةُ التي يناقضُ بعضُها بعضاً، كلُّها دينُ الله، خرجوا عن نصوص أئمتهم، فإنَّ جميعَهم على أنَّ الحقَّ في واحدٍ مِن الأقوالِ، كما أنَّ القِبلةَ في جهة مِن الجهات، وخرجوا عن نصوص القرآن، والسنَّة، والمعقول الصريح، وجعلوا دينَ الله تابعاً لآراء الرجال. وإن قالوا: “الصوابُ الذي لا صوابَ غيرَهُ: أنَّ دينَ اللهِ واحدٌ، وهو ما أنزل الله به كتابَه، وأرسل به رسولَه، وارتضاه لعباده، كما أنَّ نبيَّه واحدٌ، وقِبلتَه واحدةٌ، فمَن وافقه فهو المصيب وله أجران، ومَن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ على اجتهاده لا على خطئه”.

قيل لهم: فالواجبُ إذاً طلبُ الحقِّ، وبذلُ الاجتهاد في الوصول إليه بحسب الإمكان، لأنَّ الله سبحانه أوجب على الخلق تقواه بحسب الاستطاعة، وتقواه: فِعلُ ما أُمر به وتركُ ما نُهي عنه، فلا بد أن يَعرف ما أُمرَ به ليفعلَه وما نُهيَ عنه ليجتنبَه، وما أبيحَ له ليأتيَه، ومعرفةُ هذا لا تكون إلا بنوعِ اجتهادٍ، وطلبٍ، وتحرٍّ للحقِّ، فإذا لم يأتِ بذلك؛ فهو في عهدة الأمرِ، ويلقى الله ولمّا يقضِ ما أمره.أ.هـ‍ ” إعلام الموقعين” (2/211).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لفظ “الخطأ” قد يرادُ به الإثمُ، وقد يرادُ به عدمُ العلم، فإن أريد “الأول”: فكلُّ مجتهدٍ اتَّقى الله ما استطاع فهو مصيبٌ، فإنَّه مطيعٌ لله ليس بآثمٍ ولا مذمومٍ، وإن أريد “الثاني”: فقد يُخصُّ بعضُ المجتهدين بعلمٍ خفي على غيرِه، ويكون ذلك علماً بحقيقةِ الأمرِ لو اطَّلع عليه الآخرُ لوجب اتِّباعه، لكن سقط عنه وجوبُ اتباعه لعجزِه عنه، وله أجرٌ على اجتهاده، ولكن الواصل إلى الصواب له أجران، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته “إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ… “.أ.هـ‍ “مجموع الفتاوى” (20/19).

قلت: وقد ذكر شيخُنا الدكتور محمَّد الأشقر حفظه الله هذه المسألة، ورجّح “أنَّ المصيب واحد”، وذكر على ذلك ثلاثةَ أدلَّةٍ، منها الحديث السابقِ ذكرُه، انظر كتابه “الواضح في أصول الفقه ” (ص259).

الإنكار في المسائل الاختلافية

أ. قال ابن القيم رحمه الله: وقولهم إنَّ مسائلَ الخلافِ لا إنكارَ فيها: ليس بصحيحٍ، فإنَّ الإنكارَ إمَّا أَن يتوجَّهَ إلى القول، والفتوى، أو العمل.

أما الأوَّل: فإذا كان القولُ يخالفُ سنَّةً، أو إجماعاً شائعاً: وجب إنكارُه اتفاقا، وإن لم يكن كذلك: فإنَّ بيانَ ضعفِهِ ومخالفته للدليل، إنكارٌ مثلُه، وأمَّا العملُ فإذا كان على خلافِ سنَّةٍ، أو إجماعٍ: وجب إنكارُه بحسب درجاتِ الإنكارِ، وكيف يقول فقيهٌ ” لا إنكارَ في المسائلِ المختلفِ فيها”؛ والفقهاءُ مِن سائرِ الطوائفِ قد صرّحوا بنقضِ حكمِ الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنَّةً، وإن كان قد وافق فيه بعضَ العلماء ؟!
وأما إذا لم يكن في المسألةِ سنَّةٌ ولا إجماعٌ، وللاجتهاد فيه مساغٌ؛ لم تنكر من عمل بها مجتهدا أو مقلداً.
وإنما دخل هذا اللبسُ مِن جهة أنَّ القائل يعتقد أنَّ مسائل الخلاف هي مسائلُ الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف مِن الناس ممن ليس لهم تحقيقٌ في العلم.
والصواب: ما عليه الأئمةُ أنَّ مسائلَ الاجتهادِ ما لم يكن فيها دليلٌ يجب العملُ به وجوباً ظاهراً، مثل حديثٍ صحيحٍ لا معارض له مِن جنسه: فيسوغ فيها – إذا عُدم فيها الدليلُ الظاهر الذي يجب العمل به – الاجتهاد لتعارض الأدلة، أو لخفاء الأدلة فيها .
وليس في قول العالِم “إنَّ هذه المسألة قطعيَّةٌ أو يقينيَّةٌ، ولا يسوغ فيها الاختلاف”، طَعْنٌ على مَن خالفها، ولا نسبةٌ له إلى تعمُّدِ خلافِ الصوابِ.

والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنَّا صحةَ أحدِ القولين فيها: كثيرةٌ مثلُ كون الحامل تعتد بوضع الحمل (1) ، وأنَّ إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول (2) ، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينـزل (3) ، وأن ربا الفضل حرام (4) ، وأن المتعة حرام (5) ، وأن النبيذ المسكر حرام (6) ، وأن المسلم لا يقتل بكافر (7) ، وأن المسح على الخفين جائز حضرا وسفرا (8) ، وأنَّ السنَّة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق (9) ، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنَّة (10) ، وأنَّ الشفعة ثابتة في الأرض والعقار (11) ، وأنَّ الوقف صحيح لازم (12) ، وأنَّ دية الأصابع سواء (13) ، وأنَّ يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم (14) ، وأنَّ الخاتم من حديد يجوز أن يكون صداقا (15) ، وأنَّ التيمم إلى الكوعين بضربة واحدة جائز (16) ، وأن صيام الولي عن الميت يجزئ عنه (17) ، وأن الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة (18) ، وأنَّ المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه (19) ، وأنَّ السنة أن يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره” السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله” (20) ، وأنَّ خيار المجلس ثابت في البيع (21) ، وأنَّ المصرّاة يَرد معها عوض اللبن: صاعاً من تمر (22) ، وأنَّ صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة (23) ، وأنَّ القضاء جائز بشاهد ويمين (24) ، إلى أضعاف أضعاف ذلك مِن المسائل، ولهذا صرَّح الأئمة بنقض حكم مَن حكم بخلاف كثيرٍ مِن هذه المسائل مِن غير طعنٍ منهم على مَن قال بها.

وعلى كلِّ حالٍ: فلا عذر عند الله يوم القيامة لِمن بلغه ما في المسألة – هذا الباب وغيره- مِن الأحاديث، والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره، وقلَّد مَن نهاه عن تقليده، وقال له: لا يحل لك أن تقول بقولي إذا خالف السنَّة، وإذا صح الحديث فلا تعبأ بقولي، وحتى لو لم يقل له ذلك: كان هذا هو الواجب عليه وجوباً لا فسحة له فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك، لم يسعه إلا اتباع الحجة، ولو لم يكن في هذا الباب شيءٌ مِن الأحاديث والآثار البتة: فإنَّ المؤمن يعلم بالاضطرار أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلِّم أصحابه هذه الحِيَل، ولا يدلهم عليها… وهذا القدر لا يحتاج إلى دليلٍ أكثر مِن معرفة حقيقة الدين الذي بَعث الله به رسولَهُ.أ.هـ‍” اعلام الموقعين” (3/300-301).

ب. وقال ابن حزم رحمه الله: وذلك أنَّهم أوهموا أنَّ ما لا إجماع فيه: فإنَّ الاختلاف فيه سائغٌ جائزٌ.
قال أبو محمد (أي: ابن حزم): وهذا باطل، بل كل ما أُجمع عليه، أو اختلف فيه، فَهُما سواء في هذا الباب، فلا يحلُّ لأحدٍ خلاف الحقِّ أصلاً، سواء أُجمع عليه، أو اختلف فيه.أ.هـ‍ “الإحكام في أصول الأحكام” (4/151-152).

ج. ولما قال صاحب “حدائق الأزهار” (ولا في مختلف فيه على من هو مذهبه) – أي: أنّه لا يجوز الإنكار في المسائل التي تكون على مذهب فاعلها صحيحة حتى ولو خالفتْ نصًّا من كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم – ردَّ عليه الإمام الشوكاني بقوله: أقول: هذه المقالة قد صارتْ أعظمَ ذريعةٍ إلى سدِّ بابِ الأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهما بالمثابة التي عرَّفْناك، والمنـزلة التي بيَّناها لك، وقد وجب بإيجاب الله عزَّ وجَلَّ وبإيجاب رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه الأمَّة الأمرُ بما هو معروفٌ مِن معروفات الشرع، والنهيُ عمّا هو منكرٌ مِن منكراته، ومعيار ذلك الكتاب والسنَّة، فعلى كلِّ مسلمٍ أنْ يأمرَ بما وجده فيهما أو في أحدِهما معروفاً، وينهى عما هو فيهما، أو في أحدهما منكراً، وإنْ قال قائلٌ مِن أهل العلم بما يخالف ذلك: فقوله منكرٌ يجب إنكاره عليه أولاً، ثم على العامد به ثانياً، وهذه الشريعة الشريفة التي أمرنا بالأمر بمعروفها، والنهي عن منكرها، هي هذه الموجودة في الكتاب والسنَّة، وأمَّا ما حدث مِن المذاهب فليستْ بشرائعَ مستجدةٍ، ولا هي شرائع ناسخة لما جاء به خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وإنَّما هي بدعٌ ابتُدعت وحوادثُ في الإسلام حدثتْ، فما كان فيها موافقاً للشرع الثابت في الكتاب والسنَّة؛ فقد سبق إليه الكتاب والسنَّة، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنَّة؛ فهو ردٌّ على قائله مضروبٌ به وجهه، كما جاءت بذلك الأدلة الصحيحة التي منها “كُلُّ أَمْرٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ”، فالواجب على مَن علم بهذه الشريعة، ولديه حقيقةٌ مِن معروفها، ومنكرها، أن يأمر بما علِمَه معروفاً، وينهى عما علِمه منكَراً، فالحقُّ لا يتغيَّرُ حكمُه ولا يسقط وجوبُ العملِ به، والأمر يفعله، والإنكار على مَن خالفه بمجرد قول قائلٍ، أو اجتهاد مجتهدٍ، أو ابتداعِ مبتدعٍ، فإن قال تاركُ الواجب أو فاعلُ المنكرِ: “قد قال بهذا فلان”، أو “ذهب إليه فلان”!! أجيب عليه:بأنَّ الله لم يأمرْنا باتِّباع فلانِك، بل قال لنا في كتابه العزيز:{ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر /7]، فإن لم يقنع بهذا حَاكِمْه إلى كتاب الله، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما أمرنا الله سبحانه في كتابه بالردِّ إليهما عند التنازع. أ.ه‍ “السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار” (4/588-589).
قلت: وإن تعجبْ فاعجب لقول المصنف نفسه – في أكثر مِن موطن مِن كتابه -بوجوب إنكار المنكر – وهو مما اختُلف فيه – ولو أدَّى هذا الإنكار لتعرض المنكِر لأصناف الأذى وأنواع الألم – وهو ما لا نقوله نحن! -، فاستمع إليه حين يقول في (ص 469/470): [ قد يفاجأ المعزي بوجود بدع ومنكرات! في المكان الذي تكون في التعزية، كتصوير صورة الميت ، أو تدخين الناس والقارئ يقرأ! وعزف موسيقى حزينة! أو تقديم ضيافة إلى المعزين أو غير ذلك من المنكرات المنهي عنها في الدين. فما هو موقفه منها؟ بل ما هو الواجب الذي يحتمه عليه الإسلام ؟ الواجب عليه: أن يكون جريئا بالحق ناصحاً بالمعروف لا تأخذه في الله لومة لائم… ولا يمنعه هول المناسبة (أي: العزاء) في أن يتكلم الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يمنعه خشية الناس أن ينصح ويقول ويأمر وينهى، فالله سبحانه أحق أن يخشاه].أ.هـ

وفي (ص 742) قال [ وبالنسبة للمشرب، فعليه (أي: المربي) أن يلحظ في الولد الشرب مثنى وثلاث، ونهيه! عن التنفس في الإناء، ونهيه عن الشرب قائما! ].أ.هـ‍

وأقول: لا بدَّ للمسلم الذي يعلم حكمَ الله في المسألةِ أنْ يأمر وينهى، وليس مِن شرطِ مَن يكون أمامه أنْ يعلم أنَّه لا يفعل منكراً، فقد يكون متأوِّلاً أو جاهلاً، أو مقلِّداً، أو صاحب هوى، أو ضعيف نفس، فأن يُترك مثل هؤلاء مِن أجل أنَّ “المنكر الذي يفعلونه مختلف فيه”: فيه إنهاءٌ لهذه الشعيرة العظيمة مِن شعائر الدين التي تهاون بها أكثرُ الناس، والتي فضَّلَنا الله لأجلها على العالمين { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ } [آل عمران/110] ، وقال تعالى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ } [ التوبة /71].

ونقول أيضا: هل هذه المسألة – وهي ” عدم الإنكار في المسائل الخلافية” – مجمعٌ عليها أم فيها خلافٌ بين العلماء؟ فإن كانت الأولى: فنحن مع الإجماع – ولا سبيلَ لهم لإثباته – وإنْ كانت الأخرى: فما بالكم تنكرون علينا إذا أنكرنا في مواضع الاختلاف ؟!
والله أعلم

ثانياً :
أما المسألة الثانية :
فإن المسافر قد رخَّص الله تعالى له بالفطر ، وأوجب عليه – على الصحيح – القصر في الصلاة ، وأبيح له الجمع ، وعليه : فلا إنكار على من أخذ برخصة الله تعالى وصدقته فأفطر أو صلى في بيته دون صلاته في المسجد ، وهذا كله ما لم يستوطن أو يقيم إقامة مطلقة ، وهما الحالتان اللتان ترفع عنه حكم السفر .
والله أعلم

——————————————————————————–
(1) لقوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق/4]، ولحديث سبيعة الأسلمية في “الصحيحين”، وفيه “أنها وضعت بعد أيام من وفاة زوجها، فقال لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ” أَنْكِحِي مَنْ شِئْتِ”،وممن خالف في هذا:علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، حيث ذهبا إلى أنَّ عدتها:أبعد الأجلين.
(2) لقوله تعالى {فإنْ طلقها فلا تحل له من بعدُ حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة/ 230]، ولحديث “الصحيحين” “لا، حتى تذوقي عسيلته – أي:الجماع- ويذوق عسيلتك” وقد قالهصلى الله عليه وسلم لامرأة “رفاعة” لما أرادت أن ترجع له بعد زواجها مِن غيره وقبل دخوله عليها، وممن خالف في هذا: سعيد بن المسيب رحمه الله، حيث ذهب إلى أنَّ مجرد العقد يكفي لحلها لزوجها الأول -ومِن غير قصد التحليل-.
(3) لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل “رواه أحمد بإسناد صحيح، ولقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا جلس بين شُعبها الأربع ثم جَهِدها – أي: جامعها – فقد وجب الغسل وإن لم ينزل” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: عثمان ابن عفان رضي الله عنه حيث قال: إنَّ وجوب الغسل يكون بالإنزال فقط، ووافقه على ذلك بعض أهل الظاهر.
(4) لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث “عبادة بن الصامت”: “الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلا بمثل سواءً بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث أنكر الربا في التفاضل، لقوله صلى الله عليه وسلم “لا ربا إلا في النسيئة” متفق عليه، قلت: وقد ثبت رجوعه عن قوله هذا.
(5) لقول “سبرة” رضي الله عنه”: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: ابن عباس – ويروى عنه رجوعه- وعبد الملك بن جريج من التابعين.
(6) لقوله صلى الله عليه وسلم “كل مسكر خمر، وكل خمر حرام” رواه مسلم، وقالصلى الله عليه وسلم “كل شراب أسكر فهو حرام” متفق عليه، وممن خالف في هذا: الأحناف حيث أباحوا النبيذ -مِن غير العنب – القليل الذي لا يسكر، ولو كان كثيره يُسكر.
(7) لقوله صلى الله عليه وسلم ” لا يُقتل مسلم بكافر ” رواه البخاري، وممن خالف في هذا: الأحناف، حيث أجازوا قتل المسلم بالكافر.
(8) لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: “كنتُ مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في مسير… ثم أهويتُ لأنزع خفيه فقال “دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين” فمسح عليهما، رواه البخاري – مختصراً – ومسلم، وممن خالف في هذا: مالك – في رواية عنه – حيث جوّز المسح على الخفين في السفر دون الحضر.
(9) التطبيق: هو أن يضع المصلي بطن كفه على بطن كفه الأخرى، ثم يضعهما بين ركبتيه عند الركوع، وقد كان هذا أولا ثم نسخ بوضع اليدين على الركبتين، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنه رأى ولَده يفعله فقال له “كنا نفعله فنهينا عنه، وأُمرنا أن نضع أيدينا على الركب” رواه البخاري ومسلم، وممن خالف في هذا: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وبعض أصحابه، حيث ذهبوا إلى “التطبيق”.
(10) لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً” متفق عليه، وممن خالف في هذا: الأحناف، فعندهم لا ترفع الأيدي إلا عند تكبيرة الإحرام.
(11) لحديث جابر رضي الله عنه قال: “قضى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة “رواه البخاري، وفي رواية “ابن ماجه”: “مَن كانت له نخل أو أرض فلا يبيعها حتى يعرضها على شريكه”، وممن خالف في هذا: الأحناف، حيث أثبتوا الشفعة في كل شيء من العقارات، والمنقولات، وجعلوها ثابتة للجار مطلقا، سواء كان له مع جاره شركة في زقاق، أو حوش، أو لم يكن.
(12) لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب “إن شئتَ حبستَ أصلها وتصدقت بها “متفق عليه، وفي رواية “البيهقي” “تصدَّق بثمره وحبِّس أصله، لا يباع ولا يورث”، وممن خالف في هذا: أبو حنيفة حيث لا يرى الوقف لازماً، فأجاز بيعه، ورجوع الواقف فيه.
(13) لحديث عمرو بن حزم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “… وفي كل أصبع مما هنالك عشر (أي: من الإبل) ” رواه النسائي، وصححه شيخنا في “الإرواء ” (7/300)، وممن خالف في هذا: عمر بن الخطاب – وروي عنه رجوعه – ومجاهد بن جبر من التابعين.
(14) لحديث ابن عمر، ” أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قطع في مِجنِّ قيمته ثلاثة دراهم” متفق عليه، وممن خالف في هذا: فقهاء العراق كابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فالقطع عندهم لا يكون في أقل من خمسة دراهم، وعند بعض فقهائهم: عشرة دراهم، وممن خالف في هذا أيضاً: الظاهرية حيث أوجبوا القطع بكل مسروق، دون النظر إلى القيمة.
(15) لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الخاطب: “التَمِس ولو خاتماً من حديد” متفق عليه، وممن خالف في هذا: مالك رحمه الله حيث جعل أقل الصداق: ثلاثة دراهم، وأبو حنيفة، حيث جعله عشرة دراهم.
(16) لقوله صلى الله عليه وسلم لعمَّار بن ياسر رضي الله عنه “إنما كان يكفيك هذا”، وضرب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما، وجهه وكفيه، متفق عليه، وممن خالف في هذا: مالك والشافعي وابن المبارك، حيث قالوا: التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين ‍‍!
(17) لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم “مَن مات وعليه صوم صام عنه وليه” متفق عليه، وممن خالف في هذا: الشافعي حيث قال بالإطعام، ومالك حيث قال: لا صيام ولا إطعام إلا أن يوصي .
(18) لحديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما “أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة” متفق عليه، وممن خالف في هذا: المالكية حيث قالوا: يقطع التلبية إذا زالت الشمس من يوم عرفة.
(19) لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ” كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم” متفق عليه، وممن خالف في هذا: مالك، ورواه عن عمر بن الخطاب.
(20) لحديث ابن مسعود رضي الله عنه “أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خدِّه” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: الأحناف حيث لم يوجبوا السلام في الصلاة، ومالك وطائفة قالوا: إنما يسنُّ تسليمةٌ واحدةٌ.
(21) لقوله صلى الله عليه وسلم “إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا “متفق عليه، وممن خالف في هذا: أبو حنيفة، ومالك، حيث لم يثبتا خيار المجلس.
(22) لقوله صلى الله عليه وسلم “مَن اشترى غنما مصرَّاة فاحتلبها، فإنْ رضيها أمسكها، وإنْ سخطها ففي حلبتها صاعٌ من تمر” متفق عليه، وممن خالف في هذا: الأحناف حيث قالوا: ليست التصرية عيبا، وجعلوا هذا الحديث مخالفاً للأصول! ، والتصرية: ربط ثدي إناث الإبل أوالبقر أوالغنم مدة من الزمن إيهاما بكثرة لبنها.
(23) لحديث عائشة قالت: “… فاستكمل صلى الله عليه وسلم أربع ركعات في أربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف” متفق عليه، وممن خالف في هذا: أبو حنيفة، والكوفيون حيث ذهبوا إلى أنَّها كصلاة العيد والجمعة.
(24) لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، “أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وجمهور أهل العراق، والليث بن سعد، حيث قالوا: لا يُقضى باليمين مع الشاهد في شيء.