الرئيسية بلوق الصفحة 514

الإنكار في المسائل الخلافية

0

سؤال :  إذا اختلف العلماء في اي مسألة كانت .. وتبنيت منها قولا … فهل يجوز لي الانكار على من خالفني فيها اذا كان يترتب على الاخذ به افساد للدين ونحوه … وهو اخذ بما اخذ به اقتناعا بالدليل …
وهل هناك ضوابط وقيود في المسألة …
مثال تحريم الغناء فلو انكرت على من يعتقد حله باقتناع واعتمادا على الادله الثابته لديه .. فلو انكرت عليه يقول لا يجوز ان تنكر على في امر اختلف فيها العلماء وانا معي ادلتي وانت معك ادلتك .. !!!
فلو تركته ولم انكر عليه لا يخفى الضرر الناتج من ذلك .. ولو انكرت الامر فيه خلاف وسعه ..؟؟

فما قولك حفظك الله .
وما الرد على من يقول مثل ذلك …؟؟؟

سؤال آخر ..
في السفر … لو سافرت من مكة الى المدينة واقمت بها ثلاثة ايام بلياليها فقط .. فهل يجوز لي القصر والجمع وانا مقيم في احد الفنادق او الشقق ؟
بمعنى هل يجوز لي ان اترك الجماعة والجمعة والاتمام لاني مسافر ؟ مع اني مقيم في مكان ثابت ؟
وهل يجوز لغيري ان ينكر علي فعلي ؟
انا اسأل عن الجواز وليس الافضل … وفقك الله …

الجواب :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الأخ عمر الأثري وفقه الله :
جزاك الله خيراً على حسن ظنك بأخيك ، وسأنقل لك ما كنتُ كتبته في ردي على ” عبد الله علوان ” رحمه الله ، وذلك لما قال : إنه لا ينكر إلا ما اتفق على أنه منكر ، وفي ثنايا الرد : الموقف من الإنكار في المسائل الخلافية :

قال عبد الله علوان في كتابه ” تربية الأولاد في الإسلام ” (ص483) [ ومن الأمور التي لا يختلف فيها اثنان من رجال العالم والإصلاح أن المنكر الذي يُنهى عنه المسلم يجب أن يكون مما أجمع على إنكاره لدى أهل الفقه وأئمة الاجتهاد، أما ما كان من خلافٍ بين المجتهدين الثقات فلا يُعد في الشرع منكرا، فلا يجوز لمن كان حنفي المذهب أن ينكر على مَن كان شافعي المذهب، وقد قالوا قديماً ” مَن قلَّد عالِماً لقي الله سالِما”].

قلت: هذا الكلامُ فيه فتحُ بابٍ لشرٍّ عظيمٍ، وذلك أنَّه قلَّما توجدُ مسألةٌ إلا وللعلماءِ فيها أقوال مختلفة، فهل هذا يعني أنَّ الأمرَ كذلك في نفسِه ؟! وعليه فلا يجوز الإنكارُ إلا إذا اتفقت كلمةُ العلماء على إنكاره ؟ اللهمَّ لا.

أ. قال الشاطبي رحمه الله: كلُّ مَن تحقق بأصول الشريعة، فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أنَّ كلَّ مَن حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابهٍ؛ لأنَّ الشريعةَ لا تعارُضَ فيها البتَّة، فالمتحقِّق بها متحققٌ بما في الأمر، فيلزم أنْ لا يكون عنده تعارُض، ولذلك لا تجد البتَّة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لمَّا كان أفراد المجتهدين غير معصومين مِن الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم، إذا ثبت هذا فنقول: التعارُض إمَّا أن يُعتبر مِن جهة ما في نفس الأمر، وإمَّا مِن جهة نظر المجتهد، أمَّا مِن جهة ما في نفس الأمر فغير ممكنٍ بإطلاق، وقد مرَّ آنفاً في كتاب الاجتهاد مِن ذلك – في مسألة أنَّ الشريعة على قولٍ واحدٍ – ما فيه كفاية، وأمَّا مِن جهة نظر المجتهد فممكنٌ بلا خلاف…أ.ه‍. “الموافقات” (4/174).

لذا كان الواجب على المصنِّف أن يُرجِعَ النَّاس إلى الأدلة المعصومة -الكتاب والسنَّة- في تقويم الأخطاء، وإنكار المنكر، بدلا مِن تهوين الأمر، وإرجاع كلٍّ إلى مذهبه.

ب. قال الشاطبي أيضاً : الشريعةُ كلُّها ترجع إلى قولٍ واحدٍ في فروعها، وإن كَثُرَ الخلافُ، كما أنَّها في أصولها كذلك، ولا يصلح فيها غير ذلك، والدليل عليه أمورٌ:

أحدها: أدلَّةُ القرآن، ومِن ذلك قولُه تعالى { وَلَوْ كانَ منْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }[ النساء/82] ، فنفى أن يقع فيه اختلافٌ البتة، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين، لم يصدُقْ عليه هذا الكلامُ على حالٍ، وفي القرآن { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } الآية [النساء /59] ، وهذه الآيةُ صريحةٌ في رفعِ التنازعِ والاختلاف، فإنه رَدَّ المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيءٍ واحدٍ، إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف، لم يكن في الرجوع إليه رفعُ تنازعٍ، وهذا باطلٌ…أ.هـ‍
“الموافقات” (4/63) وهو الموضع الذي أشار إليه آنفا.
وبِهذا يتبين خطأُ مَن قال ” كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ “، والصوابُ أن نقول “كلُّ مجتهدٍ مأجورٌ”، ومصداقُ هذا قولُه صلى الله عليه وسلم “إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ” رواه البخاري (13/393) ، ومسلم (12/13) .

ج. قال ابنُ حجر رحمه الله: فالأول له أجران: أجرُ الاجتهاد وأجرُ الإصابة، والآخرُ له أجرُ الاجتهاد فقط، وتقدمت الإشارة إلى وقوع الخطأ في الاجتهاد في حديثِ أمِّ سلمة “إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِليَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ” أ.هـ‍ “الفتح” (13/394).
والحديث : رواه البخاري (12/419)، و مسلم (12/4).

د. وقال النووي رحمه الله: وقد اختلف العلماء في “أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ” ؟ أم المصيبُ واحدٌ وهو مَن وافق الحكم الذي عند الله تعالى، والآخر مخطئ لا إثم عليه لعذره ؟ والأصحُّ عند الشافعيِّ وأصحابِه “أن المصيبَ واحدٌ”، وقد احتجَّت الطائفتان بهذا الحديث. .أ.ه‍ “شرح مسلم” (12/14).

هـ. وقال ابنُ القيِّم رحمه الله: الوجه الخامس والعشرون: أن يُقال لفرقة التقليد “دينُ اللهِ عندكم واحدٌ وهو في القول وضده، فدينُه هو الأقوالُ المختلفةُ المتضادة التي يناقضُ بعضُها بعضاً، كلُّها دينُ الله”؟

فإن قالوا: بلى هذه الأقوالُ المتضادةُ المتعارضةُ التي يناقضُ بعضُها بعضاً، كلُّها دينُ الله، خرجوا عن نصوص أئمتهم، فإنَّ جميعَهم على أنَّ الحقَّ في واحدٍ مِن الأقوالِ، كما أنَّ القِبلةَ في جهة مِن الجهات، وخرجوا عن نصوص القرآن، والسنَّة، والمعقول الصريح، وجعلوا دينَ الله تابعاً لآراء الرجال. وإن قالوا: “الصوابُ الذي لا صوابَ غيرَهُ: أنَّ دينَ اللهِ واحدٌ، وهو ما أنزل الله به كتابَه، وأرسل به رسولَه، وارتضاه لعباده، كما أنَّ نبيَّه واحدٌ، وقِبلتَه واحدةٌ، فمَن وافقه فهو المصيب وله أجران، ومَن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ على اجتهاده لا على خطئه”.

قيل لهم: فالواجبُ إذاً طلبُ الحقِّ، وبذلُ الاجتهاد في الوصول إليه بحسب الإمكان، لأنَّ الله سبحانه أوجب على الخلق تقواه بحسب الاستطاعة، وتقواه: فِعلُ ما أُمر به وتركُ ما نُهي عنه، فلا بد أن يَعرف ما أُمرَ به ليفعلَه وما نُهيَ عنه ليجتنبَه، وما أبيحَ له ليأتيَه، ومعرفةُ هذا لا تكون إلا بنوعِ اجتهادٍ، وطلبٍ، وتحرٍّ للحقِّ، فإذا لم يأتِ بذلك؛ فهو في عهدة الأمرِ، ويلقى الله ولمّا يقضِ ما أمره.أ.هـ‍ ” إعلام الموقعين” (2/211).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لفظ “الخطأ” قد يرادُ به الإثمُ، وقد يرادُ به عدمُ العلم، فإن أريد “الأول”: فكلُّ مجتهدٍ اتَّقى الله ما استطاع فهو مصيبٌ، فإنَّه مطيعٌ لله ليس بآثمٍ ولا مذمومٍ، وإن أريد “الثاني”: فقد يُخصُّ بعضُ المجتهدين بعلمٍ خفي على غيرِه، ويكون ذلك علماً بحقيقةِ الأمرِ لو اطَّلع عليه الآخرُ لوجب اتِّباعه، لكن سقط عنه وجوبُ اتباعه لعجزِه عنه، وله أجرٌ على اجتهاده، ولكن الواصل إلى الصواب له أجران، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته “إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ… “.أ.هـ‍ “مجموع الفتاوى” (20/19).

قلت: وقد ذكر شيخُنا الدكتور محمَّد الأشقر حفظه الله هذه المسألة، ورجّح “أنَّ المصيب واحد”، وذكر على ذلك ثلاثةَ أدلَّةٍ، منها الحديث السابقِ ذكرُه، انظر كتابه “الواضح في أصول الفقه ” (ص259).

الإنكار في المسائل الاختلافية

أ. قال ابن القيم رحمه الله: وقولهم إنَّ مسائلَ الخلافِ لا إنكارَ فيها: ليس بصحيحٍ، فإنَّ الإنكارَ إمَّا أَن يتوجَّهَ إلى القول، والفتوى، أو العمل.

أما الأوَّل: فإذا كان القولُ يخالفُ سنَّةً، أو إجماعاً شائعاً: وجب إنكارُه اتفاقا، وإن لم يكن كذلك: فإنَّ بيانَ ضعفِهِ ومخالفته للدليل، إنكارٌ مثلُه، وأمَّا العملُ فإذا كان على خلافِ سنَّةٍ، أو إجماعٍ: وجب إنكارُه بحسب درجاتِ الإنكارِ، وكيف يقول فقيهٌ ” لا إنكارَ في المسائلِ المختلفِ فيها”؛ والفقهاءُ مِن سائرِ الطوائفِ قد صرّحوا بنقضِ حكمِ الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنَّةً، وإن كان قد وافق فيه بعضَ العلماء ؟!
وأما إذا لم يكن في المسألةِ سنَّةٌ ولا إجماعٌ، وللاجتهاد فيه مساغٌ؛ لم تنكر من عمل بها مجتهدا أو مقلداً.
وإنما دخل هذا اللبسُ مِن جهة أنَّ القائل يعتقد أنَّ مسائل الخلاف هي مسائلُ الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف مِن الناس ممن ليس لهم تحقيقٌ في العلم.
والصواب: ما عليه الأئمةُ أنَّ مسائلَ الاجتهادِ ما لم يكن فيها دليلٌ يجب العملُ به وجوباً ظاهراً، مثل حديثٍ صحيحٍ لا معارض له مِن جنسه: فيسوغ فيها – إذا عُدم فيها الدليلُ الظاهر الذي يجب العمل به – الاجتهاد لتعارض الأدلة، أو لخفاء الأدلة فيها .
وليس في قول العالِم “إنَّ هذه المسألة قطعيَّةٌ أو يقينيَّةٌ، ولا يسوغ فيها الاختلاف”، طَعْنٌ على مَن خالفها، ولا نسبةٌ له إلى تعمُّدِ خلافِ الصوابِ.

والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنَّا صحةَ أحدِ القولين فيها: كثيرةٌ مثلُ كون الحامل تعتد بوضع الحمل (1) ، وأنَّ إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول (2) ، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينـزل (3) ، وأن ربا الفضل حرام (4) ، وأن المتعة حرام (5) ، وأن النبيذ المسكر حرام (6) ، وأن المسلم لا يقتل بكافر (7) ، وأن المسح على الخفين جائز حضرا وسفرا (8) ، وأنَّ السنَّة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق (9) ، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنَّة (10) ، وأنَّ الشفعة ثابتة في الأرض والعقار (11) ، وأنَّ الوقف صحيح لازم (12) ، وأنَّ دية الأصابع سواء (13) ، وأنَّ يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم (14) ، وأنَّ الخاتم من حديد يجوز أن يكون صداقا (15) ، وأنَّ التيمم إلى الكوعين بضربة واحدة جائز (16) ، وأن صيام الولي عن الميت يجزئ عنه (17) ، وأن الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة (18) ، وأنَّ المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه (19) ، وأنَّ السنة أن يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره” السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله” (20) ، وأنَّ خيار المجلس ثابت في البيع (21) ، وأنَّ المصرّاة يَرد معها عوض اللبن: صاعاً من تمر (22) ، وأنَّ صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة (23) ، وأنَّ القضاء جائز بشاهد ويمين (24) ، إلى أضعاف أضعاف ذلك مِن المسائل، ولهذا صرَّح الأئمة بنقض حكم مَن حكم بخلاف كثيرٍ مِن هذه المسائل مِن غير طعنٍ منهم على مَن قال بها.

وعلى كلِّ حالٍ: فلا عذر عند الله يوم القيامة لِمن بلغه ما في المسألة – هذا الباب وغيره- مِن الأحاديث، والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره، وقلَّد مَن نهاه عن تقليده، وقال له: لا يحل لك أن تقول بقولي إذا خالف السنَّة، وإذا صح الحديث فلا تعبأ بقولي، وحتى لو لم يقل له ذلك: كان هذا هو الواجب عليه وجوباً لا فسحة له فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك، لم يسعه إلا اتباع الحجة، ولو لم يكن في هذا الباب شيءٌ مِن الأحاديث والآثار البتة: فإنَّ المؤمن يعلم بالاضطرار أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلِّم أصحابه هذه الحِيَل، ولا يدلهم عليها… وهذا القدر لا يحتاج إلى دليلٍ أكثر مِن معرفة حقيقة الدين الذي بَعث الله به رسولَهُ.أ.هـ‍” اعلام الموقعين” (3/300-301).

ب. وقال ابن حزم رحمه الله: وذلك أنَّهم أوهموا أنَّ ما لا إجماع فيه: فإنَّ الاختلاف فيه سائغٌ جائزٌ.
قال أبو محمد (أي: ابن حزم): وهذا باطل، بل كل ما أُجمع عليه، أو اختلف فيه، فَهُما سواء في هذا الباب، فلا يحلُّ لأحدٍ خلاف الحقِّ أصلاً، سواء أُجمع عليه، أو اختلف فيه.أ.هـ‍ “الإحكام في أصول الأحكام” (4/151-152).

ج. ولما قال صاحب “حدائق الأزهار” (ولا في مختلف فيه على من هو مذهبه) – أي: أنّه لا يجوز الإنكار في المسائل التي تكون على مذهب فاعلها صحيحة حتى ولو خالفتْ نصًّا من كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم – ردَّ عليه الإمام الشوكاني بقوله: أقول: هذه المقالة قد صارتْ أعظمَ ذريعةٍ إلى سدِّ بابِ الأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهما بالمثابة التي عرَّفْناك، والمنـزلة التي بيَّناها لك، وقد وجب بإيجاب الله عزَّ وجَلَّ وبإيجاب رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه الأمَّة الأمرُ بما هو معروفٌ مِن معروفات الشرع، والنهيُ عمّا هو منكرٌ مِن منكراته، ومعيار ذلك الكتاب والسنَّة، فعلى كلِّ مسلمٍ أنْ يأمرَ بما وجده فيهما أو في أحدِهما معروفاً، وينهى عما هو فيهما، أو في أحدهما منكراً، وإنْ قال قائلٌ مِن أهل العلم بما يخالف ذلك: فقوله منكرٌ يجب إنكاره عليه أولاً، ثم على العامد به ثانياً، وهذه الشريعة الشريفة التي أمرنا بالأمر بمعروفها، والنهي عن منكرها، هي هذه الموجودة في الكتاب والسنَّة، وأمَّا ما حدث مِن المذاهب فليستْ بشرائعَ مستجدةٍ، ولا هي شرائع ناسخة لما جاء به خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وإنَّما هي بدعٌ ابتُدعت وحوادثُ في الإسلام حدثتْ، فما كان فيها موافقاً للشرع الثابت في الكتاب والسنَّة؛ فقد سبق إليه الكتاب والسنَّة، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنَّة؛ فهو ردٌّ على قائله مضروبٌ به وجهه، كما جاءت بذلك الأدلة الصحيحة التي منها “كُلُّ أَمْرٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ”، فالواجب على مَن علم بهذه الشريعة، ولديه حقيقةٌ مِن معروفها، ومنكرها، أن يأمر بما علِمَه معروفاً، وينهى عما علِمه منكَراً، فالحقُّ لا يتغيَّرُ حكمُه ولا يسقط وجوبُ العملِ به، والأمر يفعله، والإنكار على مَن خالفه بمجرد قول قائلٍ، أو اجتهاد مجتهدٍ، أو ابتداعِ مبتدعٍ، فإن قال تاركُ الواجب أو فاعلُ المنكرِ: “قد قال بهذا فلان”، أو “ذهب إليه فلان”!! أجيب عليه:بأنَّ الله لم يأمرْنا باتِّباع فلانِك، بل قال لنا في كتابه العزيز:{ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر /7]، فإن لم يقنع بهذا حَاكِمْه إلى كتاب الله، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما أمرنا الله سبحانه في كتابه بالردِّ إليهما عند التنازع. أ.ه‍ “السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار” (4/588-589).
قلت: وإن تعجبْ فاعجب لقول المصنف نفسه – في أكثر مِن موطن مِن كتابه -بوجوب إنكار المنكر – وهو مما اختُلف فيه – ولو أدَّى هذا الإنكار لتعرض المنكِر لأصناف الأذى وأنواع الألم – وهو ما لا نقوله نحن! -، فاستمع إليه حين يقول في (ص 469/470): [ قد يفاجأ المعزي بوجود بدع ومنكرات! في المكان الذي تكون في التعزية، كتصوير صورة الميت ، أو تدخين الناس والقارئ يقرأ! وعزف موسيقى حزينة! أو تقديم ضيافة إلى المعزين أو غير ذلك من المنكرات المنهي عنها في الدين. فما هو موقفه منها؟ بل ما هو الواجب الذي يحتمه عليه الإسلام ؟ الواجب عليه: أن يكون جريئا بالحق ناصحاً بالمعروف لا تأخذه في الله لومة لائم… ولا يمنعه هول المناسبة (أي: العزاء) في أن يتكلم الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يمنعه خشية الناس أن ينصح ويقول ويأمر وينهى، فالله سبحانه أحق أن يخشاه].أ.هـ

وفي (ص 742) قال [ وبالنسبة للمشرب، فعليه (أي: المربي) أن يلحظ في الولد الشرب مثنى وثلاث، ونهيه! عن التنفس في الإناء، ونهيه عن الشرب قائما! ].أ.هـ‍

وأقول: لا بدَّ للمسلم الذي يعلم حكمَ الله في المسألةِ أنْ يأمر وينهى، وليس مِن شرطِ مَن يكون أمامه أنْ يعلم أنَّه لا يفعل منكراً، فقد يكون متأوِّلاً أو جاهلاً، أو مقلِّداً، أو صاحب هوى، أو ضعيف نفس، فأن يُترك مثل هؤلاء مِن أجل أنَّ “المنكر الذي يفعلونه مختلف فيه”: فيه إنهاءٌ لهذه الشعيرة العظيمة مِن شعائر الدين التي تهاون بها أكثرُ الناس، والتي فضَّلَنا الله لأجلها على العالمين { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ } [آل عمران/110] ، وقال تعالى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ } [ التوبة /71].

ونقول أيضا: هل هذه المسألة – وهي ” عدم الإنكار في المسائل الخلافية” – مجمعٌ عليها أم فيها خلافٌ بين العلماء؟ فإن كانت الأولى: فنحن مع الإجماع – ولا سبيلَ لهم لإثباته – وإنْ كانت الأخرى: فما بالكم تنكرون علينا إذا أنكرنا في مواضع الاختلاف ؟!
والله أعلم

ثانياً :
أما المسألة الثانية :
فإن المسافر قد رخَّص الله تعالى له بالفطر ، وأوجب عليه – على الصحيح – القصر في الصلاة ، وأبيح له الجمع ، وعليه : فلا إنكار على من أخذ برخصة الله تعالى وصدقته فأفطر أو صلى في بيته دون صلاته في المسجد ، وهذا كله ما لم يستوطن أو يقيم إقامة مطلقة ، وهما الحالتان اللتان ترفع عنه حكم السفر .
والله أعلم

——————————————————————————–
(1) لقوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق/4]، ولحديث سبيعة الأسلمية في “الصحيحين”، وفيه “أنها وضعت بعد أيام من وفاة زوجها، فقال لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ” أَنْكِحِي مَنْ شِئْتِ”،وممن خالف في هذا:علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، حيث ذهبا إلى أنَّ عدتها:أبعد الأجلين.
(2) لقوله تعالى {فإنْ طلقها فلا تحل له من بعدُ حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة/ 230]، ولحديث “الصحيحين” “لا، حتى تذوقي عسيلته – أي:الجماع- ويذوق عسيلتك” وقد قالهصلى الله عليه وسلم لامرأة “رفاعة” لما أرادت أن ترجع له بعد زواجها مِن غيره وقبل دخوله عليها، وممن خالف في هذا: سعيد بن المسيب رحمه الله، حيث ذهب إلى أنَّ مجرد العقد يكفي لحلها لزوجها الأول -ومِن غير قصد التحليل-.
(3) لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل “رواه أحمد بإسناد صحيح، ولقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا جلس بين شُعبها الأربع ثم جَهِدها – أي: جامعها – فقد وجب الغسل وإن لم ينزل” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: عثمان ابن عفان رضي الله عنه حيث قال: إنَّ وجوب الغسل يكون بالإنزال فقط، ووافقه على ذلك بعض أهل الظاهر.
(4) لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث “عبادة بن الصامت”: “الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلا بمثل سواءً بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث أنكر الربا في التفاضل، لقوله صلى الله عليه وسلم “لا ربا إلا في النسيئة” متفق عليه، قلت: وقد ثبت رجوعه عن قوله هذا.
(5) لقول “سبرة” رضي الله عنه”: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: ابن عباس – ويروى عنه رجوعه- وعبد الملك بن جريج من التابعين.
(6) لقوله صلى الله عليه وسلم “كل مسكر خمر، وكل خمر حرام” رواه مسلم، وقالصلى الله عليه وسلم “كل شراب أسكر فهو حرام” متفق عليه، وممن خالف في هذا: الأحناف حيث أباحوا النبيذ -مِن غير العنب – القليل الذي لا يسكر، ولو كان كثيره يُسكر.
(7) لقوله صلى الله عليه وسلم ” لا يُقتل مسلم بكافر ” رواه البخاري، وممن خالف في هذا: الأحناف، حيث أجازوا قتل المسلم بالكافر.
(8) لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: “كنتُ مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في مسير… ثم أهويتُ لأنزع خفيه فقال “دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين” فمسح عليهما، رواه البخاري – مختصراً – ومسلم، وممن خالف في هذا: مالك – في رواية عنه – حيث جوّز المسح على الخفين في السفر دون الحضر.
(9) التطبيق: هو أن يضع المصلي بطن كفه على بطن كفه الأخرى، ثم يضعهما بين ركبتيه عند الركوع، وقد كان هذا أولا ثم نسخ بوضع اليدين على الركبتين، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنه رأى ولَده يفعله فقال له “كنا نفعله فنهينا عنه، وأُمرنا أن نضع أيدينا على الركب” رواه البخاري ومسلم، وممن خالف في هذا: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وبعض أصحابه، حيث ذهبوا إلى “التطبيق”.
(10) لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً” متفق عليه، وممن خالف في هذا: الأحناف، فعندهم لا ترفع الأيدي إلا عند تكبيرة الإحرام.
(11) لحديث جابر رضي الله عنه قال: “قضى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة “رواه البخاري، وفي رواية “ابن ماجه”: “مَن كانت له نخل أو أرض فلا يبيعها حتى يعرضها على شريكه”، وممن خالف في هذا: الأحناف، حيث أثبتوا الشفعة في كل شيء من العقارات، والمنقولات، وجعلوها ثابتة للجار مطلقا، سواء كان له مع جاره شركة في زقاق، أو حوش، أو لم يكن.
(12) لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب “إن شئتَ حبستَ أصلها وتصدقت بها “متفق عليه، وفي رواية “البيهقي” “تصدَّق بثمره وحبِّس أصله، لا يباع ولا يورث”، وممن خالف في هذا: أبو حنيفة حيث لا يرى الوقف لازماً، فأجاز بيعه، ورجوع الواقف فيه.
(13) لحديث عمرو بن حزم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “… وفي كل أصبع مما هنالك عشر (أي: من الإبل) ” رواه النسائي، وصححه شيخنا في “الإرواء ” (7/300)، وممن خالف في هذا: عمر بن الخطاب – وروي عنه رجوعه – ومجاهد بن جبر من التابعين.
(14) لحديث ابن عمر، ” أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قطع في مِجنِّ قيمته ثلاثة دراهم” متفق عليه، وممن خالف في هذا: فقهاء العراق كابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فالقطع عندهم لا يكون في أقل من خمسة دراهم، وعند بعض فقهائهم: عشرة دراهم، وممن خالف في هذا أيضاً: الظاهرية حيث أوجبوا القطع بكل مسروق، دون النظر إلى القيمة.
(15) لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الخاطب: “التَمِس ولو خاتماً من حديد” متفق عليه، وممن خالف في هذا: مالك رحمه الله حيث جعل أقل الصداق: ثلاثة دراهم، وأبو حنيفة، حيث جعله عشرة دراهم.
(16) لقوله صلى الله عليه وسلم لعمَّار بن ياسر رضي الله عنه “إنما كان يكفيك هذا”، وضرب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما، وجهه وكفيه، متفق عليه، وممن خالف في هذا: مالك والشافعي وابن المبارك، حيث قالوا: التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين ‍‍!
(17) لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم “مَن مات وعليه صوم صام عنه وليه” متفق عليه، وممن خالف في هذا: الشافعي حيث قال بالإطعام، ومالك حيث قال: لا صيام ولا إطعام إلا أن يوصي .
(18) لحديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما “أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة” متفق عليه، وممن خالف في هذا: المالكية حيث قالوا: يقطع التلبية إذا زالت الشمس من يوم عرفة.
(19) لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ” كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم” متفق عليه، وممن خالف في هذا: مالك، ورواه عن عمر بن الخطاب.
(20) لحديث ابن مسعود رضي الله عنه “أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خدِّه” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: الأحناف حيث لم يوجبوا السلام في الصلاة، ومالك وطائفة قالوا: إنما يسنُّ تسليمةٌ واحدةٌ.
(21) لقوله صلى الله عليه وسلم “إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا “متفق عليه، وممن خالف في هذا: أبو حنيفة، ومالك، حيث لم يثبتا خيار المجلس.
(22) لقوله صلى الله عليه وسلم “مَن اشترى غنما مصرَّاة فاحتلبها، فإنْ رضيها أمسكها، وإنْ سخطها ففي حلبتها صاعٌ من تمر” متفق عليه، وممن خالف في هذا: الأحناف حيث قالوا: ليست التصرية عيبا، وجعلوا هذا الحديث مخالفاً للأصول! ، والتصرية: ربط ثدي إناث الإبل أوالبقر أوالغنم مدة من الزمن إيهاما بكثرة لبنها.
(23) لحديث عائشة قالت: “… فاستكمل صلى الله عليه وسلم أربع ركعات في أربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف” متفق عليه، وممن خالف في هذا: أبو حنيفة، والكوفيون حيث ذهبوا إلى أنَّها كصلاة العيد والجمعة.
(24) لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، “أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد” رواه مسلم، وممن خالف في هذا: أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وجمهور أهل العراق، والليث بن سعد، حيث قالوا: لا يُقضى باليمين مع الشاهد في شيء.

توضيح حول التفسير بما لم يرد نصه عن السلف

السؤال:

هل يجب عند تفسير ما لم يرد في تفسيره نص التزام ما ورد عن السلف وعدم الزيادة عليه أو الإتيان بأمرٍ جديد ، خاصةً على ضوء المكتشفات الجديدة وهل يصح أن نقول خواطر في التفسير؟

 

الجواب:

الحمد لله

أ. يحسنُ أن يكون الجواب عن هذا السؤال عامّاً ، فيكون عنه وعن غيره مما قد يرد في ذهن القارئ ، فأقول : يجب أن نعرف أن أحسن ما يفسَّر به القرآن – أولاً – : القرآن نفسه ، فما يكون قد جاء مجملاً في آية فبينته آية أخرى ، وما يكون عامّاً في آية فخصصته آية أخرى ، … – وهكذا – : فإنه لا أحسن من تفسير هذا بهذا . ومن لم يجد تفسير ما أراد في القرآن ووجده في السنة : فلا ينبغي أن يقدِّم عليها شيئاً . فإن لم يجد في الكتاب والسنة بغيته في تفسير الآية : فعليه بآثار السلف وعلى رأسهم أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – ومما لا شكَّ فيه أن أقوال الصحابة أقرب إلى الصواب من أقوال من بعدهم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن قال قائل : فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن ؛ فما أُجمل في مكانٍ فإنه قد فُسر في موضع آخر وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر ، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنَّة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ؛ بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن قال الله تعالى: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً } وقال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } وقال تعالى : { وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ” يعني : السنَّة . والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن ؛ لا أنها تتلى كما يتلى وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك . والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه فإن لم تجده فمن السنة … وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها ؛ ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح ؛ لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ، مثل عبد الله بن مسعود … ومنهم الحبر البحر ” عبد الله بن عباس ” ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترجمان القرآن ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له حيث قال : ” اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ” ….

إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين ” كمجاهد بن جبر ” فإنه كان آية في التفسير كما قال محمد بن إسحاق : حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها …

وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وسعيد بن المسيب وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا فيحكيها أقوالا وليس كذلك فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره ومنهم من ينص على الشيء بعينه والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن فليتفطن اللبيب لذلك ، والله الهادي .

وقال شعبة بن الحجاج وغيره : أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير ؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم وهذا صحيح أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك . ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 364 – 371 ) بتصرف .

ب. وأما بالنسبة لأقوال السلف في تفسير الآية : فما اتفق عليه السلف : فلا ينبغي الخروج عنه ، وما اختلفوا فيه : فليس قول واحد حجة دون الآخر .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : فما ثبت عنه من السنة فعلينا اتباعه ؛ سواء قيل إنه في القرآن ؛ ولم نفهمه نحن أو قيل ليس في القرآن ؛ كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان ؛ فعلينا أن نتبعهم فيه ؛ سواء قيل إنه كان منصوصا في السنة ولم يبلغنا ذلك أو قيل إنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة . ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 164  ).

ج. وأما بالنسبة للمكتشفات الجديدة : فإني أقول : لا يمكن لأحدٍ أن يدَّعي أن تفسير آية من كتاب الله ظل غائباً عن القرون السابقة ولم يُعرف إلا هذه الأيام ! لأن في ذلك اتهاماً للرب تعالى أنه يبيِّن للناس ما قاله لهم خبراً أو أمراً أو نهياً ، واتهاماً للقرآن أنه ليس كتاب هداية ولا بياناً للناس ! والصواب في هذا : أن ما يُكتشف من المحدثات – مما لا يخالف ظاهر الكتاب – لا يعدو أن يكون توضيحا لما قاله سلف الأمة أو يكون توكيداً لما سبق بيانه ولكنه على ضوء المخترعات الحديثة وبتفصيل علمي يتناسب مع هذا الزمان .

ومن قطع النظر عن تفسير السلف واخترع قولاً له في تفسير الآية فإنه حتماً سيقع في الخطأ ، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما قاله بعض المعاصرين على قوله تعالى : { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } [ يونس / 92 ] ، فقد نشر بعض الكتَّاب – قريباً – في ” الساحات ” صورة ” فرعون ” واستدلَّ بالآية على ذلك ! و{ ننجيك } من ” النجو ” وهو الارتفاع ، وفرعون جعله الله تعالى آية في طفوه على سطح البحر بعد موته وهي الآية لقيام الساعة في كل ميت يموت ، ولو كان المقصود بقاء جثة فرعون فليس هناك ما يدل على أنها ستبقى إلى قيام الساعة ، بل من الممكن أن تبقى حتى يراها بنو إسرائيل ليتأكدوا من موته . ولو كانت جثة فرعون هي المقصودة وأنها ستبقى إلى قيام الساعة : لسهل على المشركين المطالبة بهذه الآية !! والحال نفسه في سفينة نوح حيث جعلها الله آية في طفوها على سطح البحر . قال تعالى : { وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [ القمر / 15 ] وليس المقصود بترك الآية هنا أنها موجودة بنفسها – كما يزعم الرافضة أنها موجودة في روسيا ! وأنهم وجدوا عليها ” علي ” ” فاطمة ” ” الحسن ” ” الحسين ” !! – بل المقصود بالآية هنا : كونها تطفو – بضخامتها وعظمها – على سطح البحر ، كما قال تعالى : { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } ( يـس / 41 ، 42  (.

هذا بالنسبة للمكتشفات التي لا تخالف الشرع ، أما تلك التي تخالف الشرع ويلوي أصحابها أعناق النصوص لتتوافق مع النظريات والوهميات – ويسمونها هم قطعيات – فهذا لا يجوز التعويل عليه ولا الأخذ به ، بل يجب التحذير منه .

سئلت اللجنة الدائمة:

ما حكم الشرع في التفاسير التي تسمى بـ ” التفاسير العلمية ” ؟ وما مدى مشروعية ربط آيات القرآن ببعض الأمور العلميَّة التجريبيَّة ؟ فقد كثر الجدل حول هذه المسائل؟

فأجابت:

إذا كانت من جنس التفاسير التي تفسِّر قوله تعالى { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ } [ الأنبياء / 30 ] ، بأن الأرض كانت متصلة بالشمس وجزءًا منها ، ومن شدة دوران الشمس انفصلت عنها الأرض ، ثم برد سطحها وبقي جوفها حارّاً ، وصارت من الكواكب التي تدور حول الشمس . إذا كانت التفاسير التي يستدل مؤلفوها بقوله تعالى { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } [ النمل / 88 ] على دوران الأرض ، وذلك أن هذه التفاسير تحرِّف الكلِم عن مواضعه ، وتُخضع القرآن الكريم لما يسمونه نظريات علميَّة ، وإنما هي ظنيَّات أو وهميَّات وخيالات . وهكذا جميع التفاسير التي تعتمد على آراء جديدة ليس لها أصل في الكتاب والسنَّة ولا في كلام سلف الأمَّة ؛ لما فيها من القول على الله بغير علم . الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 180 ، 181  (.

د. وأما بالنسبة للخواطر والفوائد المستنبطة من الآيات فهي من فضل الله يؤتيه من يشاء ، وقد يستنبط طالب العلم ما لا يستنبطه العالم من الفوائد ، وقد يستنبط العالم ما لا يستنبطه عالِم آخر ، وهذا بحسب توفيق الله لكل واحد منهما وما وهبه الله لكل واحد منهما من الأدوات ، لكنهم في كل الأحوال لا يخرجون عن المعنى الصحيح للآية ولا يقولون بما لم يقله الأوائل من معنى الآية ، كما يفعله الباطنية الذين الباطنية يفسرون : { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } أنه علي ، ويفسرون قوله تعالى : { تبت يدا أبي لهب وتب } بأنهما أبو بكر وعمر ، وقوله : { فقاتلوا أئمة الكفر } أنهم طلحة والزبير ، و { والشجرة الملعونة في القرآن } بأنها بنو أمية . وأما باطنية الصوفية فيقولون في قوله تعالى : { اذهب إلى فرعون } إنه القلب ، و { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } إنها النفس ، ويقول أولئك : هي عائشة ويفسرون هم والفلاسفة تكليم موسى بما يفيض عليه من العقل الفعال أو غيره ، ويجعلون ( خلع النعلين ) : ترك الدنيا والآخرة ، ويفسرون ( الشجرة التي كلم منها موسى ) و ( الوادي المقدس ) ونحو ذلك بأحوال تعرض للقلب عند حصول المعارف له .

قال شيخ الإسلام – بعد أن ذكر الأمثلة السابقة – : وهؤلاء المتأخرون – مع ضلالهم وجهلهم – يدعون أنهم أعلم وأعرف من سلف الأمة ومتقدميها . ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 240  (.

وقال: وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام . ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 244  (.

* وقد ذكر شيخ الإسلام – رحمه الله – أقسام مثل هذه الفوائد والإشارات في الآيات، فقال :

– وجماع القول في ذلك أن هذا الباب نوعان :

أحدهما: أن يكون المعنى المذكور باطلا ؛ لكونه مخالفاً لما علم ، فهذا هو في نفسه باطل فلا يكون الدليل عليه إلا باطلا ؛ لأن الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنه حق.

والثاني: ما كان في نفسه حقّاً لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك ، فهذا الذي يسمونه ” إشارات ” و ” حقائق التفسير ” لأبي عبد الرحمن – أي : السلمي – فيه من هذا الباب شيء كثير .

وأما النوع الأول : فيوجد كثيراً في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين للمسلمين في أصول دينهم فإن من علم أن السابقين الأولين قد رضي الله عنهم ورضوا عنه علم أن كل ما يذكرونه على خلاف ذلك فهو باطل ، ومن أقر بوجوب الصلوات الخمس على كل أحد ما دام عقله حاضراً علم أن من تأول نصّاً على سقوط ذلك من بعضهم فقد افترى ، ومن علم أن الخمر والفواحش محرمة على كل أحد ما دام عقله حاضراً علم أن من تأول نصا يقتضي تحليل ذلك لبعض الناس أنه مفتر .

وأما النوع الثاني : فهو الذي يشتبه كثيراً على بعض الناس فإن المعنى يكون صحيحاً لدلالة الكتاب والسنة عليه ، ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دل عليه ، وهذان قسمان :

أحدهما : أن يقال : إن ذلك المعنى مراد باللفظ ، فهذا افتراء على الله ، فمن قال المراد بقوله : { تذبحوا بقرة } هي النفس ، وبقوله { اذهب إلى فرعون } هو القلب، { والذين معه } أبو بكر ، { أشداء على الكفار } عمر ، { رحماء بينهم } عثمان ، { تراهم ركَّعاً سجَّداً } علي : فقد كذب على الله إما متعمِّداً وإما مخطئاً .

والقسم الثاني : أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس ، لا من باب دلالة اللفظ : فهذا من نوع القياس ، فالذي تسمِّيه الفقهاء قياساً هو الذي تسمِّيه الصوفية إشارة ، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك :

فمن سمع قول الله تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون } وقال : إنه اللوح المحفوظ أو المصحف فقال : كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة وهي قلوب المتقين كان هذا معنى صحيحاً واعتباراً صحيحاً ، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف . قال تعالى : { الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } وقال : { هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } وقال : { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } وأمثال ذلك .

وكذلك من قال : ” لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب ” فاعتبر بذلك أن القلب لا يدخله حقائق الإيمان إذا كان فيه ما ينجسه من الكبر والحسد فقد أصاب قال تعالى : { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } ، وقال تعالى : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا } وأمثال ذلك . ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 241 – 243  (.

والله أعلم.

معنى حديث: ( في أكناف بيت المقدس ).

السؤال:

هل ورد في الحديث أن الطائفة المنصورة بأكناف بيت المقدس ، وما صحة الحديث بشأن المهدي وفيه : ” لا خير في الحياة بعده ” ؟

 

الجواب:

الحمد لله

أ. الحديث رواه الإمام أحمد ( 21816 ) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه . ولفظه : ” لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك ، قالوا : يا رسول الله وأين هم ؟ قال : ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ” .

قال الشيخ الألباني:

وهذا سند ضعيف لجهالة عمرو بن عبد الله الحضرمي … ولحديث أبي أمامة شاهد بنحوه رواه الطبراني ( 20 / 317 / 754 ) عن مرة البهزي … ” السلسلة الصحيحة ” ( 4 / ص 599 ، 600  (.

قلت : ونص الحديث عند الطبراني : ” لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين على من ناوأهم وهم كالإناء بين الأكلة حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ، قلنا : يا رسول الله وأين هم ؟ قال : بأكناف بيت المقدس ” .

قلت : والصواب أن حديث الطبراني لا يصلح شاهداً لحديث أبي أمامة ؛ وذلك لأن في الحديث مجاهيل لا يعرف حالهم ، ومثل هذا السند لا يصلح في الشواهد ؛ فقد يكون أحدهم متروكاً أو وضَّاعاً . قال الهيثمي – عن حديث مرة البهزي – : وفيه جماعة لم أعرفهم . ” مجمع الزوائد ” ( 7 / 289 ) . وتعقبُّ شيخنا الألباني على الهيثمي متعقَّب في الجملة . والله أعلم

قلت : لكن ورد أن الطائفة المنصورة في الشام ، وبيت المقدس جزء من الشام ، وهو يغني عن الحديث الضعيف الذي يخصصها في ” بيت المقدس ” .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وإذا كان كذلك : فدين الإسلام بالشام في هذه الأوقات وشرائعه أظهر منه بغيره ، هذا أمر معلوم بالحس والعقل وهو كالمتفق عليه بين المسلمين العقلاء الذين أوتوا العلم والإيمان وقد دلت النصوص على ذلك : مثل ما روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ” وفي سننه أيضا عن عبد الله بن خولة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إنكم ستجندون أجنادا : جندا بالشام وجندا باليمن وجندا بالعراق فقال ابن خولة : يا رسول الله اختر لي فقال : عليك بالشام ؛ فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من خلقه فمن أبى فليلحق بيمنه وليتق من غدره فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله ” ، وكان الخوالي يقول : من تكفل الله به فلا ضيعة عليه ، وهذان نصان في تفضيل الشام ، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة ” قال الإمام أحمد : أهل المغرب هم أهل الشام وهو كما قال ؛ فإن هذه لغة أهل المدينة النبوية في ذاك الزمان كانوا يسمون أهل نجد والعراق أهل المشرق ويسمون أهل الشام أهل المغرب ؛ لأن التغريب والتشريق من الأمور النسبية فكل مكان له غرب وشرق ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك في المدينة النبوية فما تغرب عنها فهو غربة وما تشرق عنها فهو شرقة ، ومن علم حساب البلاد – أطوالها وعروضها – علم أن المعاقل التي بشاطئ الفرات – كالبيرة ونحوها – هي محاذية للمدينة النبوية كما أن ما شرق عنها بنحو من مسافة القصر كحران وما سامتها مثل الرقة وسميساط فإنه محاذ أم القرى مكة – شرفها الله – ولهذا كانت قبلته هو أعدل القبل فما شرق عما حاذى المدينة النبوية فهو شرقها وما يغرب ذلك فهو غربها ، وفي الكتب المعتمد عليها مثل ” مسند أحمد ” وغيره عدة آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأصل : مثل وصفه أهل الشام ” بأنه لا يغلب منافقوهم مؤمنيهم ” ، وقوله ” رأيت كأن عمود الكتاب – وفي رواية – عمود الإسلام أخذ من تحت رأسي فأتبعته نظري فذهب به إلى الشام ” وعمود الكتاب والإسلام ما يعتمد عليه وهم حملته القائمون به ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : ” عقر دار المؤمنين الشام ” ومثل ما في الصحيحين عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة ” ، وفيهما أيضا عن معاذ بن جبل قال : ” وهم بالشام ” وفي تاريخ البخاري قال : ” وهم بدمشق ” وروي : ” وهم بأكناف بيت المقدس ” وفي الصحيحين أيضا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” أنه أخبر أن ملائكة الرحمن مظلة أجنحتها بالشام ” والآثار في هذا المعنى متعاضدة ولكن الجواب – ليس على البديهة – على عجل . ” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 42 – 44  (.

ونلاحظ استعمال شيخ الإسلام للفظة ” روي ” عند ذكر الحديث وهو مما يدل على ضعفها عنده أو على عدم الجزم بصحتها على الأقل ، وإن كان لم يستعمل مثل هذه اللفظة في موضع آخر وهو ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 533 ) . والله أعلم.

 

ب. أما حديث ” لا خير في الحياة بعده ” الوارد في المهدي : فقد رواه الإمام أحمد (10933 ) و ( 11092 ) من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – بلفظ : ” أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض ، يقسم المال صحاحا ، فقال له رجل : ما صحاحا ؟ قال : بالسوية بين الناس ، قال : ويملأ الله قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم غنى ويسعهم عدله حتى يأمر مناديا فينادي فيقول : من له في مال حاجة ؟ فما يقوم من الناس إلا رجل فيقول : ائت السدان – يعني : الخازن – فقل له : إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا ، فيقول له : احث ، حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم فيقول : كنت أجشع أمة محمد نفساً أو عجز عني ما وسعهم ، قال : فيرده فلا يقبل منه ، فيقال له : إنا لا نأخذ شيئا أعطيناه فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين ، ثم لا خير في العيش بعده – أو قال : ثم لا خير في الحياة بعده – . وفيه العلاء بن بشير المزني ، قال علي بن المديني : مجهول ، كما في ” ميزان الاعتدال ” ( 5 / 120 ) . وضعفه شعيب الأرناؤط في ” مسند أحمد ” ( 17 / 427  (.

 

والله أعلم.

هل المقصود الرؤية البصرية في حديث: ” من رأى منكم منكرا “؟

السؤال:

لقد دار بيني وبين أحد الاخوة حوار حول الحديث وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

” من رأى منكم منكراً فلغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان.

وقال لي لماذا خُص حاسة البصر في قوله ” من رأى ” مع العلم بأنه يُعرف المنكر بأي حاسه أخرى مثل السمع والشم وغيرها.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أخي الفاضل.

المعنى واضح وهو: من علم.

وليس المراد الرؤية البصرية حصراً بل هي أحد أفراد الرؤية
وهذا ما ذكره المباركفوري وعبد العظيم آبادي في شرحيهما للترمذي وأبي داود.

والله الموفق.

من فوائد الرحلة … قصة مؤثرة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فمنذ أكثر من ( 18 ) عاماً مضت جاءني أحد إخواني وأنا في ” عمَّان ” – الأردن – وأخبرني أنه جاء للتوِّ من صلاة التراويح ، وكان إمامهم الشيخ عبد الله عزام رحمه الله .
ومما أخبرني الأخ الفاضل أنه في تلك الصلاة كان يصلي خلف الشيخ أناس كثر .

ومما أخبرني أنه حدث شيء جميل محرج في آن واحد :
جميل للشيخ
محرج لكل من كان موجوداً باستثناء أولاد الشيخ
وهذا الشيء هو أن الذي كان يردُّ الشيخ عبد الله عزام إذا أخطأ في القراءة : أولاده الصغار !!!
بينما نحن الكبار – والكلام لمحدِّثي – لا نستطيع الرد لأننا لا نحفظ ما يقرؤه الشيخ !!
فكان هذا الأمر جميلاً للشيخ محرجاً لغيره !!

وأُعجبت أيما إعجاب بمثل هذا الموقف المشرف في تربية الأولاد على كتاب الله تعالى حفظاً وفهماً وعملاً به إن شاء الله – .
وتمنيتُ أشد الأمنية أن أكون أنا الإمام وأنَّ أولادي الصغار هم الذين يردونني إذا أخطأت في القراءة .
وكل هذا من باب قوله تعالى { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون }
ومن باب قوله صلى الله عليه وسلم : ” لا حسد إلا على اثنتين رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل ، ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار ” . – متفق عليه – .

وأخبرتُ بعض المحبين بهذه الأمنية ، وأن المدارس لا تعلم ولا تربي كما يريد منا شرعنا الحنيف .
فعزمتُ على أن أحاول قدر جهدي – وأنا ذلك الشاب الأعزب – أن أحفِّظ أولادي كتاب الله تعالى ، وأن يكون ذلك هو همي الأكبر .

وتزوجتُ وكان أن رزقني الله أولاداً ، فبدأتُ معهم بما كنتُ نويته أيام شبابي ، بعد سماعي قصة الشيخ عبد الله عزام وأولاده .

وسلكت معهم طريقة سلفنا الصالح في التأديب والتعليم ، وكان الأمر شاقّاً وصعباً لصغر سنهم وقلة ذات اليد ، وبعد المسافات بينهم وبين شيخهم .

وكان يستلزم ذلك أن يبيتوا عند الشيخ في بيته الذي يبعد عنا أكثر من ( 50 ) كيلو ، وكانوا يغيبون عنا ( 5 ) أيام ! ولا يعلم أحدٌ ما يحدث في قلبي وأنا أركبهم الباص وأودعهم إلا الله تعالى .

فتعلموا الذهاب وحدهم إلى أماكن بعيدة – على صغر سنهم – وتعلموا مجالسة الرجال والشباب ، وتعرفوا على مجموعة أكثر مما أعرفهم !

ولهم في تلك الفترة حكايات مع الناس جميلة لعلي أنشط لذكرها ففيها عبرة وعظة وطرفة .
وشيخهم من حفظة كتاب الله ومن طلبة العلم .
وبعد ثلاث سنوات كان الأول – وهو طارق – والثاني – وهو داود – من حفظة كتاب الله تعالى كاملاً !!
وهذا من فضل الله تعالى ، ومع أن الثاني قد دخل بعد الأول بفترة بعيدة ، وهو أصغر منه بأكثر من سنة وثلاثة أشهر ، لا أنهما أتماه سويّاً .

وعند الحفظ كان قد مضى من عمر الأول : ( 8 ) سنوات ونصف تقريباً ، والثاني : حوالي ( 7 ) سنوات – وقال لي شيخهم : لعله أصغر حافظ للقرآن في هذا البلد – .

ثم بدأوا بحفظ ” عمدة الأحكام ” فحفظوها كاملة عن ظهر قلب ، فـ ” البيقونية ” و ” الطحاوية ” و ” الآجرومية ” .
والآن يحفظون في ” رياض الصالحين ” وقد انتهوا من حوالي ( 250 ) حديثاً ، ولله الحمد .
وأمس صليتُ بالناس التراويح ! وقد أخطأتُ في موضعين ، وكان الذي يرد عليَّ خطئي هم أولادي !!!!
فرجعت بي الذاكرة إلى الوراء أكثر من ( 18 ) عاماً ، فحمدتُ الله أن وفقني لهذا ، وأسأله سبحانه المزيد من فضله .

وأخيراً :
فمن كان مع الله فلا يبالي ، ومن صدق مع الله صدّقه ، ومسافة الألف ميل تبدأ بخطوة ، واستعن بالله ولا تعجز .
فأحببتُ ذكر هذه الخاطرة لإخواني ، عسى :
أن تشجع ” العزابية ” للزواج .
والمتزوجين للإنجاب
والمنجبين لتحفيظ أولادهم كتاب الله منذ الصغر
والله الهادي لسواء السبيل

فوائد من السير 2

أيهما أفضل العلم أم النافلة
قال الذهبي رحمه الله :
قال أبو أسامة :
سمعت مِسْعَراً يقول : إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله ، وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ؟ !
قلت :
هذه مسألة مختلف فيها ، هل طلب العلم أفضل أو صلاة النافلة والتلاوة والذكر ؟
فأما من كان مخلصا لله في طلب العلم وذهنه جيد : فالعلم أولى ، ولكن مع حظٍّ مِن صلاةٍ وتعبدٍ .
فإن رأيته مجداً في طلب العلم لاحظ له في القربات : فهذا كسلان مَهين ، وليس هو بصادق في حسن نيته .
وأما من كان طلبه الحديث والفقه غيَّةً ومحبَّةً نفسانية : فالعبادة في حقه أفضل ، بل ما بينهما أفعل تفضيل !
وهذا تقسيم في الجملة .

فقلَّ – والله – مَن رأيتُه مخلصاً في طلب العلم . دعنا من هذا كله ؛ فليس طلب الحديث اليوم على الوضع المتعارف من حيز طلب العلم بل اصطلاح ، وطلب أسانيد عالية ، وأخذٍ عن شيخ لا يعي ! وتسميعٍ لطفلٍ يلعب ، ولا يفهم ، أو لرضيعٍ يبكي ، أو لفقيهٍ يتحدث مع حدَث ، أو آخر ينسخ ، وفاضلهم مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء ، أو بالنعاس !

والقارئ إن كان له مشاركة فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء سواء تصحف عليه الاسم أو اختبط المتن أو كان من الموضوعات فالعلم عن هؤلاء بمعزل ، والعمل لا أكاد أراه ، بل أرى أموراً سيئةً . نسأل الله العفو .
” سير أعلام النبلاء ” 7 / 167

شجاعة ابن النابلسي
قال الذهبي في ترجمة أبي بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي ويعرف بابن النابلسي :
قال أبو ذر الحافظ : سجنه ” بنو عبيد ” وصلبوه على السنَّة
سمعت الدارقطني يذكره ويبكي ويقول : كان يقول وهو يُسلخ { كان ذلك في الكتاب مسطوراً } ( الإسراء 58 ) .
قال أبو الفرج ابن الجوزي : أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي وكان ينزل الأكواخ فقال له : بلغنا أنك قلت : إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة ؟
قال : ما قلت هذا !
بل قلت : إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرميكم بتسعه ، وأن يرمي العاشر فيكم أيضا !!
فإنكم غيرتم الملة وقتلتم الصالحين وادعيتم نور الإلهية
فشهره ، ثم ضربه ، ثم أمر يهوديا فسلخه !!!
قلت ( القائل الذهبي ) : لا يوصف ما قلب هؤلاء العبيدية الدين ظهراً لبطن واستولوا على المغرب ثم على مصر والشام وسبوا الصحابة .
” سير أعلام النبلاء ” 16 / 148 ، 149

فضالة بن عبيد
قال الذهبي في ترجمة ” فضالة بن عبيد ” – قاضي دمشق – :
وقعت من رجل مائة دينار ، فنادى : مَن وجدها فله عشرون ديناراً
فأقبل الذي وجدها
فقال : هذا مالك فأعطني الذي جعلتَ لي
فقال : كان مالي عشرين ومائة دينار !!
فاختصما إلى فضالة
فقال لصاحب المال : أليس كان مالُك مائة وعشرين ديناراً كما تذكر
قال : بلى
وقال للآخر : أنتَ وجدتَ مائة
قال : نعم
قال : فاحبسها ولا تعطه ، فليس هو بماله حتى يجيء صاحبه !

(خشية )
وعن فضالة قال : لأَن أعلم أنَّ الله تقبَّل مني مثقال حبة أحب إلي من الدنيا وما فيها لأنه تعالى يقول
{ إنما يتقبل الله من المتقين }

( وصية )
عن ابن محيريز – سمع فضالة بن عبيد – وقلت له : أوصني
قال : خصال ينفعك الله بهن :
إن استطعت أن تَعرف ولا تُعرف فافعل
وإن استطعت أن تَسمع ولا تكلَّم فافعل
وإن استطعت أن تَجلس ولا يُجلس إليك فافعل

( حكمة )
عن فضالة بن عبيد قال : ثلاثٌ مِن الفواقر :
إمامٌ إن أحسنتَ لم يَشكر ، وإن أسأتَ لم يَغفر
وجارٌ إن رأى حسنةً دفنها ، وإن رأى سيئةً أفشاها
وزوجةٌ إن حضرتَ آذتْكَ ، وإن غبتَ خانتْكَ في نفسها وفي مالِكَ .
” سير أعلام النبلاء ” ( 3 / 116 ، 117 )

ابن عمر وإسبال الإزار
قال الذهبي رحمه الله :
عن قزعة قال : رأيت على ابن عمر ثياباً خشنة – أو جشبة – فقلت له : إني قد أتيتك بثوب ليِّن مما يصنع بخراسان ، وتقر عيناي أن أراه عليك .
قال : أرنيه
فلمسه
وقال : أحرير هذا ؟
قلت : لا ، إنه من قطن
قال : إني أخاف أن ألبسه ، أخاف أكون مختالاً فخوراً !! والله لا يحب كلَّ مختالٍ فخورٍ.
قلت – الذهبي – :
كلُّ لباسٍ أوجد في المرء خيلاء وفخراً : فتركه متعين ، ولو كان من غير ذهبٍ ولا حريرٍ فإنا نرى الشاب يلبس الفرجية ( ثوب واسع الأكمام ) الصوف بفرو من أثمان أربع مائة درهم ونحوها ، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر ، فإن نصحتَه ولمتَه برفقٍ : كابر ، وقال : ما فيَّ خيلاء ولا فخر !!!
وهذا السيد ابن عمر يخاف ذلك على نفسه !!
وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليمَ في تفصيل فرجية تحت كعبيه ! وقيل له : قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ” ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار ” يقول : إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء !! وأنا لا أفعل خيلاء !!
فتراه يكابر ويبرئ نفسه الحمقاء ! ويعمد إلى نصٍّ مستقلٍّ عامٍّ فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء .
ويترخص بقول الصدِّيق ” إنَّه يا رسول الله يسترخي إزاري ، فقال : لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء ”
فقلنا : أبو بكر رضي الله عنه لم يكن يشد إزاره مسدولاً على كعبيه أولاً !
بل كان يشده فوق الكعب ثم فيما بعد يسترخي ، وقد قال عليه السلام ” إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين ” .
ومثل هذا في النهي لمن فصَّل سراويل مغطيًّا لكعابه ومنه طول الأكمام زائداً وتطويل العذبة
وكل هذا مِن خيلاء كامنٍ في النفوس ، وقد يعذر الواحد منهم بالجهل ، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجهلة !
……….. فرضي الله عن ابن عمر وأبيه
وأين مثل ابن عمر في دينه وورعه وعلمه وتألهه وخوفه ؟
مِن رجلٍ تُعرض عليه الخلافة فيأباها
والقضاء مِن مثل عثمان فيرده
ونيابة الشام لعلي فيهرب منه
فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب .
” سير أعلام النبلاء ” ( 3 / 233 – 235 )

فوائد من السير 3

وقفة مع آية
قال الإمام الذهبي :
ومن كلام محمد بن نصر قال :
لما كانت المعاصي بعضها كفراً ، وبعضها ليس بكفر : فرَّق تعالى بينها فجعلها ثلاثة أنواع :
فنوع منها كفر
ونوع منها فسوق
ونوع منها عصيان ، ليس بكفر ، ولا فسوق

وأخبر أنه كرَّهها كلَّها إلى المؤمنين
ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان ، وليس فيها شيءٌ خارجٌ عنه : لم يفرق بينها
فما قال ” حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات ” ! بل أجمل ذلك فقال :{ حبب إليكم الإيمان }
فدخل فيه جميع الطاعات ؛ لأنه قد حبب إليهم الصلاة ، والزكاة ، وسائر الطاعات حب تديُّن ويكرهون المعاصي كراهية تديُّنٍ ومنه قوله عليه السلام : ” من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ” .
” سير أعلام النبلاء ” ( 14 / 35 )
علمه :
قال أبو محمد بن حزم في بعض تواليفه :
أعلم الناس مَن كان أجمعهم للسنن ، وأضبطهم لها ، وأذكرهم لمعانيها ، وأدراهم بصحتها ، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه .
قال :
وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها في محمد بن نصر المروزي !
فلو قال قائل ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث ، ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر لما أبعد عن الصدق !
قلت :
هذه السعة والإحاطة ما ادَّعاها ابن حزم لابن نصر إلا بعد إمعان النظر في جماعة تصانيف لابن نصر ويمكن ادعاء ذلك لمثل أحمد بن حنبل ونظرائه والله أعلم . ( 15 / 40 )
خشوعه
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم :
ما رأيتُ أحسن صلاةً مِن محمد بن نصر ، كان الذباب يقع على أذنه فيسيل الدم ولا يذبه عن نفسه ولقد كنا نتعجب مِن حسن صلاته وخشوعه وهيئته للصلاة ، كان يضع ذقنه على صدره فينتصب كأنه خشبة منصوبة !
قال :
وكان من أحسن الناس خَلْقاً كأنما فقئ في وجهه حب الرمان ، وعلى خديه كالورد ، ولحيته بيضاء.
( 15 / 36 )
توفي 294 هـ

كم مضى من عمرك
قال الإمام الذهبي في ترجمة هشام بن عمرو :
أبو محمد الفوطي المعتزلي الكوفي مولى بني شيبان صاحب ذكاء وجدال وبدعة ووبال
قال المبرد : قال رجل لهشام الفوطي : كم تعد من السنين ؟
قال : من واحدٍ إلى أكثر من ألف !
قال : لم أُرد هذا .
كم لك مِن السنِّ ؟
قال : اثنان وثلاثون سنًّا !
قال : كم لك مِن السنين ؟
قال : ما هي لي كلها لله !
قال : فما سنُّك ؟
قال : عَظْم !
قال : فابن كم أنت ؟
قال : ابن أم وأب !
قال : فكم أتى عليك ؟
قال : لو أتى عليَّ شيءٌ لقتلني !
قال : ويحك فكيف أقول ؟
قال : قل : كم مضى مِن عمرك ؟

( قال الذهبي ) :
قلت : هذا غاية ما عند هؤلاء المتقعرين مِن العلم ، عبارات وشقاشق لا يعبأ الله بها يحرفون بها الكلم عن مواضعه قديماً وحديثاً فنعوذ بالله مِن الكلام وأهله .
” سير أعلام النبلاء ” ( 10 / 547 ) .

أهل البدعة
قال الإمام الذهبي رحمه الله :
عن أيوب قال : قال أبو قلابة :
لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تحادثوهم ؛ فإني لا آمَنُ أن يغمروكم في ضلالتهم ، أو يَلْبِسوا عليكم ما كنتم تعرفون !
وعن أيوب عن أبي قلابة قال :
إذا حدَّثْتَ الرجلَ بالسنَّة ، فقال : دعنا مِن هذا ، وهات كتاب الله : فاعلم أنَّه ضال !!

قلت أنا :
وإذا رأيتَ المتكلم المبتدعَ يقول : دعنا مِن الكتاب ، والأحاديث الآحاد ! وهات العقل ! فاعلم : أنه أبو جهل !
وإذا رأيتَ السالك التوحيدي يقول : دعنا مِن النَّقل ، ومِن العقل ، وهاتِ الذوق والوجد ، فاعلم : أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر ، أو قد حلَّ فيه !!
فإن جبُنتَ منه فاهرب ، وإلا فاصرعه ، وابرك على صدره ، واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه !!
” سير أعلام النبلاء ” ( 4 / 472 )

فوائد من السير 4

زنديق يرد حديثاً فكيف أحاديث
قال الذهبي رحمه الله :
وعن خرزاذ العابد قال حدث أبو معاوية الرشيدَ بحديث ” احتج آدم وموسى ”
فقال رجل شريف : فأين لقيه ؟!
فغضب الرشيد
وقال :النطع والسيف !! زنديق يطعن في الحديث !!
فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول : بادرة منه يا أمير المؤمنين حتى سكن .
” سير أعلام النبلاء ” ( 9 / 288 ) .

قلت : ترى كم يوجد ممن يرد الحديث ويسخر منه من العامة والخاصة ؟ !
وإذا كان العامة يعذرون بجهلهم ، فإن الخاصة لهم من ” الزنديق ” أوفر نصيب !

كلام الأقران
قال الإمام الذهبي رحمه الله :
قلت : كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية : لا يُلتفت إليه ، بل يطوى ولا يروى كما تقرر عن الكف عن كثيرٍ مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين .

وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف ، وبعضه كذب ، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا ، فينبغي طيه وإخفاؤه ، بل إعدامه لتصفو القلوب ، وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم ، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء ، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى حيث يقول { والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا } .

فالقوم لهم سوابق ، وأعمال مكفرة لما وقع منهم ، وجهاد محَّاء ، وعبادة ممحِّصة ، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم ، ولا ندعي فيهم العصمة ، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض ، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة ، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة وحمزة وجعفر …… وسائر الصحابيات .

فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم مِن ذلك : فلا نعرج عليه ، ولا كرامة : فأكثره باطل وكذب ، وافتراء ، فدأب الروافض رواية الأباطيل أو رد ما في الصحاح والمسانيد ومتى إفاقة مَن به سَكَران ؟

ثم قد تكلم خلق مِن التابعين بعضهم في بعض ، وتحاربوا ، وجرت أمور لا يمكن شرحها فلا فائدة في بثها ، ووقع في كتب التواريخ ، وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة والعاقل خصْمُ نفسه ، و” مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ” ، ولحوم العلماء مسمومة .

وما نُقل مِن ذلك لتبيين غلط العالم ، وكثرة وهمه ، أو نقص حفظه : فليس مِن هذا النمط ، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن والحسن من الضعيف .

وإمامنا ( أي : الإمام أحمد ) : فبحمد الله ثبت في الحديث ، حافظ لما وعى ، عديم الغلط ، موصوف بالإتقان ، متين الديانة ، فمن نال منه بجهل وهوى ممن علم أنه منافس له : فقد ظلم نفسه ، ومقتته العلماء ، ولاح لكل حافظ تحامله ، وجرَّ الناسُ برِجله ، ومن أثنى عليه ، واعترف بإمامته وإتقانه – وهم أهل العقد والحل قديماً وحديثاً – : فقد أصابوا وأجملوا وهدوا ووفقوا .

وأما أئمتنا اليوم وحكامنا : فإذا أعدموا ما وُجد مِن قدحٍ بهوى : فقد يقال ” أحْسنوا ووفِّقوا ” ، وطاعتهم في ذلك مفترضة لما قد رأوه مِن حسم مادة الباطل والشر .

وبكل حال : فالجهَّال والضلاَّل قد تكلموا في خيار الصحابة .
وفي الحديث الثابت ” لا أحدَ أصبرُ على أذى يسمعه مِن الله إنهم ليدعون له ولداً وإنَّه ليرزقهم ويعافيهم ” .
وقد كنت وقفت على بعض كلام المغاربة في الإمام رحمه الله فكانت فائدتي من ذلك تضعيف حال مَن تعرض إلى الإمام ، ولله الحمد .
” سير أعلام النبلاء ” ( 10 / 92 – 94 ) .

أثر الخوارج
قال الذهبي :
ولا ريب أن أول وهن على الأمة قتل خليفتها عثمان صبراً فهاجت الفتنة وجرت وقعة الجمل بسببها ثم وقعة صفين وجرت سيول الدماء في ذلك .

ثم خرجت الخوارج !! وكفَّرت عثمان وعليّاً وحاربوا ودامت حتى قلعوا دولة بني أمية وقامت الدولة الهاشمية بعد قتل أمم لا يحصيهم إلا الله .

ثم اقتتل المنصور وعمه عبد الله ثم خذل عبد الله وقُتل أبو مسلم صاحب الدعوة ثم خرج ابنا حسن وكادا أن يتملكا فقتلا .

ثم كان حرب كبير بين الأمين والمأمون إلى أن قتل الأمين .
وفي أثناء ذلك قام غير واحدٍ يطلب الإمامة :
فظهر بعد المائتين بابك الخرمي زنديق بأذربيجان وكان يُضرب بفرط شجاعته الأمثال فأخذ عدة مدائن وهزم الجيوش إلى أن اسر بحيلة وقتل .

ولما قتل المتوكل غيلة ثم قتل المعتز ثم المستعين والمهتدي وضعف شأن الخلافة : توثب ابنا الصفار إلى أن أخذا خراسان بعد أن كانا يعملان في النحاس وأقبلا لأخذ العراق وقلع المعتمد .

وتوثب طرقي داهية بالزنج على البصرة وأباد العباد ومزق الجيوش وحاربوه بضع عشرة سنة إلى أن قتل وكان مارقا بلغ جنده مائة ألف .

فبقي يتشبه بهؤلاء كل من في رأسه رئاسة ويتحيل على الأمة ليرديهم في دينهم ودنياهم !!!!!

فتحرك بقوى الكوفة رجل أظهر التعبد والتزهد وكان يسف الخوص ويؤثر ويدعو إلى إمام أهل البيت فتلفق له خلق وتألهوه .

إلى سنة ست وثمانين فظهر بالبحرين أبو سعيد الجنابي وكان قماحا فصار معه عسكر كبير ونهبوا وفعلوا القبائح وتزندقوا وذهب الأخوان يدعوان إلى المهدي بالمغرب فثار معهما البربر إلى أن ملك عبد الله الملقب بالمهدي غالب المغرب وأظهر الرفض وأبطن الزندقة وقام …
” سير أعلام النبلاء ” 13 / 468 – 470

قلت : أعيد الشاهد من نقل كلام الذهبي :
(وجرت سيول الدماء في ذلك ) !!!

( فبقي يتشبه بهؤلاء كل من في رأسه رئاسة ويتحيل على الأمة ليرديهم في دينهم ودنياهم ) !!!

ساعة الإجابة يوم الجمعة

ساعة الإجابة يوم الجمعة

 

– الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

  1. بالنسبة لساعة الجمعة إليك هذا المبحث ، أسأل الله أن ينفع به :

تحديد هذه الساعة في وقت معين ، اختلف العلماء فيها على أقوال كثيرة ، قد ذكر ابن حجر منها أربعين رأياً في ” فتح الباري ” .

* ومن هذه الأقوال ما ذهب إليه بعض العلماء إلى أن هذه الساعة لم تحدد :

وقد قال القرطبي:

… كما خبأ ليلة القدر في رمضان وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم الخفيات … . ” تفسير القرطبي ” 3 / 212.

وقال الحافظ:

… وقال ابن المنير في الحاشية : إذاً علم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة ولليلة القدر بعث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء ، ولو بين لاتكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها . ” فتح الباري ” 2 / 422 .

* وأرجح الأقوال في تحديدها عند محققي العلماء قولان – وأحدهما أرجح من الآخر:

الأول : أنها تكون بعد صعود الإمام إلى المنبر وجلوسه حتى ينصرف من الصلاة .
والقول الثاني : من بعد العصر إلى مغيب الشمس .

قال ابن القيم رحمه الله:

– وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر:

الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة.

وحجة هذا القول : ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة بن أبي موسى أن عبد الله ابن عمر قال له : أسمعت أباك يحدث عن رسول الله في شأن ساعة الجمعة شيئاً ؟ قال : نعم، سمعته يقول : سمعت رسول الله يقول : هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ” . وروى ابن ماجة والترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني عن النبي قال : ” إن في الجمعة ساعة لا يسأل اللهَ العبدُ فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه ، قالوا : يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال : حين تقام الصلاة إلى الإنصراف منها.

والقول الثاني:  أنها بعد العصر .

وهذا أرجح القولين وهو قول عبد الله بن سلام وأبي هريرة والإمام أحمد وخلق. وحجة هذا القول: ما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي قال : ” إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه ، وهي بعد العصر ” ، وروى أبو داود والنسائي عن جابر عن النبي قال : ” يوم الجمعة اثنا عشر ساعة فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر ” … ” زاد المعاد ” 1 / 389 – 391 .

وقال رحمه الله:

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الساعة التي تذكر يوم الجمعة : ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس . وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحداً حتى تغرب الشمس . وهذا هو قول أكثر السلف ، وعليه أكثر الأحاديث ، ويليه : القول بأنها ساعة الصلاة ، وبقية الأقوال لا دليل عليها .

وعندي : أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضاً ، فكلاهما ساعة إجابة ، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر ، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر ، وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت ؛ لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيراً في الإجابة ، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة.

وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها ، ويكون النبي قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين . ” زاد المعاد ” 1 / 394.

وقال الحافظ ابن حجر – بعد ذكره الأقوال التي ذكرت في تحديد ساعة الاستجابة -:

… فهذا جميع ما اتصل إليَّ من الأقوال في ساعة الجمعة ، مع ذكر أدلتها ، وبيان حالها في الصحة والضعف والرفع والوقف ، والإشارة إلى مأخذ بعضها ، وليست كلها متغايرة من كل جهة ، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره … ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى وحديث عبد الله بن سلام كما تقدم ، قال المحب الطبري : أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى ، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام .ا.هـ ، وما عداهما إما موافق لهما ، أو لأحدهما ، أو ضعيف الإسناد ، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف ، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه صلى الله عليه وسلم أنسيها بعد أن علمها لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبل أن أنسي أشار إلى ذلك البيهقي وغيره.

وقد اختلف السلف في أيهما أرجح فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري أن مسلما قال : حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه ، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة ، وقال القرطبي : هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره ، وقال النووي : هو الصحيح بل الصواب ، وجزم في ” الروضة ” بأنه الصواب ورجحه أيضا بكونه مرفوعاً صريحاً وفي أحد الصحيحين . وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام ، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال : أكثر الأحاديث على ذلك ، وقال ابن عبد البر : أنه أثبت شيء في هذا الباب ، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن : أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة ، ورجَّحه كثير من الأئمة أيضا كأحمد وإسحاق ، ومن المالكية الطرطوشي ، وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني – شيخ الشافعية في وقته – كان يختاره ويحكيه عن نص الشافعي . ” فتح الباري ” 2 / 421.

وفي غير ما سبق من الأحاديث ما يؤيد أنها بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس . عن أنس بن مالك : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس ” .

رواه الترمذي 489 .والحديث : صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الترمذي 406 .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط منها وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي فيسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه إياه . قال أبو هريرة : فلقيت عبد الله بن سلام فذكرت له هذا الحديث . فقال : أنا أعلم بتلك الساعة .فقلت : أخبرني بها ولا تضنن بها علي . قال : هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس فقلت كيف تكون بعد العصر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي ” ، وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله ابن سلام أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة ؟ قلت : بلى . قال : فهو ذاك.

والحديث: صححه الإمام الترمذي والشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي ” 407 .
– ومعنى قوله ” أخبرني بها ولا تضنن بها عليَّ ” : أي : لا تبخل بها علي .

قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:

هذا هو الوقت الذي رغَّب الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء في يوم الجمعة ، ولكن هذا لا يعني أن المسلم لا يدعو ربه في يوم الجمعة إلا بهذا ، بل يسن الدعاء في كل يوم وساعة وفي يوم الجمعة غير أن الساعة المذكورة من يوم الجمعة له خصيصة .

 

والله أعلم.

 

 

ما حكم قضاء السنن الراتبة والنوافل بعد خروج الوقت؟

ما حكم قضاء السنن الراتبة والنوافل بعد خروج الوقت؟

السؤال:

ما حكم قضاء السنن الراتبة والنوافل بعد خروج الوقت؟

الجواب

الحمد لله

– تصلى الراتبة بعد خروج الوقت إن كان تركها عن غير عمد ودليل ذلك :

  1. حديث قيس بن قهد في السنن وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين بعد الفجر فسأل عنهما فقيل : أنهما سنة الفجر ، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم .
  2. حديث أم سلمة في البخاري : ” أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الظهر البعدية بد صلاة العصر ، لانشغاله بوفد عبد القيس.

* أما بالنسبة للنوافل:

– لا تصلى السنن النوافل بعد خروج وقتها وانقضاء محلها ففي سنة العصر (النافلة) رتب الأجر على أن تكون قبل العصر ، فمن أداها في غير محلها لم ينفع…

– وفي تحية المسجد الركعتان غير مقصودتين لذاتهما ، وإنما المراد أداء أي صلاة قبل الجلوس…

– وفي نافلة المغرب حديث عام وخاص:

 أما العام : ” بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة لمن شاء ” متفق عليه .

– وأما الخاص : ” صلوا قبل المغرب ، صلوا قبل المغرب ، ثم قال : لمن شاء ” رواه البخاري .. فإذا صلى الإنسان الجماعة مع الناس مثلاً فات المحل وانقضى الزمان ..

– ولم يعرف – على حد علمي – سنة ولا أثر أن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين كانوا يصلون النوافل بعد انقضاء محلها إلا صلاة الوتر فإنها تصلى بعد خروج وقتها بغير العمد شفعاً ..

 

والله أعلم.