قال شيخ الإسلام رحمه الله: التوبة نوعان واجبة ومستحبة فالواجبة هي التوبة من ترك مأمور أو فعل محظور وهذه واجبة على جميع المكلفين كما أمرهم الله بذلك في كتابه وعلى ألسنة رسله. والمستحبة هي التوبة من ترك المستحبات وفعل المكروهات.
فمن اقتصر على التوبة الأولى كان من الأبرار المقتصدين، ومن تاب التوبتين كان من السابقين المقربين، ومن لم يأت بالأولى كان من الظالمين إما الكافرين وإما الفاسقين قال الله تعالى {وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم } سورة الواقعة 7 12 ، وقال تعالى{ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنـزل من حميم وتصلية جحيم}سورة الواقعة 88 -94، وقال تعالى{فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}سورة فاطر 32، وقال تعالى {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} سورة الإنسان 3-6، وقال{كلا إن كتاب الفجار لفي سجين – إلى قوله – كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون -إلى قوله- ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون } سورة المطففين 7- 28 . قال ابن عباس: تمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشرب بها المقربون صرفا .
والتوبة رجوعٌ عما تاب منه إلى ما تاب إليه. فالتوبة المشروعة هي الرجوع إلى الله وإلى فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وليست التوبة من فعل السيئات فقط كما يظن كثير من الجهال لا يتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من القبائح كالفواحش والمظالم ،بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من التوبة من فعل السيئات المنهي عنها، فأكثر الخلق يتركون كثيرا مما أمرهم الله به من أقوال القلوب وأعمالها وأقوال البدن وأعماله وقد لا يعلمون أن ذلك مما أمروا به أو يعلمون الحق ولا يتبعونه فيكونون إما ضالين بعدم العلم النافع وإما مغضوبا عليهم بمعاندة الحق بعد معرفته.
وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يدعوه في كل صلاة بقوله {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ولهذا نزه الله نبيه عن هذين فقال تعالى{والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما عند عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} سورة النجم 1- 4 . فالضال الذي لا يعلم الحق بل يظن أنه على الحق وهو جاهل به كما عليه النصارى قال تعالى{ ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} سورة المائدة 77 . والغاوي الذي يتبع هواه وشهواته مع علمه بأن ذلك خلاف الحق كما عليه اليهود قال تعالى{ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } سورة الأعراف 146، وقال تعالى {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} .. الآية سورة الأعراف 175- 176 .
قال رحمه الله: والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب:
أن يتوب فيتوب الله عليه فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
أو يستغفر فيغفر له.
أو يعمل حسنات تمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات.
أو يدعو له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له حيا وميتا.
أو يهدون له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.
أو يشفع فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
أو يبتليه الله تعالى في الدنيا بمصائب تكفر عنه.
أو يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه.
أو يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه.
أو يرحمه أرحم الراحمين فمَن أخطأته هذه العشرة فلا يلومن إلا نفسه كما قال تعالى فيما يروي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم “يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”.
ما هو تفسير الآيتين 5 و6 من سورة الطارق، قال تعالى: “… خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب”؟
الجواب:
الحمد لله
هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى فيها خلق الإنسان، ويبين لنا أنه خُلق من ماء الرجل والمرأة، وأن ماء الرجل يخرج من ظهره، وماء المرأة يخرج من صدرها أو ما بين ثدييها.
هذا هو مجمل معنى الآية، وإليك أقوال المفسرين وترجيحهم:
قال الشافعي:
والماء الدافق الثخين الذي يكون منه الولد والرائحة التي تشبه رائحة الطلع.
” الأم ” ( 1 / 53 ).
وقال الطبري:
وقوله: { فلينظر الإنسان مم خلق } يقول تعالى ذكره: فلينظر الإنسان المكذب بالبعث بعد الممات المنكر قدرة الله على إحيائه بعد مماته { مم خلق } يقول: من أي شيء خلقه ربه؟
ثم أخبر جل ثناؤه عما خلقه منه فقال: { خلق من ماء دافق } يعني: من ماء مدفوق، وهو مما أخرجته العرب بلفظ فاعل وهو بمعنى المفعول، ويقال: إن أكثر من يستعمل ذلك من أحياء العرب سكان الحجاز إذا كان في مذهب النعت كقولهم: هذا سر كاتم، وهمٌّ ناصب، ونحو ذلك.
وقوله: { يخرج من بين الصلب والترائب } يقول: يخرج من بين ذلك، ومعنى الكلام: منهما، كما يقال: سيخرج من بين هذين الشيئين خيرٌ كثيرٌ، بمعنى: يخرج منهما.
” تفسير الطبري ” ( 30 / 143 ).
وبعد أن ذكر خلاف العلماء في معنى ” الترائب ” قال:
والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: هو موضع القلادة من المرأة حيث تقع عليه من صدرها؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، وبه جاءت أشعارهم.
قال المثقِّب العبدي:
ومِن ذَهَب يُسنُّ على تَريب كَلَوْنِ العاج ليس بذي غُضون
وقال آخر:
والزعفرانُ على ترائِبها شَرِقاً به اللبَّاتُ والنحرُ
وقوله: { إنه على رجعه لقادر } يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقكم أيها الناس من هذا الماء الدافق فجعلكم بشرًا سويًّا بعد أن كنتم ماءً مدفوقًا على رجعه لقادر.
” التفسير ” ( 30 / 145 ).
وقال القرطبي:
{ من ماء دافق } أي: من المني، والدفق: صب الماء، دفقتُ الماء أدفقه دفقًا: صببته، فهو ماء دافق، أي: مدفوق، كما قالوا: سر كاتم، أي: مكتوم؛ لأنه من قولك: دفق الماء على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: دفق الماء، ويقال: دفق الله روحه، إذا دُعيَ عليه بالموت.
قال الفراء والأخفش: { من ماء دافق } أي: مصبوب في الرحم.
الزجاج: من ماء ذي اندفاق، يقال دارع وفارس ونابل أي ذو فرس ودرع ونبل، وهذا مذهب سيبويه.
فالدافق: هو المندفق بشدة قوته، وأراد ماءين: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما لكن جعلهما ماء واحد لا امتزاجهما. ” تفسير القرطبي ” ( 20 / 4 ).
وقال: أي هذا الماء من بين الصلب أي: الظهر …
والترائب: أي: الصدر، الواحدة: تريبة، وهي موضع القلادة من الصدر … قال ابن عباس: الترائب: موضع القلادة، وعنه: ما بين ثدييها … ” تفسير القرطبي ” ( 20 / 5 )
وقال ابن كثير:
وقوله تعالى { خلق من ماء دافق } يعني: المني يخرج دفقا من الرجل ومن المرأة فيتولد منهما الولد بإذن الله عز وجل، ولهذا قال: { يخرج من بين الصلب والترائب }، صلب الرجل وترائب المرأة، وهو صدرها …
وقوله تعالى: { إنه على رجعه لقادر } فيه قولان:
أحدهما: على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما.
والقول الثاني: إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق، أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر؛ لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة، وقد ذكر الله عز وجل هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع وهذا القول قال به الضحاك واختاره ابن جرير، ولهذا قال تعالى { يوم تبلى السرائر } أي: يوم القيامة { تبلى فيه السرائر } أي: تظهر وتبدو ويبقى السر علانية والمكنون مشهورًا. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 499 )
وقال ابن القيم:
وقد قال تعالى { فلينظر الإنسان مم خلق . خلق من ماء دافق . يخرج من بين الصلب والترائب }، قال الزجاج: قال أهل اللغة: التربية: موضع القلادة من الصدر، والجمع ترائب، وقال أبو عبيدة: الترائب: معلق الحلي من الصدر، وهو قول جميع أهل اللغة، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد صلب الرجل وترائب المرأة، وهو موضع قلادتها، وهذا قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير، وهو المطابق لهذه الأحاديث، وبذلك أجرى الله العادة في أيجاد ما يوجده من بين أصلين كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات.” تحفة المودود ” ( ص 277 ، 278).
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -: قوله {هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية} فيها قولان: أحدهما: أن المعنى و جوه في الدنيا خاشعة عاملة ناصبة تصلى يوم القيامة ناراً حامية و يعنى بها عباد الكفار كالرهبان و عباد البدو وربما تؤولت في أهل البدع كالخوارج. القول الثاني: أن المعنى أنها يوم القيامة تخشع أي: تذل و تعمل و تنصب . قلت: هذا هو الحق لوجوه : أحدها: أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه أي و جوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية. و على الأول :لا يتعلق إلا بقوله {تصلى}. ويكون قوله {خاشعة} صفة للوجوه قد فصل بين الصفة و الموصوف بأجنبي متعلق بصفة أخرى متأخرة و التقدير و جوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى نارا حامية . و التقديم و التأخير على خلاف الأصل. فالأصل إقرار الكلام على نظمه و ترتيبه لا تغيير ترتيبه . ثم إنما يجوز فيه التقديم و التأخير مع القرينة أما مع اللبس فلا يجوز لأنه يلتبس على المخاطب و معلوم أنه ليس هنا قرينة تدل على التقديم و التأخير بل القرينة تدل على خلاف ذلك فإرادة التقديم و التأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان و أمر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق. الوجه الثاني: أن الله قد ذكر و جوه الأشقياء و وجوه السعداء في السورة فقال بعد ذلك و جوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية. و معلوم أنه إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة لا في الدنيا إذ هذا ليس بمدح ، فالواجب تشابه الكلام و تناظر القسمين لا اختلافهما و حينئذ فيكون الأشقياء و صفت وجوههم بحالها في الآخرة . الثالث: أن نظير هذا التقسيم قوله { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة} و قوله {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة و وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة } .و هذا كله و صف للوجوه لحالها في الآخرة لا في الدنيا. الرابع: أن و صف الوجوه بالأعمال ليس في القرآن و إنما في القرآن ذكر العلامة كقوله {سيماهم في وجوههم} و قوله {و لو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} و قوله {تعرف في و جوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا}، و ذلك لأن العمل و النصب ليس قائما بالوجوه فقط بخلاف السيما و العلامة. الخامس: أن قوله “خاشعة” “عاملة” “ناصبة” لو جعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم فإن هذا إلى المدح أقرب و غايته أنه و صف مشترك بين عباد المؤمنين و عباد الكفار و الذم لا يكون بالوصف المشترك و لو أريد المختص لقيل :خاشعة للأوثان مثلا عاملة لغير الله ناصبة في طاعة الشيطان و ليس في الكلام ما يقتضي كون هذا الوصف مختصا بالكفار و لا كونه مذموما و ليس في القرآن ذم لهذا الوصف مطلقا و لا و عيد عليه، فحمْله على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن. السادس: أن هذا الوصف مختص ببعض الكفار و لا موجب للتخصيص فإن الذين لا يتعبدون من الكفار أكثر و عقوبة فساقهم في دينهم أشد في الدنيا والآخرة فإن من كف منهم عن المحرمات المتفق عليها و أدى الواجبات المتفق عليها لم تكن عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع الله إلها آخر و يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق و يزنون فإذا كان الكفر و العذاب على هذا التقدير في القسم المتروك أكثر و أكبر كان هذا التخصيص عكس الواجب. السابع: أن هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة والنسك ابتداء ثم إذا قيد ذلك بعبادة الكفار و المبتدعة و ليس في الخطاب تقييد كان هذا سعيا في إصلاح الخطاب بما لم يذكر فيه.
قال رحمه الله: والمقصود أن الحسد مرض من أمراض النفس وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا قليل من الناس ولهذا يقال “ما خلا جسد من حسد لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه” وقد قيل للحسن البصري أيحسد المؤمن فقال ما أنساك إخوة يوسف لا أبا لك؟ ولكن عمِّه في صدرك فإنه لا يضرك ما لم تعذبه يداً ولساناً . فمن وجد في نفسه حسداً لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر فيكره ذلك من نفسه. وكثيرٌ من الناس الذين عندهم دين لا يعتدون على المحسود فلا يعينون مَن ظلمه ولكنهم أيضا لا يقومون بما يجب من حقه بل إذا ذمه أحد لم يوافقوه على ذمه ولا يذكرون محامده وكذلك لو مدحه أحدٌ لسكتوا ،وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقه ،مفرطون في ذلك لا معتدون عليه، وجزاؤهم أنهم يبخسون حقوقهم فلا ينصفون أيضا في مواضع ولا ينصرون على من ظلمهم كما لم ينصروا هذا المحسود. وأما من اعتدى بقول أو فعل فذلك يعاقب. ومن اتقى الله وصبر فلم يدخل في الظالمين نفعه الله بتقواه كما جرى لزينب بنت جحش رضى الله عنها فإنها كانت هي التي تسامي عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم . وحسد النساء بعضهن لبعض كثير غالب لا سيما المتزوجات بزوج واحد فإن المرأة تغار على زوجها لحظِّها منه فإنه بسبب المشاركة يفوت بعض حظها. وهكذا الحسد يقع كثيراً بين المتشاركين في رئاسة أو مال إذا اخذ بعضهم قسطا من ذلك وفات الآخر. ويكون بين النظراء لكراهة أحدهما أن يفضل الآخر عليه كحسد اخوة يوسف وكحسد ابني آدم أحدهما لأخيه فإنه حسده لكون أن الله تقبل قربانه ولم يتقبل قربان هذا فحسده على ما فضله الله من الإيمان والتقوى كحسد اليهود للمسلمين وقتله على ذلك ولهذا قيل أول ذنب عُصيَ الله به ثلاثة الحرص والكبر والحسد فالحرص من آدم والكبر من إبليس والحسد من قابيل حيث قتل هابيل.
قال رحمه الله : فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه فيعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات ونحو ذلك. كما يعلم أن له ربا وخالقا ومعبودا ولا يعلم كنه شيء من ذلك بل غاية علم الخلق هكذا يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه وعلمهم بنفوسهم من هذا الضرب. قلت له: أفيجوز أن يقال إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير؟ فقال: هذا لا يمكن. فقلت له: من قال إن الظاهر غير مراد بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة قلنا له أصبت في المعنى لكن أخطأت في اللفظ وأوهمت البدعة وجعلت للجهمية طريقا إلى غرضهم وكان يمكنك أن تقول تمُر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين وأنه منـزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه. ومن قال الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة وبعض الأشعرية وغيرهم فقد أخطأ . ثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون :إن له صفات سبعا الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر وينفون ما عداها وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط ، ومنهم من يتوقف في نفى ما سواها وغلاتهم يقطعون بنفى ما سواها. وأما المعتزلة فإنهم ينفون الصفات مطلقا ويثبتون أحكامها وهى ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير وأما كونه مريدا متكلما فعندهم أنها صفات حادثة أو إضافية أو عدمية وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس حيث زعموا أن الصفات كلها ترجع إلى سلب أو إضافة أو مركب من سلب وإضافة فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل .
ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصراً نافذاً وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله ولهذا كانوا يقولون إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه ويقولون إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة والأشعرية مخانيث المعتزلة. وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور والأشعرية الجهمية الإناث ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية وأما من قال منهم بكتاب “الإبانة” الذي صنفه الأشعرى في آخر عمره ولم يُظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة لكن مجرد الانتساب إلى الأشعرى بدعة لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب شر ..أ.هـ
فبينما كنت أعدِّل كتاباً لي وأنظر فيه من جديد ، إذ اضطررتُ لتغيير دعائي كلما مرَّ ذكر الشيخ عبد العزيز بن باز من ” حفظه الله ” إلى رحمه الله ” !
وما أن انتهيتُ وأصبح الكتاب جاهزاً حتى فُجعنا بوفاة الإمام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، ففعلت الأمر نفسه في كتابي سالف الذكر .
وبينما كنتُ أعدِّل في الكتاب وقعت عيني أول أمس – أثناء التعديل – على اسم الشيخ ابن عثيمين وكان الدعاء بعد اسمه هو هو – أي : ” حفظه الله ” – فقلتُ في نفسي : ترى هل سيخرج الكتاب من غير تعديل الدعاء ؟.
ولم تمر إلا ساعات معدودة حتى جاءنا الخبر المؤلم المحزن بوفاة الإمام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله .
وإن القلب ليحزن ، وإن العين لتدمع ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ولما كنتُ قد كتبتُ في حياة الشيخين ابن باز والألباني – وقد مات الثلاثة بمرض السرطان – أحببتُ أن أشارك من كتب في حياة أخيهما الثالث الشيخ ابن عثيمين، فكانت هذه الوقفات .
اسمه ومولده
اسمه : الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين الوهيبـي التميمي ، عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ، وأستاذ بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم ، وإمام وخطيب الجامع الكبير بمدينة عنيزة .
وهو متزوج من امرأة واحدة ، وله من الأولاد الذكور : عبد الله ، وعبد الرحمن ، وإبراهيم ، وعبد العزيز ، وعبد الرحيم .
مولده : ولد في مدينة عنيزة في 27 رمضان عام 1347 هـ .
وعليه : فيكون الشيخ قد عمِّر ( 74 ) عاماً .
علمه
حفظ الشيخ رحمه الله كتاب الله في سن مبكرة ، وقبل أن يتجاوز الخامسة عشر من عمره كان يحفظ – بالإضافة إلى كتاب الله – ” زاد المستقنع ” و” ألفيَّة ابن مالك ” – كما أخبر بذلك هو عن نفسه .
وقد جدَّ الشيخ ونشط في طلب العلم على قلة ذات اليد في ذلك الزمان ، وقد حدَّث عن نفسه فقال إنه كان لا يملك إلا ” الروض المربع ” يقرأ فيه ، في غرفة من طين تطل على ” زريبة بقر ” !
زهده وإنفاقه
زهده : والشيخ عرف عنه زهده في هذه الفانية ، ومن ذلك :
أنك تجده على لباس واحد لا يتغير طوال الأسبوع ، تبدأ ” غترته ” بالتناقص من بياضها يوماً فيوم ، حتى ترجع إلى بياضها في يوم الجمعة .
ولما أهديت له عمارة من الملك خالد بن عبد العزيز جعلها وقفاً على طلبة العلم ، وصار هو القيم عليها .
ولم يخرج من بيته الطيني إلا من قريب بضغطٍ من أبنائه .
وكانت تعطى له الأعطيات الكبيرة فيعلن على الملأ مباشرة أنها لطلبة العلم.
إنفاقه : وأما إنفاقه في سبيل الله من أموال غيره فكثير وسيأتي بعضٌ منه ، وما يهمنا هنا هو إنفاقه من ماله الخاص ، وقد حدَّث عن ذلك بعض تلامذته فقال :
أما ما أخفاه الشيخ عن الأمة فهو تبرعه السخي الخاص للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأذكر أنني في إحدى زياراتي له في منـزله عندما كنت أدْرس في الولايات المتحدة الأمريكية أنه أخذ بيدي إلى ” مختصر ” له فقال : يا عبد الله أنا وأنت هنا ولا يرانا إلا الله خُذ هذا المال ، وكان كبيراً ، وهو من مالي الخاص ! واشتر به مصاحف ووزعها على المحتاجين في السجون الأمريكية ، وأنت مسؤول عن الشراء وعن التوزيع ، وأسألك بالله ألا تبلِّغ بهذا أحداً !! .
ولم أبلِّغ بهذا أحداً منذ وقته إلى الآن ، أما وقت انتقل الشيخ إلى الرفيق الأعلى فلا أرى بأسا أن أذكر أنه كان من المنفقين في السراء والضراء ، وكان لا يريد علم الناس بذلك ، رحم الله الشيخ رحمة واسعة وأجزل له المثوبة والعطاء .
د. عبد الله الموسى
رئيس قسم الحاسب الآلي ونظم المعلومات ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .
تعليمه
عُرف عن الشيخ أسلوبه النادر في التعليم ، فهو يوصل المعلومة بأسهل طريق إلى المتعلمين والسامعين.
ولا يكاد يغيب ذهن الواحد من الجالسين في درسه حتى يوقفه الشيخ ليجيب على سؤال أو ليعيد آخر كلام قاله .
وعرف عنه طريقة السؤال والجواب – لا السرد – وهي طريقة نافعة يترقب الطالب فيها كل لحظة أن يتوجه له سؤال .
وهي طريقة تحيي المجلس وتجعل الطالب دائم التحضير والمتابعة .
ويعطي الشيخ رحمه الله الدرس حقَّه ومستحقه من الشرح والبيان ولا ينتقل بالطالب إلى موضوع جديد حتى يكون قد فهم ما مضى .
ويعيد على الطلبة في الدرس التالي – بطريقة السؤال والجواب – ما أُخذ في الدرس الماضي ، وهكذا يتأهب الطالب لدرس اليوم ، ويعيد قراءة ما سلف من الدروس الماضية .
وللشيخ رحمه الله شروح كثيرة لكتب عديدة – سواء من تأليفه أو من تأليف غيره – ومن فضل الله عليَّ أنني قد سمعت مادة علميَّة منها كثيرة – وقمت بشرح كل ما سمعته من الشيخ تقريباً – .
ومن هذه الدروس والشروح ما يتكرر أكثر من مرة ، منها :
” شرح الأصول من علم الأصول ” .
” شرح زاد المستقنع ” .
” شرح أبواب من صحيح البخاري ” .
” شرح أبواب من صحيح مسلم ” .
” شرح ألفية ابن مالك ” .
” شرح الآجرومية ” .
” شرح العقيدة السفارينية ” .
” شرح كتاب التوحيد ” .
” شرح الواسطية ” .
” شرح التدمرية ” .
” شرح الحموية ” .
” شرح البيقونية ” .
” شرح نخبة الفِكَر ” .
” شرح الأجزاء الأخيرة من القرآن ” .
” شرح بعض السور ، مثل البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والأحزاب ، وسبأ .. وغيرها بطريقة التفصيل واستنباط الفوائد والأحكام ” .
” شرح بلوغ المرام ” .
وغير ذلك كثير ، يصعب حصرها وتعدادها الآن .
والشيخ – رحمه الله – كان حريصاً على تبليغ العلم لتلامذته وللناس جميعاً ، وخاصة في رمضان الذي يحرص فيه الشباب وعامة الناس على لقيا الشيخ والاستماع له .
ولم يفوِّت الشيخ عليهم رغبتهم تلك حتى مع اشتداد مرضه ، فلقد حرص – رحمه الله – على بقاء الدرس اليومي بعد ” التراويح ” ولكنه لم يستطع أن يبذل فيه جهده المعروف في كل عام ، فألقى ستة دروس في هذا العام ، وكانت مدة كل درس لا تتجاوز النصف ساعة ، ولنستمع إلى حادثة من حوادث تلك الأيام والتي يبين فيها عظيم همة الشيخ ومزيد حرصه على التعليم وإفادة الناس ، وهي حادثة تستحق أن يراجع بعدها كلُّ واحدٍ منَّا نفسه ، فما أن يصيبه مرض يسير إلا ويسارع إلى إلغاء كل نشاط له علمي أو دعوي !!
قال ابن الشيخ الأوسط إبراهيم : الوالد – رحمه الله – كان من الناس الزهاد في حياته ، حياته مليئة بالمآثر والمواقف ، ولعلي أذكر آخر موقف من المواقف العظيمة والتي لا نستطيع نحن ولا الكثير من الناس أن يأتوا بمثلها وهو في أواخر أيامه – رحمه الله – في اليوم التاسع والعشرين في رمضان حصل له بعض التعب في الصباح، فقرر الطبيب المرافق أن يتم نقله من ” الحرم ” إلى مستشفى ” جدة ” وبالفعل تم نقله إلى هناك وأدخل العناية المركزة ، وجلس هناك قرابة الأربع أو الخمس ساعات تقريباً وعندما جاء العصر تحسنت حالته شيئاً ما ، فأصرَّ أن يذهب إلى ” مكة ” رغم محاولاتنا إثناءه عن ذلك فقال : ” لا تحرمونا هذا الأجر فهذه آخر ليلة في رمضان ” !
وبالفعل ذهبنا إلى مكة ومعنا الأطباء المرافقون ، وأجلسناه في غرفة داخل الحرم ، وأول ما دخل الغرفة طلب أن يتوضأ ويصلي المغرب والعشاء ، وبعد أن انتهى من الصلاة طلب أن يُعدَّ للدرس !! ولما انتهى من الدرس قال للأطباء : ” كيف تحرمونني من هذا الأجر العظيم ” ؟!.
فهو إنسان غير عادي فهذا الموقف من يستطيع اليوم أن يقفه ، فالإنسان إذا أدخل المستشفى لأي سبب جلس بعدها ما جلس حتى عن مباشرة عمله فهو يخرج من غرفة العناية المركزة للدرس فهذا تفكيره وهذا شغله الشاغل والحمد لله .
رعايته لتلامذته
قال الشيخ خالد المصلح – تلميذ وصهر الشيخ – :
شيخنا رحمه الله كان أباً حانياً على تلاميذه ، حريصاً عليهم غاية الحرص ، كان – رحمه الله – يخصهم بعنايةٍ فائقةٍ من حيث تزويدهم بالعلم والجوانب العلمية ، بل حتى في قضاء حوائجهم الخاصة فكان رحمه الله حريصاً على تهيئة المكان المناسب لهم وما يتعلق بذلك مما يحتاجون إليه ، كان – رحمه الله – يرتب لهم مكافآت شهرية سوى ما يعطيهم لستر حوائجهم من شراء الكتب أو إنهاء المعاملات أو غير ذلك .
كان – رحمه الله – يحصي طلابَه ولاسيما الذين في السكن التابع له – رحمه الله – بلقاء شهري يفتتحه رحمه الله بكلمة توجيهية ، ثم يطلب من الطلاب أن يكتبوا الملاحظات المتعلقة بمعاشهم ، فإذا لم يكن عندهم شيء من ذلك أجاب على أسئلتهم التي يقدمونها إليه إما مباشرة أو غير ذلك ، وبعد هذا يتناول معهم رحمه الله طعام العشاء على مائدة واحدة يتزاحمون على القرب منه ، ولا يخلو المجلس من مداعباته يدخل بها السرور على تلاميذه ويشعرهم بقربه منهم وأنه لهم كالأب .
مواقف مع تلامذته
وقد كان الشيخ رحمه الله على علمٍ بأحوال تلامذته ، يتفقد غائبهم ، ويحرص على تفهيم حاضرهم ، ويزود محتاجهم لما يريد من المال أو الكتب ، وكان يكلف بعضهم بمراجعة الأحاديث أو تحرير بعض المسائل ، وينظر في ذلك كله ويتابعه ، بل كان يجعل بعضهم يدرِّس بعض المبتدئين .
ومن صور عِظَم خُلُقه ودينه أنه كان يعرض على بعضهم التزوج من بناته ، فكان ذلك وتزوج بعضهم من بناته ، فرحم الله ذلك الإمام .
وله مع تلامذته مواقف كثيرة يمكن تتبعها وجمعها في كتاب ، سواء تمَّ جمعها من أشرطته أو من خلال تجميعها من أفواه تلامذته ، وقد اخترت – لهذا الكتاب – موقفين :
المعروف عن الشيخ – رحمه الله – الذكاء ، وكان يتابع تلامذته أثناء الدرس حتى لا يشرد ذهن أحدهم فتضيع عليه الفائدة ، وفي مرة رأى بعض تلامذته غير حاضرِ الذهن في الدرس ، ويبدو أنه غير فاهم لما قاله الشيخ فشرد ذهنه ، فأوقفه الشيخ !
الشيخ : هل أنت فاهم لما قلتُه ؟
الطالب : إن شاء الله ! يا شيخ .
الشيخ – ولم تمش عليه هذه العبارة ! – : هل على رأسك ” شماغ ” ؟!
الطالب : نعم ! يا شيخ .
الشيخ : لمَ لمْ تقل : إن شاء الله ؟!! لكن لما كنتُ غير فاهمٍ للدرس قلتَ : ” إن شاء الله ” ، ولما كنتَ متأكداً من وجود ” الشماغ ” على رأسك جزمتَ ولم تقل إن شاء الله .
فعرفَ الطالب أنه لم ينطل قولُه على شيخه ولم يمش عليه ، فأعاد الشيخ المسألة حتى تأكد من فهم الطالب لها .
ورأى الشيخ – رحمه الله – بعض الحضور في درسه ممن لا يشارك معهم ، فعرف الشيخ أن هذا الطالب غير فاهم ، فأوقفه الشيخ !
الشيخ : هل أنت فاهم لما أقوله ؟
الطالب : لا يا شيخ !!
وهنا غضب الشيخ ! : فقال : إذا كنتَ غير فاهم لمَ تأتي وتحضر معنا ؟!
الطالب : لأحصِّل الثواب وهو قول المنادي من السماء في نهاية المجلس ” قوموا مغفوراً لكم ، قد بُدِّلت سيئاتُكم حسنات ” !!!
فتوقف الشيخ عن لوم الطالب تعظيماً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقوة حجة الطالب !
قلت : والطالب يشير لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” ما جلس قوم يذكرون الله عز وجل إلا ناداهم مناد من السماء : قوموا مغفورا لكم ،قد بدلت سيئاتكم حسنات ” .
رواه أحمد ( 12045 ) ، وصححه الشيخ الألباني رحمه في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2210 ) .
هذا ، وللشيخ مئات التلاميذ في المملكة – منهم القاضي والدكتور والإمام وطالب العلم والداعية – وآلاف التلاميذ خارج المملكة تتلمذوا على أشرطته وكتبه .
تنوع طرق تعليمه
والشيخ رحمه الله بذل جهداً عظيماً متنوعاً في التعليم :
فهو إمام وخطيب يعلم أهل المسجد .
وهو مدرِّس في الجامعة يعلِّم الطلبة .
وهو مدرِّس في مواسم الخير – مثل الحج والعمرة – في المسجد النبوي والمسجد الحرام فيعلِّم الناس كافة من جميع بلدان العالم .
وهو مدرِّس ومفتٍ في المذياع .
وهو من ” هيئة كبار العلماء ” التي تنظر في المسائل المشكلة والنوازل .
وهو مؤلف لكتب ورسائل ومطويات منتشرة في العالم كله .
وهو مدرِّس للمسلمين خارج المملكة وذلك عن طريق الهاتف ، وقد حدَّثني بعض الشباب في ” أمريكا ” أنه للتوِّ قد حضر درساً هناك للشيخ ابن عثيمين ، وقد رُبط عن طريق الهاتف مع حوالي مائة مركز إسلامي !!!
بل وحتى داخل المملكة فإنه يفتي للناس عن طريق الهاتف في وقت مخصص ، وقد رأيناه في الحرم كلما انتهى الإمام من جزء من الصلاة رفع هاتفه الجوَّال ليجيب على أسئلة الناس في هذا الوقت !
وله محاضرات ودروس ومواعظ في مساجد المملكة كلما ذهب لزيارة أحد مناطقها .
وله موقع في ” الإنترنت ” حديث النشأة فيه كتب الشيخ وأشرطته ، ولو اعتُني به حق العناية – كما فعل بموقع الشيخ ابن باز – لكان فيه مادة دعوية كبيرة .
التأليف
كان الشيخ قد أراد أن يتفرغ للتأليف ، فنصحه بعض إخوانه أن الناس بحاجة إلى التعليم ، وأن الله تعالى قد يهيئ لك من يجمع علمك الذي تعلِّم فيُجمع لك الأمران ! وكان ذلك ، وأخرجت أشرطته المسموعة إلى كتب مقروءة بعناية وترتيب فائق .
ولم يكن الشيخ رحمه الله حريصاً على ” حفظ حقوق الطبع ” ولا متأكلاً بعلمه وكتبه ، ولو أراد وطلب ” ريالاً واحداً ” على كل كتاب لصار مليونيراً ! فقد طُبع للشيخ رحمه الله أكثر من ” مليون ” نسخة من كتبه في حياته ، ولكتابه ” الشرح الممتع “ نصيب الأسد من كتبه تلك فقد طبع منه – كما بلغنا – عشرات الآلاف من النسخ .
توقيره لأهل العلم
والشيخ رحمه الله من الموقرين لأهل العلم ، وكيف لا والعلم رحِمٌ بين أهله ، ومن ذلك :
أنه دعيَ لافتتاح ” تسجيلات إسلامية ” ضخمة ، وبينما هو يتجول في أنحائها إذ يلاحظ أنه قد جعل لكل صاحب أشرطة من المشايخ لوحة كبيرة فيها اسمه ، وبمروره على ” زاوية ” الشيخ الألباني رحمه الله رأى أن لوحة اسمه صغيرة ! فأنكر عليهم الشيخ رحمه الله غاية الإنكار ! وأمرهم بتكبير لوحة الشيخ أو تصغير لوحات المشايخ الآخرين .
وكان ذلك ، ففي اليوم التالي جاء الناس إلى ” التسجيلات ” وقد جعلوا لوحة الشيخ مثل أخواتها !
ومن تواضعه وتوقيره لأهل العلم : تدريسه كتاب ” حلية طالب العلم “ للشيخ بكر أبو زيد وهو معاصر للشيخ وأصغر منه سنّاً ، فضرب الشيخ رحمه الله أروع الأمثلة في التواضع والتوقير لأهل العلم ، وخاصة للمتعاصرين الذين يكون بينهم – عادة – التنافس والعداوة – أحياناً – .
ولما بشَّره بعض الشباب برؤيا رآها بعض المجاهدين في الشيخ الألباني فرح بها الشيخ رحمه الله وطلب من ناقلها له أن يتصل بالشيخ الألباني من بيته ليبشره بها ، لكن قدَّر الله أن لا يكون الشيخ حينذاك في بيته .
وقدَّر الله تعالى أن أخبِّر – أنا – الشيخَ الألباني بالرؤيا فلما سردتها له بكى الشيخ رحمه الله كثيراً .
وملخص الرؤيا : أن الرائي قد رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فسأله إذا أشكل عليَّ شيءٌ في الحديث فمَن أسأل ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : سل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني !!
والشيخ رحمه الله يذكر شيوخه بمزيد من الاحترام والتبجيل أمثال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ ابن باز ، وأكثر منهما من كان له عظيم الأثر في حياته وهو الشيخ عبد الرحمن السعدي .
عبادته
وعُرف عن الشيخ قيامه بالفرائض والنوافل والطاعات ، ومن صور ذلك :
أنه يحج في كل عام منذ سنوات طويلة .
أنه يعتمر في رمضان وفي غيره من مواسم ” العطلات ” .
أنه يقيم الليل حتى مع شدة تعبه ، وقد حدَّث عن ذلك بعض تلامذته – وهو الشيخ حمد العثمان – ومما قال – بالمعنى – أنه سافر مع الشيخ إلى الرياض فمكثوا فيه وقتاً ثم غادروا إلى جدة فأدوا العمرة في مكة ، فلما انتهوا من عمرتهم وإذ بالتعب قد سرى لجسدهم فاستسلموا للنوم .
قال الشيخ حمد : فقمت في الليل إلى الحمام لقضاء الحاجة ، وإذ بي أرى الشيخ رحمه الله قائماً يصلي!!
فقلت : سبحان الله ، أنا شاب واستسلمت للنوم ، وهذا شيخ كبير تعب معي مثلي ثم يقوم في الليل ليصلي ؟ فتشجع أخونا ” حمد ” ليصلي فقام وتوضأ ولما أراد أن يصلي وإذ بالنعاس يغالبه ! فقال : ” يا عمي ! إحنا وين والشيخ وين !!؟ ” فرجع للنوم ! – ولا أدري أصلَّى شيئاً أو لا – .
نجدته وفزعته
وللشيخ نجدات وفزعات للمسلمين ببذل الشفاعات وتيسير الحاجات وإعطاء المستحقين الكتب والأموال ، وقد حدَّث بعضُ تلامذته – مثل الأخ وليد الحسين – عن ذلك كثيراً ، لكن عندي شيء لعله لا يعرفه إلا نفر قليل عن حادثة عظيمة في حياة الشيخ رحمه الله ، وهي :
أ. أنه قد سافر شباب من ” الأردن ” إلى العمرة ، وفي ” خيبر ” قدَّر الله عليهم حادثاً صدموا به عمود الإنارة ! فهرعت الشرطة لمكان الحادث ، وأصروا على السائق أن يدفع تكاليف العمود وكانوا قد قدَّروا ذلك بـ ( 21000 ) واحد وعشرون ألف ريال !
وهذا السائق – ومعه المعتمرون – لا يقدرون على دفع مثل هذا المبلغ !
فحجز الشرطة جواز سفر السائق لحين تدبير المبلغ ودفعه عند رجعتهم من أداء العمرة .
فغلب الشباب على أمرهم وفكروا في طريقة تحصيل المبلغ ، فلم يكن أمامهم إلا عرض الموضوع على بعض المشايخ ، فكان أن ذهب واحدٌ منهم – وهو الذي حدثني بالقصة – إلى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في غرفته في الحرم المكي بعد صلاة العصر .
فعرف الشيخ منه القصة ، وقال له : ” تعال غداً وإن شاء الله يصير خير ” !
قال الشاب : فلم أرجع للشيخ لأنني عرفت أن المبلغ كبير ، والشيخ لا يعرفنا ، ولم يُعرف عن الشيخ أنه يساعد في مثل هذه الأمور ، لكنني ذهبت – والكلام لمحدثي – تحقيقاً لرغبة الشباب في أن أكلِّم الشيخ فقط.
ثم رجع القوم إلى ” الأردن ” ، وكان لا بدَّ من المرور على ” خيبر ” ! لأخذ الجواز، ولعلَّ الله أن يكون قد رقق قلوبهم فيسقطوا عنا المبلغ .
ولما دخل الشباب إلى المركز أصرَّ الضابط على إحضار المبلغ كاملاً وإلا لا سفر ، فإن أرادوا السفر فمن غير السائق !!
تحيَّر الشباب وسائقهم ! ماذا يفعلون ؟
توجهوا للشاب الذي ذهب للشيخ ابن عثيمين فقالوا له : ألم تذهب أنت للشيخ ماذا قال لك ؟ قال : قال : تعال غداً !!
قالوا : فهل ذهبتَ له ؟ قال : لا !!
قالوا : اتَّصل به لعل الله أن يكون الفرج على يديه ونحن محبوسون عن أهلنا هنا ونحن في آخر أيام رمضان !!
قال : فاتَّصلتُ بالشيخ في غرفته فردَّ عليَّ وأخبرته بحالنا !
قال : أنت الشاب الأردني ؟؟!!
قلت : نعم يا شيخ !
قال : ألم أقل لك تعال في الغد ، لـمَ لـمْ تأتِ ؟
قال : استحييتُ !
قال : فلمَ كلمتني إذن ؟؟! على كل حال : المبلغ كان جاهزاً في اليوم نفسه !!!!!
فلم يصدِّق صاحبي الخبر ، وكاد الشباب أن يطيروا فرحاً – ومعهم السائق بالطبع ! – .
قال الشاب : والحل يا شيخ ؟
قال الشيخ : أنا أحوِّل المبلغ للمركز ، وأطلب منهم أن ييسروا أمركم وترجعوا إلى أهليكم قبل العيد!!
قال الشيخ : أعطني الضابط المسؤول !
كلَّم الضابطُ الشيخ بنوع من اللامبالاة !
قال الشيخ : المبلغ عندي وأعطني رقم حسابكم وأنا أحوله لكم وأطلقوا الشباب وسائقهم ليذهبوا إلى أهليهم !
ردَّ الضابط بقلة أدب : آسفين يا شيخ ! لا بدَّ من إحضار المبلغ نقداً وإلا فلن يسافروا ولن يرجعوا!!
غضب الشيخ جدّاً من الضابط ، وقال : أقول لك المبلغ عندي دعهم يذهبوا إلى أهليهم !!
رفض الضابط مرة أخرى !
أغلق الشيخ السماعة .
قال الشاب : فما هي إلا لحظات إلا والمركز ينقلب رأساً على عقب!!
ما الخطب ؟؟
إنه أمير المدينة !! – الأمير عبد المجيد – اتصل يسأل عن الضابط الذي رفض طلب الشيخ وبدأ يهدد ويتوعد بالعقوبة !!
حاول الضباط وأفراد الشرطة التستر على زميلهم !!
ورأى الشباب تغير العنجهية بصورة سريعة ومذهلة ! إلى رقة وأدب !
فأمرهم أمير المدينة بإطلاق الشباب وسائقهم فوراً وتصليح العمود على حساب الدولة !!
لا يتصور أحد مدى فرحة الشباب بهذا الخبر ! فشكروا للشيخ جهوده ووقفته معهم وارتفعت أصواتهم بالدعاء للشيخ ، وأكبروا في الأمير احترامه للعلماء وتقديره لمكانتهم في موقف لن ينساه أحد منهم ما عاش أبداً !
ب. أما ما قاله الأخ وليد الحسين فهو :
ولقد لمستُ حرص الشيخ على طلابه منذ بداية ملازمتي له ، وذلك عندما قصدت هذه البلاد المباركة – المملكة العربية السعودية – قبل ثلاث عشرة سنة ، وقد صحبتُ معي القليل من المال حتى نفد ، ولم يبق عندي منه شيء فصبَّرتُ نفسي ، وأيقنتُ أن الله سيفرج هذا الضيق :
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظن أنها لا تفرج
حتى إذا ما مضى أسابيع ، وأنا أعيش هذا الضيق ، فإذا بالشيخ يناديني بعد صلاة الفجر ، وبيده مبلغ من المال ليس بالقليل ، ويعلم الله أنني لم أشكُ له حالي ، ولكنه الفرج من الله .
وبعد مدة من الزمن نفد ما عندي من المال ، فخشيتُ أن أكون قد أحرجتُ الشيخ في مساعدته لي ، أو يظن أنني لازمته من أجل المال ، فقررتُ أن أرحل ، وأجمع مالاً أتقوى به على طلب العلم ، فرحلتُ إلى ” الدمام ” – حيث معارفي – وتركتُ رسالة للشيخ بيَّنتُ فيها سبب ارتحالي ، فساءه ذلك جدّاً ، وحاول أن يتعرف على عنواني ، فتيسر له الحصول عليه وعلى رقم هاتفي ، واتصل بي هاتفيّاً! وألزمني بالرجوع ، وألحَّ عليَّ ، فأجبتُه إلى طلبه وأنا في حرج ، واستأنفتُ ملازمتي له .
وكان حفظه الله – والآن نقول : رحمه الله – لا يبخل عليَّ وعلى زملائي من المغتربين بالإنفاق علينا، ومتابعة أحوالنا ، وتذليل الصعاب التي تواجهنا . أ.هـ
” مجلة الحكمة ” عدد 2 ، ص 47 .
خلقه ودينه
ولا يتسع المقام هنا لذكر كثيرٍ من صور عظيم خلقه ودينه رحمه الله ، ونذكر في هذا المقام الضيق عدة صور لعل الله أن ينفع بها :
في لقاءات الشيخ رحمه الله في بيته كل خميس قبل الظهر ، كان الشيخ رحمه الله يبدأ اللقاء بتفسير آيات من القرآن الكريم ، وقد رأى أن يبدأ من الأجزاء الأخيرة لكثرة قراءتها واستماعها من الناس ، ثم يفسح المجال لكل زائر بسؤال واحد .
وفي بعض تلك اللقاءات – والتي جمعت مادتها بما عرف بـ ” الباب المفتوح “ – استأذن بعض الشباب بقراءة أبيات من الشِّعر نظمها في مدح الشيخ رحمه الله ، وقد قاطعه الشيخ مراراً معترضاً على مدحه وطلب تغيير تلك الكلمات التي يُمدح فيها الشيخ ، وكلما سمع مدحاً اعترض وقاطع وأوقف الطالب ، حتى قال الطالب : لا يصلح هذا يا شيخ ! إما أن أقرأ ما كتبتُ أو أتوقف ! قال الشيخ : توقف أحب إليَّ !! ولم يرض رحمه الله بهذا المديح .
والقصة حين تسمعها مباشرة في الشريط تتأثر من خُلُق الشيخ وعظيم دينه ، وقد كُتبت الحادثة فيما جمع من تلك اللقاءات ، فكانت هذه الحادثة على هذا النحو :
الطالب :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
أما بعد يا فضيلة الشيخ : أستاذنكم في قصيدة أتلوها :
فجر وأنواره في الأرض تنتشروالحق رغم جهود الشر منتشرنقية ما بها شوب ولا كـدربمثله يرتجى التأيـيد والظفـر
يا أمـتي إن هـذا الليـل يعقبـهوالخيـر مـرتقب والفتح منتظـربصحوةٍ بـارَكَ الباري مسيـرتهاما دام فينا ابن صالح شيخ صحوتنا
أنا لا أوافق على هذا المدح لأني لا أحب أن يربط الحق بالأشخاص ، كل شخص يأتي ويذهب ، فإذا ربطنا الحق بالأشخاص ، معناه أن الإنسان إذا مات قد ييأس الناس من بعده .
فأقول : إذا كان بإمكانك أن تغير البيت الأخير بقولك :
بمثلها يرتجى التأيـيد والظفـر
ما دام منهاجنا نـهج الأولى سلفوا
فهذا طيب .
أنا أنصحكم من الآن وبعد الآن ألاّ تجعلوا الحق مربوطا بالرجال :
أولا ً : لأنهم قد يضلون ، فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول : من كان مستنا فليستن بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة .
ثانياً : أنه سيموت ، ليس فينا أحدٌ يبقى أبداً ! { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } .
وثالثاً : أنه ربما يغتر إذا رأى الناس يبجِّلونه ويكرمونه ويلتفون حوله ربما ظن أنه معصوم ويدَّعي لنفسه العصمة وأن كل شيء يفعله فهو حق ، وكل طريق يسلكه فهو مشروع ، ولا شك أنه يحصل بذلك هلاكه ، ولهذا امتدح رجل رجلا عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال له : ” ويحك ، قطعت عنق صاحبك ” .
وأنا أشكر الأخ على ما يبديه من الشعور نحوي وأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنه أو أكثر ، ولكن لا أحب المديح .
” لقاء الباب المفتوح ” / اللقاء السابع والأربعون / السؤال 1148 .
قلت : فلعلَّ في هذا عبرة لمحبي الشهرة والباحثين عن مديح الناس وهم لا يستحقونه ! أن يروا هذا الإمام الذي يستحق المدح كيف يقابله !
في إحدى عمرات الشيخ كان قد أدى العمرة مع جمع من أصحابه وقد سكنوا جميعاً في مسكن واحدٍ ، وفي أثناء رجوعهم من المسجد الحرام إلى المسكن مرَّ الشيخ رحمه الله مع مَن معه على مجموعة من الشباب اللاهي وهم يلعبون ” كرة القدم ” ! فوقف الشيخ بينهم ينصحهم ويوجههم للصلاة ، فكان أن قابل أولئك الشباب الشيخَ بشيء من اللامبالاة والاستهزاء ! فطلب الشيخ ممن معه أن يذهب إلى السكن ويبقى وحده مع أولئك الشباب !
فكان أن حصل للشيخ ما أراده ، فلما رأى الشباب أن الشيخ مصرٌّ على البقاء ليذهبوا معه للصلاة سبَّ عليه واحدٌ منهم سبّاً مقذعاً بكلمات قبيحة نابية !
وقد فعل ذلك حتى لا يجعل مجالاً للشيخ في أن يبقى بينهم ، وهم – بطبيعة الحال – لا يعرفون أن هذا هو الشيخ ابن عثيمين !
فتبسم الشيخ ! وأصرَّ على البقاء حتى يصلِّي الشباب ، وأن يذهب هذا السابُّ معه! وجلس الشيخ وسطهم على حجر مصرّاً على قوله .
والشباب استاءوا من مسبَّة صاحبهم لمثل هذه ” الشيبة ” !
فطلبوا من صاحبهم السابّ – لما رأوا إصرار الشيخ – أن يرافق الشيخ ، ومعنى كلامهم أن يمشُّوه على قدر عقله !
فذهب الشاب السابُّ أخيراً مع الشيخ !
ولما دخلوا المسكن ، استأذن الشيخ من الشاب قليلاً .
فخاطب بعضُ مَن مع الشيخ ذلك الشاب : هل تعرف الشيخ ابن عثيمين من قديم !!
فكاد الشاب أن يُغمى عليه من الصعقة !
وقال : ماذا قلت ؟ من هذا الشيخ ؟
قال : هذا الشيخ ابن عثيمين ! ألا تعرفه ؟؟
فما كان من الشاب إلا أن تأثر من موقفه ذاك وبكى ، فلما حضر الشيخ قبَّل رأسَه وطلب منه المسامحة !
وما كان من الشيخ إلا أن يسامحه وهو الذي صبر عليه وهو يسبه ويشتمه ، ثم علَّمه الوضوء والصلاة، فالتزم ذلك الشاب على يد الشيخ رحمه الله .
فانظر إلى هذه الهمة ، وهذا الحرص ، وذلك الصبر من الإمام رحمه الله .
ولما أفتى الشيخ رحمه الله بفتيا معلومة اتهمه بعض الناس بتهم شتى ، تتعلق باعتقاده ! والشيخ مقتنع بما قال وله في ذلك سلف مثل شيخ الإسلام رحمه الله.
وفي مرَّة زاره شبابٌ من طلبة العلم ومعهم أسئلة ، ومن ضمن تلك الأسئلة ما يتعلق بتلك الفتوى ، وما قيل في الشيخ – رحمه الله – .
فأجاب الشيخ ، ومن ضمن إجابته قال : إن الناس إذا رأوا إنساناً مشهوراً ! تكلموا عليه وطعنوا فيه حسداً من عند أنفسهم … إلخ .
وراح الشباب ومعهم التسجيل .
وفي الليل اتصل الشيخ رحمه الله بالشاب الذي أحضرهم إليه طالباً منه الشريط !!
فاستغرب الشاب – أولاً – اتصال الشيخ ، واستغرب أكثر من هذا الطلب !!
فطلب الشاب التوضيح من الشيخ عن سبب طلبه الشريط قال الشيخ : هناك كلمة قلتُها ما كان ينبغي لي قولها ! وأرى أن تحذف من الشريط ! وهي قولي ” إنساناً مشهوراً ” !! فهذه فيها تزكية للنفس أرى أن تحذف !!!
وقد عرض على الشيخ تولي القضاء من قبل مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله – الذي ألح على فضيلته بتولي القضاء ، بل أصدر قراره بتعيينه ، فطلب منه الإعفاء ، وبعد مراجعات واتصالات سمح بإعفائه من منصب القضاء .
وكان الشيخ رحمه الله متواضعاً ، فعلى كبَر سنِّه وكثرة علمه ، لم يمنعه ذلك من الاستفادة حتى ممن هو أقل منه سنّاً وعلماً ، أو من غير أهل العلم الشرعي ، ونذكر في ذلك صورتين :
الأولى : أنه لما كان يدرِّس تلامذته شرح صحيح البخاري ، ذكر مسألة ما يخرج من المرأة من رحمها ، وذكر أنه طاهر ويوجب الوضوء ، وذكر أن ابن حزم – رحمه الله – كان من المخالفين ، وقال – رحمه الله – لتلامذته :
ولكني لم أر له سلفاً في ذلك ، فإن رأيتم له سلفاً فيا حبذا !.. وقال :
أنتم جزاكم الله خيراً ساعدونا !!
والثانية : حدَّث بها الشيخ عادل الكلباني فقال :
وأذكر لكم موقفاً شهدته مع فقيدنا الوالد الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين – تغمده الله بواسع رحمته ، وأدخله فسيح جنته – فقد كنا في زيارة له منذ أعوام جاوزت ثمانية – لم أعد أذكر – وكان عنده مجموعة من الأطباء ، من بينهم الدكتور ” البار ” ، وكان فضيلتُه يسألهم عن الدماء وأحوال المرأة في حيضها ونفاسها ، وكان تلميذاً نجيباً !! ، لم يدعْ مسالةً إلا سأل عنها ، ثم لما فرغ ، وأجابه الأطباء عن مسائله قال : إن مسألة الحيض من معضلات الفقه ، والتي تشكل علينا دائماً ، فأردت الاستزادة من أهل الاختصاص ، حتى نفتي عن علم .
رحمك الله أيها الشيخ . أ.هـ
فلله درك يا إمام ما أعظم خلقك وما أمتن دينك ، ورحمك الله من قدوة صالحة .
اهتمامه بالعالم الإسلامي
والشيخ – رحمه الله – كان له اهتمام بالمسلمين في العالم ، وبالمجاهدين منهم فكان رحمه الله يفتي بدفع الزكاة لهم ، ويؤيدهم ويطلع على أحوالهم ، ويلتقي بوفودهم.
وفي أوائل الجهاد في الشيشان كان قد خصهم بدروس – سمعتُ بعضها – في المسجد الحرام في العشر الأواخر منه ، وأنهى كلمته بدعاء بليغ لأن ينصرهم الله ويثبت أقدامهم .
وله الموقف نفسه في الجهاد في البوسنة وأفغانستان وفي غيرها من بقاع العالم .
فرحمه الله ورفع درجته فما كان يشغله العلم والتعليم عن إخوانه المسلمين وأحوالهم.
وهذا بعض ما قاله الإخوة في الشيشان بعد وفاة الشيخ رحمه الله :
(( وإن ينس الناس فضل شيخنا :
فلن ننسى : وقوفه معنا في الحرب الأولى ودعمه لنا بما يستطيع أثناء الحرب ، وكان بعد الحرب حريصاً على افتتاح المعاهد وإنشاء المحاكم الشرعية .
ولن ننسى مناصحته لنا وتوجيهه الدائم في شأن المحاكم وتطبيق الشريعة .
ولن ننسى وقوفه معنا أيضاً في حربنا هذه سواءً بماله يوم أن أرسل لنا زكاته وقال هي لمصرف الجهاد فقط ، أو وقوفه معنا بتوجيه الناس إلى دعمنا.
ولن ننسى اتصاله اليومي أو شبه اليومي بنا ليسمع أخبارنا وينظر في حاجتنا ومشاكلنا ومسائلنا الشرعية .
ولن ننسى دعاءه لنا في السر والعلن من فوق منبره وفي دروسه ومحاضراته وفي قيامه وسجوده .
ولن ننسى ما أخبرنا به طلابه أنه كان من شدة اهتمامه بقضيتنا ، كان يقرأ على طلابه في المسجد الأخبار التي ننشرها في موقعنا ثم يختم بالدعاء لنا .
ولن ننسى أنه هو أول من أفتى بوجوب مناصرتنا ، وأول من وضح الرؤيا للناس عن أوضاعنا ومدى شرعية جهادنا ، ولقد كان لفتواه تلك بالغ الأثر حيث تتابعت علينا بعد فتواه النصرة والمؤازرة .
وإن ينس الناس ذلك كله أو يجهلونه فإننا لن ننسى مواقف الشيخ في قضايا المسلمين جميعها .
وهو الذي خصص من وقته كل أسبوع ساعة أو أكثر لقيادة المجاهدين في البوسنة، فكان يفتي لهم وينظر حاجتهم ويسمع أخبارهم ويستبشر بها وينشرها ، وقد حدثونا عن موقف له لا ننساه وهو أن قيادة المجاهدين في البوسنة سألوه عن حكم القتل خطأ وماذا يجب على القاتل وبعد الإجابة قال : أما دية المقتول فعلي وسأرسلها لكم إن شاء الله .
وله قبل ذلك مواقف مشرفة مع جهاد إخواننا في أفغانستان فمن إفتاء بدعمهم ومناصرتهم بكل طريقة ، ومناصحة للقادة واهتمام بشؤونهم ، إلى عمل دائم يترجم فيه اهتمامه بقضايا المسلمين .
ولم يكن الشيخ بعيداً عن ” أرتيريا ” و” الفلبين ” لا بماله ولا فتواه ولا جهوده .
هذا هو الجانب الجهادي من حياة الشيخ الذي قد يخفي على الناس .
فإن كان الناس لا يعرفون جهود الشيخ هذه ، فمعهم عذر فإن الشيخ علم في الزهد والورع والاستخفاء بالأعمال ، فقد أقبلت إليه الدنيا وأدبر عنها والكل يعرف هذا عنه رحمه الله .
ولو أردنا استيعاب مواقفه المشرفة رحمه الله مع قضايا الجهاد لطال بنا المقام ، فكيف لو أنا تحدثنا عن علم الشيخ ودعوته ودروسه وإنفاقه ونصحه للناس وإفتائه ومنهجه وطريقته وزهده وورعه و.. و .. إلخ . ..)) .
مزاحه
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقّاً ، وكان الشيخ ابن عثيمين رحمه الله مرحاً حلو المداعبة ، وكان ذلك مما يضفي جوّاً مريحاً على الطلبة أثناء تحصيلهم العلم والجد في طلبه ، وله في ذلك مواقف منها :
أنه جاءه عامي – أثناء درسه في الحرم ، وهو جالس على كرسيه -من خلفه ، والشيخ يشرح ويدرِّس فقرب هذا العامي من الشيخ وتخطى الرقاب حتى وصل إلى الشيخ من خلفه، فكأنه أرعب الشيخ قليلاً لأنه جاءه من الخلف .
قال العامي : عندي سؤال يا شيخ !!!
قال الشيخ : ” وراك – لماذا – تسورتَ المحراب ” ؟؟؟ – أو كلمة نحوها – !
ثم أصر العامي على السؤال ، ولم يعرف طبيعة الدرس ، والشيخ يمازحه ويلاطفه ويمتنع عن الإجابة !
فلما أصرَّ العامي : توجَّه الشيخ للطلبة وقال : هل تسمحون له بالسؤال ؟
فكلهم أجاب : نعم نسمح !
فسأل العامي – وأجاب الشيخ – وانصرف .
قصة طريفة مع الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
المكان : مكة المكرمة .
الوقت : قبل وفاة الشيخ ابن باز رحمه الله .
الشخصيات : الشيخ ابن عثيمين ، وسائق تاكسي .
= صلَّى الشيخ ابن عثيمين في الحرم المكي ، وأراد بعد خروجه من الحرم الذهاب إلى مكان يحتاج الذهاب إليه إلى سيارة .
= أوقف الشيخ ابن عثيمين سيارة تاكسي ، وصعد معه .
= وفي الطريق ، أراد السائق التعرف على الراكب !
= السائق : من الشيخ ؟
= الشيخ : محمد بن عثيمين !
= السائق : الشيخ ؟؟؟؟ – وظن أن الشيخ يكذب عليه ، إذ لم يخطر بباله أن يركب معه مثل الشيخ- .
= الشيخ : نعم ، الشيخ !
= السائق يهز رأسه متعجبا من هذه الجرأة في تقمص شخصية الشيخ !
= الشيخ ابن عثيمين : من الأخ ؟
= السائق : الشيخ عبد العزيز بن باز !!!!!!!!!!
فضحك الشيخ .
= الشيخ : أنت الشيخ عبد العزيز بن باز ؟؟؟!!!
= السائق : ” إذن هل أنتَ الشيخ ابن عثيمين ” ؟؟؟
= الشيخ : لكن الشيخ عبد العزيز ضرير ، ولا يسوق سيارة !!
ثم تأكد للسائق أنه هو الشيخ حفظه الله ، ووقع في إحراج .
وفي قصة طريفة حصلت بيني وبين الشيخ رحمه الله في حج العام المنصرم : أنني حججتُ عن طريق الطائرة ، فتوقفت الطائرة في المدينة لتباشر بعدها مسيرتها إلى ” جدة ” وبين مطار المدينة والميقات مسافة قريبة .
وكنتُ في ذلك اليوم متعباً جدّاً ، وكنتُ حريصاً على أن تكون نية إحرامي فوق الميقات بالضبط ! لكنني لم أستطع ذلك ونمت ! حتى مرَّت الطائرة على الميقات ولم أنو الإحرام !
فاستيقظتُ بعده بقليل وعلمتُ أننا مررنا على الميقات فسارعتُ إلى النية !
ثم قدَّر الله تعالى أن ألتقي بالشيخ رحمه الله في ” العزيزية ” بعد درس الظهر في أحد مساجدها ، فتبعتُ الشيخ وكان وحده – تقريباً – فأخذتُ أشرح له ما حصل معي .
فقال الشيخ : كان الأصل أن تحرم حتى لو قبل الميقات بقليل ، وقد نبهنا على ذلك للمسافرين بالطائرة .
فقلتُ : إنني أحببتُ أن أحرم من فوق الميقات بالضبط لظني أنه لا بدَّ من ذلك .
قال الشيخ : لا ، الأمر بالنسبة للطائرة يختلف ، ويجوز قبل الميقات بقليل للاحتياط ولعدم ضبط ذلك في الجو كما هو الأمر في البر .
فقلتُ للشيخ : وماذا عليَّ الآن ؟
فقال الشيخ : عليك شاة تذبحها هنا وتوزعها على فقراء مكة !
قلت – ممازحاً الشيخ – : ألا يكفيني يا شيخ ” سجود السهو ” !! عن خطئي ذاك ؟!!
فضحك الشيخ رحمه الله – وعرف أنني غير جاد بقولي ذاك – وقال : لا ، سجود سهوك ! أن تذبح شاة وتوزعها على فقراء مكة !
رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته .
تنظيمه للوقت
والشيخ رحمه الله يعد من نوادر العصر في هذا الأمر ، فلو علمتَ مشاغله ومناصبه لقلتَ إن هذا يحتاج إلى ضعف وقت اليوم ليقوم بأعماله !
لكن الله تعالى وفق الشيخ وبارك في وقته ، وكم سمعنا ساعته تصدر صوتاً في الوقت المعيَّن لانتهاء الدرس ليبدأ بعدها بالأسئلة !
وحياته عجيبة وهي مثال للمسلم الحريص على وقته ، فهو يؤم المصلين ويدرس في المسجد ويدرس في الجامعة ويخطب الجمعة ، ويجيب على أسئلة الناس على الهاتف ويلبي دعوة الناس في أفراحهم ، ومناسباتهم ، ويحضر في ” الرياض ” اجتماع ” هيئة كبار العلماء ” ويشرف على سكن الطلاب ويزورهم هناك ويجلس معهم ، ويقوم بإلقاء المحاضرات على الهاتف ، ويجيب على أسئلة المراسلين له الكتابيَّة ، ويسجِّل حلقات في الإذاعة ، هذا عدا عن قيامه بواجب أهله ، ومناصحته لأهل المسئولية وغيرهم .
وعن برنامجه اليومي قال ابنه إبراهيم :
إن الوالد – رحمه الله – كان عادة ما يستيقظ قبل صلاة الفجر ويوتر ثم يصلي الفجر ويرجع إلى البيت ويرتاح قليلاً ، ثم بعد ذلك يبدأ اليوم إذا كان عنده محاضرة استعد لها ، وإلا جلس للكتابة والرد على مكالمات السائلين حتى وقت الظهر ، ثم يذهب للمسجد لصلاة الظهر ، ثم يرجع للبيت مرة ثانية لمكتبته حتى يحين وقت الغداء ، وهي الفرصة التي يلتقي فيها بأبنائه ! وحتى في هذه اللحظة يضع التليفون بالقرب منه لمباشرة الرد على الأسئلة ، ثم بعد الغداء يجلس ويرد على التليفون ثم يذهب لصلاة العصر ويجلس بعدها بالمسجد قليلاً ، حيث يلتقي غالباً ببعض أهل القضايا والحاجات، ثم يعود للبيت ويجلس بالمكتبة حتى صلاة المغرب ، ثم يذهب لصلاة المغرب ليبدأ بعدها الدرس إلى العشاء ، ثم بعد صلاة العشاء يعود للبيت ، ودائماً ما يكون لديه برنامج بعد العشاء وحتى حوالي التاسعة والنصف إما خارج ” عنيزة ” أو عبر التليفون أي في بلدان المملكة أو أحيانا خارج المملكة في هولندا وألمانيا وكثير من الدول ، فيكون على اتصال بالمراكز هناك ، ويقوم بإلقاء محاضرة ربما امتدت لساعة عبر التليفون ، ثم بعدها يجلس إلى القراءة حتى حوالي الحادية عشرة .
هذا هو يومه العادي .أ.هـ
ومن حرص الشيخ على تنظيم وقته فإنه كان لا يخلط وقتاً بوقت ، فوقت الدرس ليس هو وقت الأسئلة ، ووقت القراءة ليس هو وقت الإجابة على الأسئلة ، وهكذا .
وقد حدَّث الشيخ عثمان الخميس – أحد تلامذته – عن هذا فقال :
إن الشيخ العثيمين – رحمه الله – كان شديد الحرص على استغلال وقته ، فكان يسمح للطلبة أن يقرءوا عليه الكتب ويستفتوا أثناء ذهابه إلى منـزله من المسجد ، فيما إنه لا يسمح أبداً بسؤاله أثناء خروجه من بيته إلى المسجد لأنه وقت استغفاره وذكره ومراجعته لكتاب الله !!.
مرض الشيخ
قال أحد أبناء الشيخ رحمه الله وهو عبد الله الصالح العثيمين :
لقد جاء اكتشاف مرض الشيخ – رحمه الله – متأخراً ، وكان اكتشافه أول الأمر في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني ، وقد قام المستشفى – إدارة ومختصين – بما يُشكرون عليه من عناية ، ثم أجريت له فحوصات أخرى في مستشفى الملك فيصل التخصصي ، ونال من إدارته والمختصين به كل عناية ورعاية ، فجزى الله الجميعَ في المستشفيين خير الجزاء ، وقد اختلفت آراء الأطباء سواء من كشفوا عليه أو من اطلعوا على التقارير عنه ، واستشيروا حولها في طريقة علاجه ، فكان منهم من رأى علاجه بالأشعة والكيماوي ، ومنهم من لم ير ذلك ، وفي تلك الظروف كان الشيخ محمد متردداً لِما رآه من اختلاف وجهات نظر الأطباء ، ولمزيد من الاطمئنان – تشخيصا وعلاجا – جاءت مشورة ولاة الأمر في هذا الوطن له كي يسافر إلى أمريكا ، حفظهم الله ورعاهم وجزاهم أفضل ما يجزي به عباده الصالحين على ما أبدوه تجاهه من عطف وما قاموا به من رعاية ، وقد أكدت الفحوصات هناك ما تُوصل إليه من تشخيص في المملكة ، واستقر الرأي الطبي على أن يعالج مدةً بالأشعة ، مع جرعات مخففة بالكيماوي ، ثم يبدأ العلاج بالكيماوي وحده ، وسُرَّ الشيخ محمد بذلك ، وقدم إلى الوطن ليبدأ في مستشفى الملك فيصل التخصصي ما استقر الرأي الطبي عليه ، [ وعولج ] بالأشعة فعلا ، على أن الأطباء رأوا أخيراً أن سلبيات علاجه بالكيماوي أوضح من إيجابياته ، ففضلوا عدم علاجه به، وقبِل الشيخ ما فضَّلوه.
كتبه في جريدة الجزيرة – الطبعة الأولى – محليــات الخميس 23 ،شوال 1421 ، العدد10339
الدرس الأخير للشيخ رحمه الله في الحرم المكي
قال بعض إخواني الشباب ممن حضروا ذلك الدرس:
الدرس الأخير لفقيد الأمة وفقيد العلم في الحرم كان درس العبرات ..!! كنت ممن استمع إلى درسه الأخير – قدس الله روحه – في ليلة الثلاثاء المتمم للثلاثين من رمضان لهذا العام 1421هـ .
وكان لحضور هذا الدرس أهمية في نفسي لسببين :
أولهما :أنه قبل ذلك اليوم بيومين أخذ المرجفون يشيعون بالهاتف والإنترنت خبراً كاذباً عن وفاة الشيخ – قدس الله روحه – فنكذّب الخبر بصفتنا قد استمعنا للدرس في الحرم .
والثاني : أننا نعلم حقيقة ما ألـمَّ بالشيخ من داء عضال ، أجمع الأطباء قديما وحديثا على أن من وصلت حالته إلى ما وصلت إليه حالة الشيخ قد أصبحت أيامه معدودة إلا أن يشاء الله شيئاً …
وكان صوت الشيخ – قدس الله روحه – يشير [ لما ] وصلت إليه حاله من تدهور في الصحة العامة ، ونحول شديد في جسمه نقله عنه كل من رآه ، لا سيما وأن مرض السرطان – أجارنا الله وإياكم – معروف عنه أنه يسبب آلاماً رهيبة ومبرحة للمصاب به لا يمكن التغلب عليها إلا بجرعات كثيرة من دواء مخدر ( كالمورفين )، ولا أشك في أن الشيخ – قدس الله روحه – وكما سمعنا أيضا – قد رفض تعاطي ذلك الدواء وآثر الاحتساب فعلى الله أجره ولله الأمر من قبل ومن بعد .. كنت أستشف من خلال صوت الشيخ مقدار ما يعانيه ، ولكنه كان مصرّاً على إلقاء درسه كالعادة حتى لو لم يستمر إلا ثلث ساعة أو أقل من ذلك ، [ وعندما ] تشتد وطأة المرض عليه يغيب عن الحرم .. وقد افتقدناه حوالي أربعة أيام من الشهر لشدة ما ألم به ، ثم عاد ونحن بين خوف ورجاء .. كان درس ليلة الثلاثين درساً عجيباً مفرحاً ومحزناً اختلطت فيه الفرحة بالخوف ، واختنقت فيه العبرات ..!!
كانت الفرحة بسماع صوت الشيخ المُتعب وتمثل الفرح في أنني تأكدت من كذب خبر وفاته المشاع يومها ..
بدأ الشيخ بالحديث بصوت أثقلته الآلام ، فتحدث عن العيد وأن الله سبحانه وتعالى جعل للمسلمين ثلاثة أعياد – الأضحى والفطر والجمعة – حق للمسلمين أن يفرحوا فيها بما أنعم الله عليهم من توفيق للأعمال الصالحة ، وفصّل فيها قليلا ، ثم انتقل إلى الإجابة على الأسئلة ..
وقد أطال الشيخ – قدس الله روحه – درسه تلك الليلة على غير ما اعتدناه في هذه السنة من اختصار حتى أن الدرس في الأيام السابقة لذلك اليوم ربما لم يكد يستغرق العشرين دقيقة ، إلا أن الدرس الأخير أخذ أكثر من خمس وثلاثين دقيقة أجاب فيه – قدس الله روحه – على أسئلة كثيرة..!!
ثم اقتربت النهاية ، وتسارعت الأنفاس ، واضطربت نبضات القلوب خوفاً من أن هذا الدرس ربما يكون آخر العهد بشيخنا الحبيب الذي طالما ارتوينا من معينه ، واستنرنا بنور علمه وفقهه !!
لا أدري كيف كان حال من حولي حيث أخذت أتخيل أننا ربما لا نلقى حبيبنا بعد عامنا هذا بل بعد درسنا هذا !!
لا أدري عما كانت آخر الفتاوى لانشغال الفكر بالتفكير في أن هذا ربما كان آخر العهد ، ولكن سرعان ما انتبهت على انتهاء الأسئلة وقال الشيخ بعدها قولة حُفرت في الذاكرة !!
نعم لا زلت أذكر آخر كلمات نطق بها الشيخ فأوشك على البكاء وأبكى من استمع له ..!!
قال الشيخ بصوته المتعب : وحيث أن هذه الليلة هي ليلة الثلاثين من رمضان فسيكون هذا آخر درس لهذا العام !!
يا للهول آخر درس !!! لقد قال الشيخ : آخر درس ؟؟!! نعم قالها ، ولكن قال بعدها وخنقته العبرة: لهذا العام ، ولكن كان لسان الحال يقول : بل آخر درس إلى الأبد ..!!!
كان صوت لسان الحال أعلى من ذلك الصوت المثقل بالآلام فكأن الشيخ لم يقل : لهذا العام ، وكأننا ما سمعناه قال إلا : آخر درس إلى الأبد !!!
إنا لله وإنا إليه راجعون ..اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها !!
نعم والله ..كان هذا ما شعرت به وشعر به من حضر ذلك الدرس الذي لا يُنسى أبد الدهر ..!!
حتى لقد رأيتُ من نقل عن الشيخ – قدس الله روحه – قوله هذا ( آخر درس لهذا العام ) ، ولكن الناقل قد أسقط الكلمة الأخيرة وما قال إلا ( آخر درس ) !! ولا أشك في أنه لقي ما لقينا ونقل عن الفقيد ما قال لسان الحال لا ما قال هو ..!!
إنا لله وإنا إليه راجعون ..اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها !! أعظم الله أجرنا وأجركم في فقيد الأمة وفقيد العلم والعلماء ..
على مثل ابن العثيمين فلتبك البواكي ..
لعمــرك ما الـرزية فــقـد مال ولا شـاة تـموت ولا بـعيــر
تحدث الدكتور ” عامر رضوي ” عن آخر ساعة في حياة فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين بأنه كان يقرأ القرآن الكريم ، ثم دخل في غيبوبة وبعدها بساعة انتقل إلى جوار ربه الكريم.
وقد وصف د. رضوي – الطبيب المعالج – الأيام التي قضاها بجوار الشيخ بأنه كان يحس بالألم لمرض الشيخ وأنه يتعامل معه مثلما يتعامل الابن مع أبيه ، وقال : وكنت أدعو الله له بالشفاء ولكن قدر الله كان أسرع .
وذكر د. رضوي بأن الشيخ رحمه الله كان قليل الكلام ، كثير الحمد والاستغفار ، وقد سمعه يقرأ سورة الفاتحة وفي مرات أخرى كان يتمتم لصعوبة حالته الصحية وعندما سأل أبناءه عن ما يتمتم به الشيخ ذكروا بأنه يقرأ القرآن .
وعن الموجودين مع فضيلة الشيخ لحظة وفاته ذكر الدكتور رضوي بأن جميع أبناء الشيخ كانوا موجودين معه بالإضافة إلى أقاربه.
وعن دخول الشيخ في حالة الغيبوبة وشعور أقارب الشيخ ذكر د. رضوي أن أبناءه كانوا محتسبين وصابرين وراضين بقضاء الله وقدره.
وعن إعلانه لحالة الوفاة وأثرها على أقارب الشيخ يقول د. رضوي : الرسول صلى الله عليه وسلم بكي على ابنه إبراهيم فما بالك بأبناء الشيخ وهم مع أبيهم إلا أنهم كانوا صابرين محتسبين الأجر عند الله ولم أشاهد منهم أي تصرف غير طبيعي سوى دموعهم التي أعتقد أن العالم الإسلامي ذرفها معهم على فقد عالم من علماء الدين .
وعن الحالة الطبية والمرض الذي كان يعاني منه فقيد الأمة أبدى د.رضوي عدم ترحيبه بالإجابة على هذا السؤال واكتفى بالقول : هذه أمانة طبية ومن حق أبنائه فقط التصريح بمثل هذه الأمور أما أنا فأعتقد أنه ليس من حقي أن أكتشف حالة الشيخ من منطلق الأمانة على أسرار مرضاي .
جنازة الشيخ
قال بعض إخواننا الذي حضورا جنازة الشيخ – رحمه الله – :
هكذا كان مشهد الرحيل ……… الذي ودعنا فيه شيخنا ابن عثيمين رحمة الله تعالى عليه ليبدأ فيه رحلة الدار الآخرة .
لقد كان مشهداً يبعث على الرهبة والإجلال لذلك العالم الفذ الذي ملأ الدنيا بعلمه مسموعاً ومرئيّاً ومقروءاً .
آه ! لو رأيت تلك الجموع التي توافدت من كل صوب لتحضر الصلاة والدفن على شيخنا الجليل …. وجوه واجمة حزينة تتعجل وصولها إلى الحرم منذ وقت مبكر …….. غص الحرم على غير عادته في مثل هذا الوقت فالصلاة صلاة عصر وليس موسم إجازة ، بل هو موسم اختبارات ومع ذلك فقد كنت تشعر أن المسجد الحرام قد امتلأ بالمصلين ……… وتتيقن تماما حينما تجد الأعناق تشرئب لتنظر إلى ذلك المسجى أَمام الإمام ، فقد وضعت الجنازة منذ الساعة الثالثة تقريباً تحت حراسة مكثفة – وليس لهم سبيل أن يضعوها إلا في ذلك الوقت فقد كان الحرم يغص غصّاً بالناس – وما عدت ترى في الصحن إلا شباباً ، وتوقفت حركة المطاف نهائيّاً ، وما أن انتهت صلاة العصر وتقدم بالجنازة ليصلي عليها إمام الحرم – حفظه الله – ونادى المنادي ” الصلاة على الأموات يرحمكم الله “ حتى تحس كأن القلوب انخلعت من أماكنها ، وسرى خشوع عجيب ، وصمت رهيب ، لا تكاد ترى أحداً لم يقم ولم يصل ……… فقد كان الحديث عن الجنازة يملأ أرجاء الحرم قبل الأذان وبعده .
وصُلِّي عليه رحمه الله تعالى ، وما أن فرغ الإمام من الصلاة عليه حتى تسابقت الجموع لحمله ……….. أنى لك يا ” نور ” – كاتب المقال – أن تصل إليه فتحمله ، [ هناك ] مئاتٌ كلٌّ يريد حمل ذلك الجثمان رحمة الله تعالى عليه ، وانطُلق به إلى مقبرة ” العدل “ بسيارة إسعاف من طريق خاص حيث قد أغلقت الطرق ولا تستطيع أن تصل إلى المقبرة إلا عن طريق طويل ، والجموع قد سبقت بالسيارات ، وجموع منتظرة في المقبرة ، لفيف عظيم من كل المستويات : علماء ، وطلبة علم، وعوام ، غصت بهم مقبرة ” العدل “ بمكة المكرمة ، وازدحمت الشوارع المحيطة بالمقبرة بسياراتهم ولك أن تتخيل ذلك الجو الكئيب الذي سيطر على الجميع ، فلا تكاد تسمع إلا ” أحسن الله عزاءنا في شيخنا ، وعوض الأمة خيراً في فقده ” .
حفر له قبره ، ولحُـِّد ، وأهيل التراب عليه رحمة الله تعالى عليه ، ولم تستطع قوات الطوارئ الكثيفة المتواجدة بالمقبرة أن تمنع الشباب [ من ] أن يصلوا إلى قبر الشيخ ، فقد غلبتهم كثرة الناس فما عاد لهم إلا أن يقفوا مع الواقفين ، ووقفت تلك الجموع في رهبة عظيمة ترفع أيديها لمولاها أن يسبغ على الشيخ واسع رحمته وأن يسكنه فسيح جنته ، فلم تعد تسمع إلا همهمة دعاء وابتهال متضرع وسؤال خاشع يسألون له الرحمة .
وما انتهت مراسم الدفن إلا في الساعة الخامسة والنصف عصراً من زحمة الناس .
هنيئاً لذلك الجثمان الطاهر الذي عاش لأجل غيره فعاش كبيراً ومات كبيراً .
اختفى عن الأنظار لكنه لم يتزحزح من القلوب ….. بقيت كلماته مدوية في الآذان وعلمه مبسوط للناس وما مات من كان ذلك شأنه مثل الشيخ ابن عثيمين يفرح له فقد قدم للإسلام الشيء الكثير وشهد له البشر بالخير والعلم والفضل والبذل لا ينكر ذلك إلا حاقد ………. وعلى أمثالنا فلتبك البواكي ……… رحمة الله تعالى عليك فقد كنت لنا جميعا نعم الأب والمعلم . أ.هـ
بيان الديوان الملكي بوفاة الشيخ – رحمه الله –
انتقل إلى رحمة الله تعالى مساء أمس في جدة فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين عضو هيئة كبار العلماء اثر مرض عانى منه طويلا وسيصلى عليه في المسجد الحرام بعد صلاة عصر اليوم “الخميس” الموافق 16/10/1421هـ إن شاء الله ومن ثم يوارى الثرى بمكة المكرمة. نسأل الله جل وعلا أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته ويسكنه فسيح جنته ، وأن يلهم أسرته وذويه الصبر ويجزل لهم الأجر ويعوض المسلمين بفقده خيراً ، والحمد لله على قضائه وقدره. إنا لله وإنا إليه راجعون .
ما حصل عند تغسيل الشيخ
ذكر المغسلون الذين قاموا بتغسيل الشيخ رحمه الله وتكفينه انهم شاهدوا نورا وبشاشة في الوجه وسهوله في التغسيل ، حتى أن المغسلين تفاجئوا من نظافة الشيخ عندما أتوا به وكانوا يعتقدون أنه قد غسل قبل مجيئه ، وبسبب ارتخاء في الفكين كان فم الشيخ مفتوحا ظاهرة أسنانه وكأنه مبتسم فحاول ابنه عبد الرحمن قفل فم الشيخ لمدة نصف ساعة ومع ذلك لم يستطيعوا .. ولعل هذا بإذن الله من المبشرات ومن علامة حسن الخاتمة وهذا ما نرجوه للشيخ غفر الله له ولنا ولوالدينا ولجميع المسلمين . اللهم آمين .
ذكرت هذه الحادثة في مجلة ” الدعوة ” عدد رقم ( 1766 ) .
رؤى في الشيخ
روى أحد طلاب الشيخ ابن عثيمين وهو فضيلة الشيخ عبد العزيز بن فوزان الفوزان عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام معهد القضاء العالي والمدرس حالياً في معهد العلوم الإسلامية في أمريكا رؤيا رآها في الشيخ رحمه الله ، حيث قال في خطبة صلاة الجمعة في أمريكا – نقلها بعض الإخوة ممن سمع الخطبة – :
رأيتُ أنني ذهبت إلى منـزل الشيخ المعروف في ” عنيزة ” كعادتي ورأيت منـزلا غير الذي أعرفه ؛ رأيت قصراً ضخماً لا أستطيع أن أصف لكم ما به من زينه وجمال ؛ لأنه يفوق ما نعرفه ، ودخلت القصر ورأيت الشيخ أمامي في أحسن حال وأجمل صورة ، أطول من قامته المعروفة ، وفي صحة كاملة فرحب بي فجعلت أبكي وأقبِّله عن يمينه وشماله حتى هدأ روعي ، ثم أخذني وخرجنا من القصر وإذ أنا أمام الحرم المكي ؛ الناس تصلي وإذا بمجنـزرات ضخمة لم تُصنع حتى الآن تهدم البيوت المجاورة للحرم الشريف من أجل توسعة الحرم ، ثم دخلنا القصر وذهبنا إلى المجلس فوالله لا ترى آخره وفيه من النمارق والفرش والزينة مالا يتخيله أحد ، ثم ذهبت أقضي حاجةً للشيخ طلبها لنفسه ، ومن حبي للشيخ ترنمت بأبيات أمدحه فيها ، وإذ هو يسمعني فضحك .
فتنبهت من نومي ، وسألتُ أهل العلم في هذا الحلم فأفادوا : أن الشيخ إن شاء الله وجد من الله الجزاء الحسن ، وأن التوسعة حول الحرم إنما يدل على انتشار الإسلام في جميع أنحاء العالم .
هذا ما سمعته بأذني من الشيخ في خطبة الجمعة 12 يناير رحمه الله شيخنا ابن عثيمين وأسكنه فسيح جناته، وغفر الله لشيخنا عبد العزيز الفوزان وأطال الله في عمره .أ.هـ
مقال كتبته قبل وفاة الشيخ
وقد كتبتُ مقالاً قبل وفاة الشيخ بنحو ستة أشهر – وذلك لما ذهب الشيخ – رحمه الله – للعلاج في ” أمريكا ” – ، أرى أن فيه فائدة أجعله في أواخر كتابتي هذه :
” أعَلَى مثل مشايخنا : ابن باز والألباني وابن عثيمين نبكي ؟ فلنبكِ على أنفسنا ” !
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
فإن كان منَّا بكاء فليكن على أنفسنا ، لا على مشايخنا وأئمتنا ؛ ذلك أنهم لقوا ربهم وقد قدموا لأنفسهم ما يفرحون به .
1. فالشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مات وقد نصر العقيدة السلفية ، وبيَّن المنهج الحق الواضح ، وألَّف عشرات الرسائل ، وأفتى آلاف الفتاوى ، وله مئات الأشرطة العلمية النافعة ، مات وقد حج أكثر من خمسين حجة وأضعافها من العُمَر ، ومئات الطلبة النابغين النابهين ، مات وأمامه شفاعات شفع فيها لمستحقيها ، وأموال قدَّمها لمحتاجيها ، وعمل خير لا يمكن إحصاؤه ها هنا .
أمثل هذا يُبكَى عليه ؟؟
2. وشيخنا الألبانيرحمه الله نصرَ السنة ، وقمع البدعة ، وأوضح المحجة ، وبيَّن صحيح السنَّة مِن ضعيفها ، وألان للناس الحديث ، وله عشرات الكتب النافعة ، وآلاف الأشرطة العلمية الشرعية .
أمثل هذا يُبكَى عليه ؟؟
3. وهذا رفيق دربهم وثالث أئمتنا الشيخ ابن عثيمين ، يلقى ربه – إن شاء الله – ولم يترك فنّاً إلا وشرحه وبيَّنه ، وله آلاف الفتاوى والأشرطة ، ومئات الطلبة بل آلاف منهم من تتلمذ عليه مباشرة ومنهم من تتلمذ على أشرطته ، ألان للناس الفقه ، فقرأ الناس الفقه وفهموه بعد كان لا يجرؤ عليه إلا الخاصَّة .
يموت الشيخ وهو صاحب همَّة عالية ، لم يمنعه مرض من إفتاء ، ودروس ، وخطبة جمعة ، لم يبع دينه بعرض من الدنيا ، أتته الدنيا وهي راغمة فركلها برجله ، وُهبت له أبنيةٌ فجعلها وقفاً على طلبة العلم، وأُعطي الأموال الطائلة فجعلها للنفقة عليهم ، أفتى ودرَّس الطلبة والمعتمرين والحجاج ، لم تأت عليه سنة إلا وفيها عدة عُمَرٍ وحجة ، كان فيها العابد والمعلِّم والمربِّي والمنفق في سبيل الله .
أمثلُ هذا يُبكَى عليه ؟؟
إخواني :
إنما يُبكى على من مات مقصِّراً لاهياً تاركاً أمر الله ، أما من مات على عقيدة صحيحة ، ومنهج صحيح ، وتعليم وتوجيه وتربية : فهنيئاً له هذه الميتة مع كثرة فتن هذا الزمان .
أسألكم بالله ألا تحبون أن تموتوا على مات عليه هؤلاء الأئمة ؟؟
فلم لا نعمل عملهم ؟ ولا نقدم لأنفسنا مثل ما قدَّموا ؟؟
وإنه وإن في القلب لوعة وحسرة على فقدان أئمة الهدى ، فإن فيه فرحاً بأنهم يقدمون على ربٍّ غفور رحيم كريم ، أسأله سبحانه أن يجزل لهم المثوبة وأن يسكنهم الفردوس ، وأن يبدلنا خيراً منهم، وأن يلحقنا بهم على خير .
والحمد لله أولاً وآخراً
أ.هـ
أخيراً
هذا ، والوقفات في حياة الشيخ – رحمه الله – كثيرة ، وإني أدعو تلامذته والمقربين منه أن يقدِّموا للأمة مثل هذه الوقفات التي تربي الشباب على تطبيق الإسلام عمليّاً، وتقدِّم للشباب أنموذجاً من العلماء العاملين ، وأن لا يكتفوا بالمدح والثناء المجرد غاضين الطرف عن المواقف الجليلة في حياة الشيخ ، فقد كان – بحق – ” أمَّة في رجل ” .
ولا عجب إذا عرفتَ أن هذه بعض جوانب من حياة الشيخ – رحمه الله – وعرفتَ بعدها أنه كان يقول : ” اللهم إني أحب لقاءكَ فأحِبَّ لقائي “! وقوله : ” إني مشتاق إلى ربي ” !!
رحل الشيخ ورحل معه ما يفرحه أن يجده أمامه ، فهل يكون الشيخ لنا قدوة صالحة في علمه وعمله وأخلاقه ؟.
أرجو ذلك ، والله الموفق لا ربَّ سواه
ملاحظة :
استفدت بعض ما سبق من مقالات كتبت في الإنترنت نقلاً عن أصحابها سواء كانوا أبناء الشيخ أو تلامذته .
كتبه :
أبو طارق
إحسان بن محمد بن عايش العتيـبي
إربد – بيت راس
17 شوال 1421 هـ
12 / 1 / 2001 م
الفهرست
الموضوع
الصفحة
مقدمة
1
اسمه ومولده
2
علمه
2
زهده وإنفاقه
2
تعليمه
4
حادثة تبين عظيم حرص الشيخ على التعليم رغم مرضه في الليلة الأخيرة من رمضان
6
رعايته لتلامذته
7
مواقف طريفة مع بعض تلامذته
7
تنوع طرق تعليمه
9
التأليف
10
توقيره لأهل العلم
11
رؤيا عجيبة في الشيخ الألباني وموقف الشيخ ابن عثيمين منها
12
عبادته
12
نجدته وفزعته ، وفيها قصة عجيبة
13
نجدته لبعض طلبته المحتاجين
16
خُلُقه ودينه
17
أ. كراهيته للمدح
17
ب. صبره على المدعوِّين
19
ج. كراهيته لحب الظهور
20
د. نماذج من تواضعه
21
اهتمامه بالعالم الإسلامي
22
مواقف للشيخ رحمه الله في الشيشان والبوسنة
22
مزاحه
24
حادثة طريفة جدّاً حصلت للشيخ في مكة المكرمة
25
حادثة طريفة حصلت بيني وبينه – رحمه الله –
26
تنظيمه للوقت
27
مرض الشيخ
28
سفر الشيخ – رحمه الله – إلى أمريكا
29
الدرس الأخير للشيخ – رحمه الله – في الحرم المكي
29
آخر ساعات الشيخ – رحمه الله – كانت مع كتاب الله
32
ما قاله طبيبه الخاص المرافق له حتى وفاته
32
جنازة الشيخ – رحمه الله –
34
بيان من الديوان الملكي في وفاة الشيخ – رحمه الله –
36
ما حصل عند تغسيل الشيخ – رحمه الله –
36
رؤى رؤيتْ في الشيخ – رحمه الله –
36
مقال كتبته قبل وفاة الشيخ – رحمه الله – بنحو ستة أشهر
ما أن كادت دموعنا تجف ، وقلوبنا عن اضطرابها تخف بوفاة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز ؛ حتى فُجعنا بعد عصر 22 / جمادى الأولى / 1420 هـ ، الموافق 2 / 10 / 1999 م بوفاة إمام السنَّة ، وعلم الحديث ، الإمام المحدث شيخنا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله .
وكان لزاماً علينا أن نعرِّف الأمة بشيءٍ من حياته ، وترجمة مختصرة عن أعماله ، لعله أن يكتسب بسببها دعوة مِن محبٍٍّ ، أو عدل من منصف .
اسمه ومولده هو ناصر الدين بن نوح بن نجاتي الألباني ، وقد أضاف إلى اسمه اسم محمد لما في اسمه الذي سمي به من تزكية ، فكان أحق الناس أن يكون ناصر الدين – عنده ، وهو الواقع – هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . وقد ولد في مدينة (( أشقودرة )) في ألبانيا ، سنة 1332 هـ ، الموافق 1914 م ، وقد توفي بعد عمر في هذه الفانية بلغ حوالي 85 سنة .
هجرته واستقراره هاجر هو وأهله من ألبانيا ، وكان عمره آنذاك تسع سنوات ، حفاظاً من والده على دين أهله ، واستقر به المقام في دمشق عاصمة سوريا ، ثم تنقل بين بيروت والإمارات حتى استقر به المقام في عمَّان الأردن ، حيث توفي فيها .
طلبه للعلم كانت بدايته في طلبه للعلم – رحمه الله – مع كتاب الحافظ العراقي (( المغني عن حمل الأسفار )) ، وهو كتاب خرَّج فيه الحافظ العراقي كتاب “إحياء علوم الدين” لأبي حامد الغزالي ، فقام الشيخ الألباني بنقل كتاب العراقي ، وأتم أحاديثه ، وشرح غريبه ، وقد انتفع بهذا الكتاب كثيراً كما قال هو رحمه الله .
وقد كان لمجلة المنار ، وبالأخص مقالات صاحبها محمد رشيد رضا أعظم الأثر في حياة الشيخ رحمه الله للعلم .
جلده في طلب العلم ونذكر في ذلك حادثتين : الأولى : أنه أصيب في عينه أيامه الأولى في الشام ، وطلب منه الطبيب أن يمكث شهراً لا يعمل بمهنة الساعات ، و لا يقرأ شيئاً ! فمكث أياماً ، ثم أصابه الملل ، فطلب من بعض إخوانه أن ينسخ له من المكتبة الظاهرية في دمشق كتاب “ذم الملاهي ” لابن أبي الدنيا . فنسخ الناسخ حتى وصل إلى مكان فيه ورقة ضائعة ، قطعت اتصال الكلام ، فلما أخبر الشيخ بذلك طلب إليه الشيخ أن يستمر بالنسخ . فلما فرغ الناسخ وانتهت مدة العلاج ؛ ذهب الشيخ يبحث عن تلك الورقة الضائعة في المكتبة الظاهرية ، فظل الشيخ ينقب عن تلك الورقة ، فلم يجدها ، وفي تلك الأثناء كان يدون الأحاديث التي يقف عليها في المخطوطات ، حتى دوَّن أكثر من أربعين مجلداً من الأحاديث بخط يده !! وكان عدد المخطوطات آنذلك حوالي عشرة آلاف مخطوطة !! الثانية : وقد بلغت الهمة والجلَد في الشيخ رحمه الله أنه كان ينسى معهما الطعام والشراب ، فكان يأتي إلى مكتبة الظاهرية قبل موظفيها ، ويخرج بعدهم !! ويأتيه أهله بطعام الإفطار ، فيظل على ما هو عليه إلى موعد الغداء ، فيؤخذ طعام الإفطار ويوضع طعام الغداء ! وهكذا مع العَشاء . وقد ظل الشيخ الإمام رحمه الله على هذه الهمة إلى أن توفاه الله ، فإذا كان يعجز عن البحث قرأ ، فإذا عجز عن القراءة قُرِأ عليه . ومن رأى همة الشيخ ونشاطه قبل مرضه الأخير لم يفرق بين أول حياته وبين هذه الأيام . وإذا قيل للشيخ في رحلاته أن يرتاح ، قال : إن راحتي في الكلام والبيان !! لا في السكوت .
رجوعه إلى الحق والشيخ رحمه الله عرف عنه رجوعه إلى الحق ، حتى أصبح متميزاً به ، فكم من حديث صححه وانتشر في الآفاق بسببه ، ولما تبين له ضعفه من بعد الطلبة تراجع عنه بقوة وإنصاف ، ومثال ذلك حديث دخول المنزل (( اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج )) فهو حديث صححه الشيخ ثم تراجع عنه .
وقل الأمر نفسه في المسائل الفقهية العملية ، كما هو الحال في مسألة جماع الزوجة بعد طهرها من الحيض ، حيث كان الشيخ يرى أنه يكتفى بانقطاع الدم دون الغسل ، ثم تراجع عنه إلى قول الجمهور ، وهو عدم جواز الجماع إلا بعد الغسل .
وهذا الأمر – أعني تراجعه إذا تبين له الحق – استغله بعض الجهلة والحساد لبيان أن ذلك من تناقضه ولم يدر هؤلاء أن هذا من أعظم أخلاق الدين ، وقد قل أهله في هذا الزمان ، فكم من إنسان جادل بالباطل من بعد ما تبين له الحق فأصر مستكبراً كأن لم يسمع الحق ؟!!
والشيخ برأه الله من ذلك وكتبه طافحة برجوعه عن أقواله التي تبين فيها خطؤه ملياً ، ولم ينقصه ذلك بل رفعه الله به، ولكن عند المنصفين العقلاء ، وهذا هو المهم، والأهم أنه كان يراقب ربه ولا يهمه ما يقال بعد لك .
تعظيمه لاعتقاد السلف ومنهجهم وقد كان الشيخ رحمه الله من أعظم المدافعين والمنافحين عن دين الله عز وجل في هذا القرن ، حتى عدَّه بعض الأفاضل – وهو الشيخ مقبل الوادعي – من المجدِّدين لهذا الدين ، وقد سلك سبلاً كثيرة في توضيح اعتقاد السلف الصالح والدفاع والذب عنه ، فكان أن أخرج للناس مختصر العلو للذهبي وضمنه تلك المقدمة الماتعة في بيان اعتقاد سلف هذه الأمة ، وبيان زيغ أعدائها وضلالهم .
وكذلك أخرج للناس كتابه (( تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد )) وقد حذر فيه كثيراً من عمل المشركين الذي سرى إلى المسلمين في بناء الأضرحة والمقامات ودعاء الأولياء الأموات ، والذبح والنذر عندها . وأما منهج السلف وفهمهم للكتاب والسنة ، فقد كان رحمه الله من أعظم المتمسكين به في نفسه ، الداعين له من خلال كتبه وأشرطته ، وقد كان قوله تعالى : (( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً )) شعاراً له رحمه الله .
كتبه ومؤلفاته وهي بحمد الله كثيرة نافعة ، ولا يُعلم له رسالة مكررة أو أنه يمكن للباحث أن يستغني عن العلم الذي فيها ، وقد بلغ المطبوع منها أكثر من 40 ما بين تحقيق وتأليف ، وله من المؤلفات المخطوطة في خزانته ما لعله أن يبلغ ضعف هذا العدد .
وقد نفع الله بكتبه كثيراً من الناس ، فنهلوا من علمها واستفادوا من التحقيق الذي فيها ، وإن كان بعضهم سطا عليها سرقة منها دون أن يشير ولو بأدنى إشارة أنها لغيره، ويصدق على هذا قوله تعالى : (( ولا تحسبن الدين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ..)) وينطبق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم : (( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور )) .
ثناء العلماء عليه وقد أثنى عليه أهل العلماء ثناء عطراً ، وهو يستحق أكثر منه ، فقد قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله : (( ما علمت تحت أديم السماء أعلم بالحديث من الشيخ الألباني )) ، وللشيخ محمد بن صالح العثيمين ثناء عليه وقد وصفه بالعلامة المحدث ، وقد أثنى عليه غيرهما ، وقيلت فيه أشعار لطيفة يمكن للقارئ أن ينظرها في كتاب (( حياة الألباني)) لأخينا محمد بن إبراهيم الشيباني .
عداءُ أهل البدعة له لا يحب الألباني إلا صاحب سنَّة ، أو فطرة سليمة ، ولا يبغضه إلا صاحب بدعة ، أو جاهل بقدره ، وقديماً قال السلف : (( من علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر )) .
وقد تكالب على الشيخ رحمه الله أهل البدع والضلال من جميع الطوائف والفرق ، فكان رحمه الله كالطود الشامخ يرد على هذا ، ويفند شبهة هذا ، حتى أتى على بنيانهم من قواعده فخر عليهم السقف من فوقهم .
فتوى الهجرة من فلسطين وقد شنع على شيخنا بعض المشاغبين من أهل الجهل ؛ فراح يُلبس الشيخ رداءً ليس له ، ويحمِّل كلامه ما لم يحتمله ، أو يزوِّر الحقائق التي أتى بها الناس .
وملخص هذه المسألة أن الشيخ رحمه الله سئل عن أناس يعيشون في بلادٍ لا يستطيعون إظهار شعائر دينهم فيها ، فقال لهم الشيخ بوجوب الهجرة إلى بلاد يستطيعون فيها ذلك استدلالاً بقول الله تعالى : (( قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )) وهذا تبكيت من الملائكة لمن ظلَّ بين الكفار أو العصاة فأثر ذلك في دينه فاحتج على فعله بغيره .
ولما سئل الشيخ : هل هذا ينطبق على فلسطين ؟ قال : على كل بلاد الدنيا ، ما الفرق بين فلسطين وغيرها ؟! كما أن مكة أعظم عند الله من فلسطين ، ومع هذا هاجر منها المسلمون وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن الصحابة من هاجر إلى الحبشة وهي بلاد كفر ، لما لم يكن يستطيع إظهار دينه .
فقام وطبل وزمر لهذه الفتوى أهل التطبيل والتزمير من أهل الجهل والضلال وكان ذلك قرب موعد الانتخابات النيابية ، ظنَّاً منه أنه يستطيع استعطاف الناس للحصول على الأصوات !! أما أن تكون القضية قضية دين فلا ، فهو غارقٌ في تصوف بالٍ ، وسادر في جهل فاضح .
والعجب من أولئك المشايخ – وأغلبهم دكاترة في الشريعة – اجتماعهم على تخطئة الشيخ رحمه الله ، ولم نرَ اجتماعهم هذا على تضليل الحبشي مثلاً ، أو على التحذير من فسقٍ أو فجور أو ضلال ، وبعض من وقَّع على ذلك يعتبر من غلاة الأشاعرة ، وبعضهم لا يدرى منهجه أو اعتقاده !! وبعضهم على خير لكن استجر على التوقيع .
والقضية علمية شرعية تكلم فيها الشيخ بعلم وأدلة ، ومن خالف لم يحسن من ذلك شيئاً ، وبعضهم – لغباء أو جهل أو شرود ذهن – ظن أن أهل فلسطين يقفون على الحدود رافعين جوازاتهم ينتظرون فتوى الألباني ليغادروا فلسطين !! والأكثر لا يهمهم دين من بقي بين اليهود ، فتخلق بأخلاقهم وتعودوا على عاداتهم ، فمنهم من زوج ابنته ليهودي !! ومنهم من شكك في كفرهم !!.
والمهم عند هؤلاء ألا يخرج من فلسطين ولو ضيع دينه أي أن المهم ألا تضيع الأرض !!
نشاطه في الدعوات والزيارات العلمية والشيخ رحمه الله من النشيطين في الدعوة إلى الله ، فلم يكن ليكتفي بالتأليف حتى أضاف إليه الخروج إلى الناس وزياراتهم في بلدانهم وقراهم .
فمنذ أن كان بالشام وهو يسافر إلى حلب وحماة وإدلب و غيرها ، وحدثني بعض من كان هناك أن الشيخ كان يأتيهم كل أسبوع على دراجة هوائية ، وكانت المسافة من دمشق إليهم حوالي 45 كيلو متراً !!
وقد سافر الشيخ رحمه الله إلى أسبانيا والكويت والإمارات وقطر وطاف في مناطق المملكة العربية السعودية جميعها تقريباً !!
وكذا أمره عندنا في الأردن ، فما من أحدٍ يدعو الشيخ إلا ويلبي دعوته ويزوره ويلقي عندهم ما يسر الله من العلم النافع ، وكان الشيخ قد شرفني بزيارة إلى بيتي في إربد ، وسجل اللقاء تحت عنوان ” مسائل فقهية ” ، ولم تكن هذه الزيارة هي الأولى له إلى الشمال ، فقد سبقها أخوات لها .
نماذج من أخلاق الشيخ رحمه الله
كراهيته للمدح لم يكن الشيخ رحمه الله يحب أن يمدحه أحد ، وخاصة في وجهه ، وكتبه كلها ليس فيها لفظ (( الشيخ )) قبل اسمه !! وقد مدحه مرة الشيخ محمد إبراهيم شقرة في وجهه فبكى ، ومدحه آخر فبكى وأنكر على من مدحه.
خوفه من الرياء وجاءه مرة بعض إخواننا من بنغلادش – من أهل الحديث – وقالوا للشيخ : إن عددهم حوالي أربعة ملايين وإنهم يودون بزيارة الشيخ لهم هناك ، وقد جهزوا ملعباً يتسع لأعداد كبيرة للقائه والاستماع إليه ، فرفض الشيخ الدعوة . فقال الداعي : إنها أسبوع يا شيخ !! فرفض الشيخ : فأنزل المدة إلى ثلاثة أيام !! فرفض الشيخ فأنزلها إلى يوم واحد !! فرفض الشيخ وبشدة ، فقال الداعي في النهاية : نريد محاضرة وتغادر على نفس الطائرة !! فرفض الشيخ وبشدة أيضاً فتعجب الرجل من رفض الشيخ وكذلك الذين معه ، وانصرف الرجل حزيناً ، فسأل الأخُ أبو ليلى – وهو الذي حدثني بهذه القصة – الشيخَ : لم رفضت يا شيخ ؟ فرد عليه رحمه الله : ألم تسمع ماذا قال ؟ فقال أبو ليلى : وماذا قال يا شيخ ؟ فقال : ألم تسمع قوله إنهم أربعة ملايين !! فتصور أني أحاضر بمثل هذا العدد ، فهل آمن على نفسي من الرياء ؟!! وكان درساً عظيماً من الشيخ لتلاميذه وللناس جميعاً بالبعد عن المواضع المهلكة للداعية .
تفقده لإخوانه = كنا مرة في رحلة معه ، فانتهينا منها في الواحدة ليلاً وكنا في خمس سيارات ، وأنا أقود واحدة منها ، فسبقنا الشيخ ، ففوجئت بأن إطار سيارتي قد ذهب هواؤه ، فأصلحته وقد ذهبتْ السيارات جميعاً ، فما هي إلا لحظات حتى رجع إلينا الشيخ مع السيارات ، وسأل عن سبب التأخر ، فلما رأى السبب علم بالحال ، وكان رحمه الله قد افتقدنا في الطريق ورأى أن سيارة قد نقصت ، فسأل عنها ، فلما لم يُعطَ جواباً رجع من طريقه فرآنا على تلك الحال ، فطلبنا من الشيخ أن يذهب إلى أهله وبيته ونحن نصلح الإطار ، ونلحق بهم ،فأبى رحمه الله إلا أن ينتظرنا لننتهي مما نحن فيه ، وكان ذلك وغادرنا سوياً .
= وحدثني بعض تلامذته أنه كان يتصل بالشيخ كل يوم ، وفي يومٍ من الأيام لم يفعل ذلك، فما هو إلا أن يدق جرس الهاتف ، ويتبين للأخ أنه الشيخ الإمام الألباني !! وأنه افتقد هذا الأخ لعدم اتصاله ، فسارع للسؤال عنه .
= ودخل هذا الأخ نفسه المستشفى لحادث وقع له ، وإذ بالشيخ الإمام يأتي لزيارته في المستشفى !! قال : فأثرت هذه الزيارة فيَّ وفي أهلي الشيء الكثير .
مقابلته الإحسان بالإحسان وكان بعض تجار عمان على علاقة بالشيخ رحمه الله ، قال : ففاجأني الشيخ يوماً بزيارة إلى محلي !! وجاء معه بمجموعة قيمة من الكتب وقدَّمها هدية لي !!
بكاؤه والشيخ رحمه الله – على خلاف ما يظن الكثيرون – رقيق القلب ، غزير الدمع ، فهو لا يُحدَّث بشيء فيه ما يبكي إلا وأجهش في البكاء ، ومن ذلك : أ. حدثته امرأة جزائرية أنها رأته يسأل عن الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم ، فدُلَّ عليه فسار على خطواته لا يخطئها ، فلم يحتمل كلامها ، وأجهش بالبكاء . ب. وفي آخر لقاء لي به رحمه الله ، حدثته عن رؤيا رآها بعض إخواننا ، وهي أنه رأى هذا الأخ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فسأله : إذا أشكل عليَّ شيء في الحديث مَن أسأل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سل محمد ناصر الدين الألباني . فما أن انتهيت من حديثي حتى بكى بكاءً عظيماً ، وهو يردد ” اللهم اجعلني خيراً مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون ” . ج. وحدثه بعض إخواننا عن سب والده للرب والدين – والعياذ بالله – فبكى الشيخ لما سمع من جرأة من ينتسب للدين على بعض هذه القبائح و العظائم في حق الله ، وحكم على والده بأنه مرتد كافر . د. وأخبره بعض إخواننا عن مشكلة حصلت معه، وأنه في ورطة ، فقال الأخ : فما هو إلا أن رأيت الشيخ وقد دمعت عيناه ودعا لي بأن يفرج الله كربي ، فكان ذلك . هـ. وهذا غير ما سبق من بكائه عند مدحه في وجهه .
زوجاته وأولاده تزوج الشيخ الإمام رحمه الله من أربع نسوة : أ . فأنجب من الأولى : عبد الرحمن ، و عبد اللطيف ، و عبد الرزاق . ب . ومن الثانية : عبد المصور ، و عبد المهيمن ، ومحمد ، وعبد الأعلى ، و أنيسة ، و آسية ، و سلامة ، وحسَّانة ، و سكينة . ت . ومن الثالثة : هبة الله . ث . ولم ينجب من الرابعة ، وهي ” أم الفضل ” ، وهي التي ظلت معه إلى آخر أيامه .
مرضه ووفاته وقد أصابت الشيخ أواخر حياته أمراض مؤلمة ، نزل وزنه بسببها إلى أن وصل يوم وفاته إلى أقل من 30 كيلو . وقد أكرمه الله بصفاء ذهنه وعدم تخليط عقله ، وكان يعرف زواره ؛ بعضهم بأسمائهم ، وبعضهم بصورهم وأشكالهم . وقد كان يبذل جهداً كبيراً في الكلام وكان أغلب وقته في الفراش . وكان رحمه الله لا يهدأ في أوقات القدرة عن البحث والمطالعة وإذا لم يستطع ذلك أمر بعض أبنائه أو من عنده بأن يحضر له كتاباً معيناً ويقرأ منه . وهكذا قضى رحمه الله أكثر من ستين سنة بين كتب أهل العلم دراسة وتدريساً ، علماً وتعليماً ، إلى آخر أيام حياته.
فما أحلاها من حياة وما أكرمها من أيام ، وما أجملها من سنوات ، وما أغلاها من لحظات تلك التي قضاها إمامنا وشيخنا غفر الله له ، وألحقنا به على خير .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتبه أبو طارق إحسان بن محمد بن عايش العتيـبي 23 / جمادى الآخر / 1420 هـ 3 / 10 / 1999 م
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فإن مناقب الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كثيرة ، ومِن أعظم هذه المناقب شفاعاته للمحتاجين، والمنكوبين، وبالأخص العلماء، وطلبة العلم . وهذه قصة حقيقية لإحدى أعظم شفاعات الشيخ ، وملخصها: = جاء مجموعة مِن الصوماليين في آخر إحدى الليالي إلى الشيخ (أبو بكر الجزائري) في المدينة النبوية . = وكانوا يبكون ، فهدَّأ الشيخ مِن روعهم وسألهم عن الأمر . = أخبروه أن طاغية الصومال “سياد بري” سينفذ حكم الإعدام بـ (6) من إخواننا طلبة العلم فجراً !! . = وأخبرهم الشيخ أنه لا يملك لهم نفعاً ، ولا يستطيع المساعدة في مثل هذا الأمر . = فأصر الأخوة عليه بالتحرك لعمل أي شيء لمساعدة إخوانهم الذين بقي على إعدامهم ساعات قليلة . = فلم ير الشيخ لهم – مع إصرارهم – إلا اللجوء إلى الإمام الشيخ ابن باز – رحمه الله – . = فأيقظوه مِن نومه قرب الساعة الثانية تقريباً ، وقد علم أنَّ الأمر جدُّ مهم ، وهو الذي نذر حياته لخدمة الإسلام والمسلمين . = وعلم الشيخ بالقصة ، وطمأنهم ، ووعدهم بالتحرك للمساعدة . = اتَّصل الإمام – رحمه الله – بـ (ولي العهد) الأمير عبد الله !! = أعلمه الموظفون أن الأمير نائم في هذه الساعة ، ولا يستطيعون إيقاظه . = فأصر الشيخ الإمام على إيقاظه وأن الأمر مهم ، وأنه سيأتي إليه إن لم يوقظوه . = علم الأمير أن الأمر خطير ، وأن الشيخ الإمام يريد أمراً مهماً ، فاستيقظ وكلمه . = علم الأمير بالقصة ، وطمأن الشيخ أن ينام مرتاحاً ، وأنه سيبذل أقصى ما يستطيع لإنقاذ أولئك الشباب ، والذين تخرج بعضهم من “الجامعة الإسلامية” وهم دعاة على حساب المملكة في الصومال. = فاتصل ولي العهد بالسفير السعودي في الصومال ، ولا زال يجري السفيرُ اتصالاته ، حتى ربط بين ولي العهد والطاغية بري. = كان الوقت حينها قريبا مِن الفجر قرب تنفيذ الحكم ، وما زال ولي العهد يكلم الطاغية شافعا للأخوة ، والطاغية يصر على الرفض، حتى رضخ الطاغية – بتوفيق الله – لشفاعة الأمير . = وكان الطاغية قد أخبر الأمير أنه لا يستطيع إخراجهم وحدهم ، فلم يقبل الأمير عذره ، وكان في إخراجهم فرجاً لباقي المساجين الذين كانوا في التهمة نفسها . = وطلب ولي العهد أن يأتي الشباب إلى المملكة في أقرب فرصة . = فاتصل ولي العهد بالشيخ الإمام وطمأنه أنهم سيخرجون ، وسيكونون خلال أيام عند الشيخ . = فاتصل الشيخ الإمام بأبي بكر الجزائري ، وطمأنه –والأخوة- أنه لن ينفذ حكم الإعدام ، وسيكون هؤلاء الشباب قريباً بين إخوانهم. = فرح الشباب وكبروا وحمدوا الله تعالى ، وشكروا للشيخ الإمام ولولي العهد شفاعتهم . = وما هي إلا أيام إلا والشباب قد خرجوا من سجن الطاغية ، والحمد لله أولا وأخيراً .
قال الله تعالى { ..ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً }.
وُلِد الشيخ محمد بن إبراهيم شقرة في قرية عين كارم من قُرى قضاء القدس، عام 1934م وفيها تَلَقَّى تعليمه الابتدائي، ومنذ طفولته المُبَكِّرة ما عُرِفَ عنه ما عُرِف عن أقرانه من تمَتُّعهم باللعب واللهو، بل كان إذا سُئِل: أين محمد؟ قيل: هو في “العِلِّيَّة” يقرأ القرآن.
ثم عانى في صِباه ما كان من هجمة العدو اليهودي، وشارك مع المجاهدين بما تَيَسَّر له من مَقْدِرَةٍ تُوَافِق سِنَّه حينئذ، ثم كانت مِحنَةُ خروجه من أرضه وبلده وهو في سِنِّ الثالثة عشرة مُهاجراً حتى انتهى به وأهله المَطاف في عمَّان البلقاء ، فكان لذلك كلِّه أثره في صَقْل نفسه، وقوة شكيمته في الحقِّ وما يعتقده.
وعَمِلَ بيديه لكسب القوت مع والده وأعمامه ،يحمل التراب والحجارة بَنَّاءً، نَجَّاراً، وغيرها، مع ما يَكْتَنِفُ ذلك كلِّه من شِدَّةٍ نَفْسِيَّةٍ فَرَضَتْها ظروف الهجرة القَسْرِيَّة، والأوضاع السياسية، وآمال العودة المُبَدَّدَة، وصِغَرِ سنٍّ تَحمَّل معها هَمَّ الرجال، فكان صَقْلاً عظيماً لَنَفْسِيَّةٍ عَظُمَت بِتَحَمُّلها أعباءَ الدعوة فيما بعد.
ثم كانت رغبته المُلِحَّة في الذهاب إلى الأزهر الشريف – قلعة العلم الشرعي يومئذٍ – لإكمال دراسته وتَلَقِّي العلوم الشرعية ، وكان ذلك ؛ حيث أكمل دراسته المدرسيَّة ضمن الأزهر، ومن ثم بدأ دراسته الجامعية، واندَمَجَ في التيار الإسلامي الأقوى في حينها ألا وهو تيَّار “الإخوان المسلمين” – وكان شديد الوَلَع بقراءة كُتُب ابن تيمية وابن القيِّم، وكان يقتطع من قوته-على قِلَّته-ما يَتَسَنَّى له-به- توفير ما يمكنه به شراء كُتُب شيخ الإسلام وتلميذه وغيرها من الكتب، وذلك لِعَدَم كِفَاية ما كان يرسله له والده، وكذلك عَدَم كِفَاية الجِرَاية التي كان يجُريها الأزهر لبعض الطلبة حينها.
وبعد انتهاء الدراسة في تلك المرحلة التي كانت من أشد مراحل الصراعات الفكرية والحضارية في مصر، وتأثير تلك المرحلة في صَقْل نفسه للدعوة ، عاد إلى الأردن، وتزوج من شقيقة رفيق دراسته الشيخ العلامة أحمد محمد السالك الشنقيطي، وهي من بيت علمٍ وأدبٍ ونَسَبٍ لا يحتاج ذلك إلى التدليل عليه بشيء، وقد كان والدها -رحمه الله- من أهل العلم الفُضلاء ، الصالحين ، ذوي المَكانة والجاه –بعِلْمِه- وأغْدَقَ على الشيخ من واسع علمه وكرمه ، ما كان له سَنَداً في القيام بما اسْتَقَرَّ في وُجْدانه من ضرورة السَّعي في الدعوة إلى المنهج الحق.
ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية لِيَعْمَل مُدَرِّساً في الجامعة الإسلامية ، حيث التقى هناك بالأكابر من أهل العلم؛الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله-،والإمام محمد الأمين الشنقيطي،وغيرهم كثير،مما كان له أعظم الأثر في دعوته فيما بعد،وكان له من المكانة العظيمة عند الشيخ عبد العزيز ما جَعَلَته-رحمه الله- يقول حين سُئل مَن من أهل العلم يوصي في بلاد الشام،فقال-رحمه الله-:الشيخ (أبو مالك) محمد شقرة،ولذا لا يزال أولاد الشيخ عبد العزيز ينادون الشيخ شقرة:يا وصِيَّة والدنا.
ولقد عهد الشيخ عبد العزيز- رحمه الله – إلى الشيخ شقرة بعهدٍ ما فارَقَهُ أيَّاً منهما: (( يا أبا مالك لا تَمْنَعَنَّ أحداً من الناس شفاعتك )) ، وهذا ما يعلمه القاصي والداني عن الشيخ شقرة.
وبعد العودة من السعودية كانت البداية من مسجد السالك في الهاشمي الشمالي،في عمان،هو ورفيق دَرْبِه الشيخ أحمد السالك ، في وقتٍ لم يكن يُعرَف للبدعة معنىً ، ولا لمنهج السَّلف ذِكْرٌ – إلا النَّزْر اليسير -ولم تكن السنن إلا البدع،والبدع ما هي إلا السنن ، حتى مَن كان يَمِيز هذه عن هذه كان يخشى أن يُصَرِّح بها، إذ مجُرَّد هَمْسِه بها كان يُضْحي عند الناس (( وهابِيَّاً )) وكفى بذلك تُهْمَةً بين الناس.
وأخذ العَدَاء يشتد من العامة ، ومن رفقاء الدَّرب السابقين ، ومن أقرب الأقرباء إليه، ولكنها كلمة كان يقولها لزوجه حين تأخذها عاطفة الخوف العاصِف عليه وعلى وَلَدِه: (( والله لو فَصَلوا رأسي عن جسدي ما تَوَقفت حتى يقضي الله أمره فيَّ، فإمَّا أن يَظهر المنهج وإمَّا أن أنتهي أنا )) .
واستمر في مسيرة الدعوة في أرض الأردن المباركة، وكان من أوائل ما صَنَعَه أن قام بدعوة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- وبقي مُقيماً في بيته ما يزيد عن الشهر، كان لهذا أثره في نشر الدعوة، وتوضيحها، وتتابعت من بعدها زيارات الشيخ الألباني للأردن، ليكون من بعده مُهاجَرَه، ومُسْتقرَّه، وأرض موته، لمِا رأى فيه من أمنٍ واستقرار، وهدائة نفسٍ رَضِيَها واطمأن إليها.
ووقف الشيخ محمد شقرة في مسيرة الدعوة مواقف كان لها الأثر العظيم في تكريس اسم المنهج بين الناس، العامة منهم والخاصة، مواقف لم يكن يجرؤ عليها من يدَّعي اليوم أنه على هذا المنهج، وما استطاع أن يقول أحدٌ فيها كلمةً إلا بعد أن قالها الشيخ شقرة مُنفَرداً وحده، فأظهر فيه للناس فكراً خفي عنهم، فَنِيلَ منه، وتعرَّض لما لا يعلمه إلا الله من قدحٍ وذمٍّ وتجريح، صَبَر له، وتَعلَّق في أذهان الناس أن تياراً يحمله ” الشيخ ” هو الذي جعله يقف مثل هذه المواقف، فشاع في الناس اسم ذلك المنهج وأصبحوا يتساءلون عنه وعن كُنهه الذي كان مُغيَّباً عن عقول وأسماع الكثيرين.
وكذلك ما أظهره من المنهج في وسائل الإعلام من فتاوى أظهر فيها أن الدليل هو الأساس ، وخالف بها عادة الناس وأهواءهم،فكانت النتيجة نفسها التي سَبَقَت –ولله الحمد والمِنَّة- وغيرها الكثير الكثير من المواقف التي عودي من أجلها وتعرَّض للضغوط الشديدة القاسية التي صبر عليها حتى أصبح في الساحة تياراً يزداد وينمو ويكبر هو “التيار السلفي”.
وكان عنوان ” الشيخ ” دوماً -ولا يزال- ما أسعفته الهِمَّة، يحمل في صدره ويُصَرِّح بلسانه: ” اشفعوا تؤجروا ” فما توانى يوماً عن بذل أقصى ما يستطيعه من شفاعة ونصرة لأخ أصابه كربٌ، أو حَلّت به مصيبة، أو احتاج لأي عونٍ في أي سبيل، حتى أصبح عند جميع من ينتمي إلى هذا المنهج -وغيرهم كذلك سواءً بسواءٍ- إنكم لن تجدوا لحاجاتكم مثل ” الشيخ ” ، فإن الله قد ألقى له القبول عند الناس خاصَّتهم وعامَّتهم، فوالله ما أعرف -ولا يعرف غيري- أنه سار في حاجةٍ إلا وكان القبول لما يريد فيها.
ولعل أظهرها وأشهرها، ما كان من سعيه الذي لا يتوقف في نُصرة الشيخ الألباني -رحمه الله- والتي بَذَل فيها نُصرةً للمنهج وتكريماً للعلم والعلماء، ما نسأل الله أن يجعله في ميزان حسناته، فقد كان الرِدءَ، والنصير، والظهير، والسَّنَد، والحامي للشيخ الألباني، والمُنافِح عنه أمام من كان يحمل الحسد عليه ممن يَظن أنه من أهل العلم، الذين ما فتِئوا يكيدون للشيخ الألباني، حتى إذا أضحى خارج البلاد ؛ما كان من الشيخ شقرة إلا أن سعى بِرَجائه إلى أعلى الهيئات الرَّسميَّة في البلاد ،فَحَظِيَ بالإرادة المَلَكِيَّة الآمِرَة بإعادة الشيخ الألباني مُعَزَّزاً مكَرَّماً في دار هِجرته وإقامَته ومَثواه، وكان بإمكان الشيخ شقرة أن يسأل لنفسه –وهو الذي تَعرَّض للأذى، والسِّعاية بالنميمة، والوشاية به، وإقصائه عن حقِّه في الوظيفة- أن يسأل لنفسه أو لولده شيئاً، ولكن جعلها خالصة للشيخ الألباني.
وما كانت تلك هي المرَّة الأخيرة، بل كانت نُصرةً للشيخ مراتٍ أُخر، حتى كانت كلمة الفصل؛ من ذوي القرار –بسعي الشيخ شقرة- أن الشيخ الألباني يجب أن يبقى، فكان الأردن مُستقرَّ الشيخ مُكْرَماً بها إلى أن جاءته المنيَّة -رحمه الله- فيها، ودُفن فيها.
وهذا غيضٌ من فيضٍ مما بذله »الشيخ« للدعوة ولحامليها، التي أصبح منهم من يقف في الحلقات مُدَرساً، ومُنافِحاً عن السُّنة، وداعياً إلى نَبْذِ البدع، وتوضيح النهج، وأصبح التيار الإسلامي العام يحسب في ميزانه التيار السلفي، وما كان ذلك إلا بفضلٍ من الله يسَّره على يدي الشيخ شقرة بجهاده وصبره.
وكان من أولئك الذين أبصرت أعينهم النور، ولمَّا يكن لهم في العلم نصيبٌ أو مَوْرِدٌ؛ “كَتَبَة الأصالة” اليومَ، فقد لُفُّوا بلفائف أُمهاتهم ” والشيخ ” يَكْدَح في تأسيس الدعوة ونشرها، فلما شَبُّوا إذا بهم يسمعون بأن هناك منهجاً يُسَمَّى منهج السلف، فإذا بهم في العقد الثاني من أعمارهم، فبدأوا يطلبون هذا العلم تَلَقُّطاً من هنا وهناك، حتى إذا ظنُّوا أنهم قد فهموا؛ إذا بهم بالتأليف والتحقيق قد بدأوا، وهم في كل هذا حول الشيخ شقرة يلوذون به، ويتحامون به، وهو يدافع عنهم، ويجمعهم، ويوكِّل بعضهم عنه في محاضرات، ومناظرات وما كان لهم من نداءٍ له إلا، “يا شيخنا”، “أُستاذنا”، “معلمنا”، “والدنا”.
نُفِخوا بالكبر، وحَسِبوا أنهم قد ساوَوا »الشيخ« في مكانته، وسَامَتُوه، وأنه -وهذا لسان حالهم حينها، ومقالهم اليوم الذي أبانوا فيه عن أثر المعروف وحقيقته في نفوسهم- لا فضل ” للشيخ ” عليهم، بل ولا على الدعوة، ولا على الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
فلما رأى الشيخ شقرة أمراً خالف فيه ما كان يراه من قبلُ، ولم يكن هذا مما بَصَمَه الكَتَبَةُ،فهم-والله- ليسوا ممن يُقال فيهم خُولِفوا أو وُوفِقُوا، ولكن ” الشيخ ” وافق فيه أئمةً أعلاماً، وخالف فيه أَئمةً أعلاماً، فإذا بهم يُظهرون ما أكَنُّوه في صدورهم، وأبانوا عُوار قلوبهم، وبدأوا يهاجمون ” الشيخ ” في دروسهم، وأشرطتهم، ويوغرون صدور الناس عليه أنَّى استطاعوا وأين استطاعوا.
قالوا: (( الشيخ شقرة بعد الشيخ الألباني قد تَغَيَّر )) ، كذبوا والله، فكلُّ ما قاله الشيخ شقرة قاله في حياة الشيخ ناصر، وما العلاقة في هذا بين كون الشيخ حيَّاً أم لا، وهو-أي الشيخ شقرة-مَن واجه الناس في مواقف، لم يكن إلا هو في صفٍّ والناس في صَفٍّ؟!.
قالوا: (( الشيخ شقرة يميل إلى التكفير، واتخذ مستشارين تكفيريين، ويقول بعدم زيادة الإيمان أو نقصه، وأن ذلك كلَّه تقرأه أو تَلْمَسُه في كتابه “إرشاد الساري”))، وكلُّ هذا –والله- إن هو إلا كذبٌ، وافتراءٌ، فَضَحَتْهم به مقالتهم في “الأصالة” في العدد المُشار إليه، لِقِلَّة بضاعتهم في العلم، واستمرائهم الكذب على أهل العلم. قالوا: (( الشيخ شقرة هاجم الشيخ الألباني بعد وفاته )) ، كذبوا، ولِمَ يهاجمه بعد وفاته، وهو الذي كان أقدر الناس -إن كان يُكنُّ حسداً أو كرهاً- أن يسعى إلى إفراد نفسه في الساحة وإخراج الشيخ الألباني؟! بل كان أول السَّاعين لأمنه، ولاستقراره، وللتَّصريح بآرائه من على منبر (( مسجد صلاح الدين )) ( 1 ) والشيخ الألباني يحضر له الجمعة لا يفارقها عنده، وصلاة الفجر يوم الجمعة، حتى حالت بينه وبين ذلك الظروف.
وكان بينهما من المودَّة والزيارات الخاصة ما لا يعلمه إلاَّ أقرب الناس إليهما، أولاد الشيخ شقرة وزوجه، وزوج الشيخ الألباني وأولاده، وكم من زيارة منفردة كان الشيخ الألباني يطلبها للعائلتين فحسب.
وما كان من أحدٍ يجرؤ على الدفاع عن الشيخ الألباني في محنته أثناء “فتوى هجرة أهل فلسطين” ( 2 ) ، التي ثار العامة وسخطوا عليه بسببها،وناله ما ناله، فما جرؤ أحدٌ من الناس أن يَنْبِس بِبِنْتِ شَفَةٍ دفاعاً عن الشيخ الألباني إلا قلم الشيخ شقرة، في كتابه “ماذا يَنْقِمُون من الشيخ “وتحمَّل بسببه أذى الكثيرين وأقلامهم المسعورة، وما بالى، كعهده حين يَصْدَع بالحق الذي يراه، و”كَتَبَة الأصالة” انزَوَوا حينها في “………” ، وتحت أسقف مكاتبهم، ويزعمون اليوم حُبَّاً ودفاعاً عن الشيخ الألباني ضد الشيخ شقرة.
ووالله ما من واحدٍ منهم جلس إلى الشيخ الألباني تلميذاً، ولا قرأ عليه كتاباً ليُقال عنه ذلك،وكانوا من أقل الناس حضوراً لمجالسه-إلا من قليلِ ما كان من”رابعهم”ولكن ليس بدرجةِ التَّلْمَذَةِ المُدَّعاة- وما كان الواحد منهم يجرؤ أن يُقابِل الألباني إلا إذا تَوَسَّط له الأخ محمد أحمد أبو ليلى، لِيُهيء له الجلوس إلى الشيخ الألباني، ثم يَدَّعون بعد ذلك أنهم تلامذة الألباني منذ ربع قرنٍ، كما ادَّعى ذلك “رابعهم” و “الأعرابي” .
إن “رابعهم” قد مضى من عمره 40 عاماً، بدأ طلب العلم وقد مضى من عمره 21 عاماً،قضى منها سنون مُتَعَلِّماً عند الشيخ شُعيب أرناؤوط، أَضِف إليها التَّلمَذَة المُدَّعاة 25 عاماً، فيجب أن يكون قد مضى من عمره أكثر من 46 عاماً، فأين ذلك يا (( رابعهم )) ؟!، وشاكَلَك رفيقك المكشوف في “المثالي” ( 3 ) ؛”الأعرابي”.
وقد كان من فضل الله ونعمته أن كان »الشيخ« هو المُطبِّقَ لوصية الشيخ الألباني، فقد كان أول الواصلين بعد ذوي الشيخ الألباني إلى المستشفى ( 4 ) ، حيث كان الشيخ الألباني قد فارق الحياة قبلها بدقائق، ومن ثم حَرَصَ على تنفيذ وصيته كاملة كما أرادها، وأشرف على تغسيله، والسَّعي بحمل جنازته على الأكتاف وبسرعة، وهيأ بما أنعم الله عليه من جاهٍ أن يُدفن الشيخ في المقبرة القريبة من بيته، والتي كانت سوف تُلغى كمقبرة، ولكن بفضلٍ من الله،ثم بفضل جهود الشيخ شقرة، وتَكرِمة للشيخ الألباني، فقد توقف ذلك، ووقف الشيخ شقرة على قبر الشيخ الألباني وأشرف على إنزاله القبر، وتكلَّم كلمة وُزِّعت في الآفاق، وبعض “الكَتَبَة” وقوفاً لم يَعْبَأ بهم أحدٌ،و”رابعهم” في سَفرٍ لم يَحْظَ بهذا المَوقِف الجليل؛إذ من فضل الله على الألباني-وعلينا- أن جَعَلَ ذلك فيه دِلالةً على كَذِبِ مَن يدَّعي”لرابعهم” قُرْباً ولِصْقاً بالألباني-كما يُشيع هو نفسه-،فما كان منه-أي “رابعهم”- إذ أراد أن لا يجعل من ذلك ما يَقْدَح فيه – لِعِلْمِه بأنه كذلك لِكَثْرَة ما يُرَوِّج من قُرْبِه من الشيخ الألباني – إلاَّ أن قال بِكَذبٍ يَسْتَحي منه الكَذِب-:(( ولئن توفي الشيخ-ودُفِن-وأنا بعيدٌ عنه-وهذا شديدٌ علَيَّ-فلقد كانت سَلْواي-والفضل لله-أنني كنت آخر مَن تَكَلَّم مع الشيخ ودَعا له،وصافحه،والتَقاه من إخواننا طلاب العلم-سوى أهل بيته-فالحمد لله على ما يُقَدِّره ويَسَّره )).
(وهذا الإدِّعاء الكاذب تجده في الكُتَيِّب الذي تَشَارَك فيه-هو- والدكتور عاصم القريوتي في رِثَاء الألباني، وعَنْوَن جزأه -هو-“مع شيخنا ناصر السنة والدين في شهور حياته الأخيرة”).
لَعَمْري؛هل أصبح من “الصوفية”الذين يَحضرون في مكانين معاً؟!.
مَن أدْرَاه أنه كان كذلك ،وطَلَبَة العلم ما انقطعوا عن الشيخ إلى آخر أيامه قبل دخوله المستشفى حيث فارق الدُّنْيا بعدها بيومين؟!.
مَن أولى الناس لِيُسأل عن ذلك؟!. ألَيْسوا أبناء الشيخ الألباني وزوجه،وخصوصاً وَلدَه عبد اللطيف؟!.
فاسألوهم عن هذا الادِّعاء من “رابعهم”،فهم – ولله الحمد-أحياءٌ يُرزقون،ولِمَن أراد مَعْرِفَة الرجال،ومَعْرِفَة الحق،فما عليه إلا أن يسألهم عن ذلك.
ولكن ؛ لِيَنظر في التَّوْرِيَة المقصودة في ادِّعائه- كما هو دأبُه – حيث قال: (( من إخواننا طَلَبَة العلم )) ،لِيَجعل الأمر مُقتَصِراً على الفئة التي يَرْتَضيها ،والطائفة التي تكون على شاكِلَته،أو أنه يرى تعريفاً خاصَّاً لِمُصطلح”طَلَبَة العلم” لا ينطبق إلا على فئةٍ محددةٍ ،أو أن هناك أفراداً مُحددين بأعيانهم هم المقصودون بهذا، أمَّا ما عَداهم فَلَيْسوا طَلَبَة علمٍ،أو………،أو…………،واحمل على كاهل التَّورية ما شِئت.
هذا عبد اللطيف؛وَلَد الشيخ الألباني،قد ذكَرَ أن آخِر من صافح الشيخ هو أخٌ من البَحرين،وأنه وهو يُصَافِحه شَخَصَ بَصَر الشيخ-رحمه الله- وما عاد يتكلم،ثم نُقِل بَعد ذلك إلى المستشفى حيث تَوَفَّاه الله .
ثم لِنَسأل أنفسنا ما الذي يدعوه لِمِثل هذا الإدِّعاء ؟!. ماذا يَضِيره إن مات الشيخ وهو بعيدٌ عنه ؟!. أيُنْقِص ذلك من قَدْرِه العلمي – زَعماً أن له قَدرَاً فيه-؟!.
إنه ما ادَّعى هذا إلا مُحاولةً منه لإبقاء دعواه الكاذبة أنه التلميذ المُلاصِق للشيخ،وأنه ما فَارَقه ، لأنه يعلم تأثير ذلك في السَّائرين على نهج الألباني ،فتكون له من ثَم الصدارة،والمكانة الرَّفيعة،والمَشْيَخَة-المزعومة كلها-،ويكون له المجال فسيحاً أن يُلصق بالشيخ الألباني ما يريده-هو-من أفكارٍ وعقائد باطِلَةٍ،ويقول :سَمِعتها من شيخنا الألباني.
فالكَذِبُ –وقد صار فَنَّاً “لرابعهم”، ناصَرَه فيه “الكَتَبَة”-حَسْبُنا-فيه- من ميراث النُبُوَّة:(( أيكون المسلم كذاباً؟ قال-عليه الصلاة والسلام-:لا )).
والشيخ شقرة هو مَن قام على توزيع تَرِكة الشيخ الألباني بطَلَبٍ من وَرَثَتِه، وطلبوا منه الإشراف على ما يَتَعَلَّق بأمورهم ، وبقي ذلك إلى الآن ، وما قال واحدٌ منهم في الشيخ شقرة كلمةً تسوء، فهل كان ذلك وهُم قد سَمِعوا من أبيهم –وخصوصاً ولد الشيخ؛ عبد اللطيف الذي ما فارقه في شهوره الأخيرة حتى وفاته- شيئاً يسوء في الشيخ شقرة، فهل رَضُوا بأن يصنع ذلك لأبيهم؛ من غُضِب منه، واستُنكر عليه شديد نكران، واستيء منه أشدَّ استياء، وسُخِط عليه عظيم سَخطٍ –من أبيهم الإمام العلاَّمة- كما زَعَم ” كَتَبَة الأصالة” ( 5 ) ؟!.
وقد صلَّى الشيخ شقرة صلاة الجنازة إماماً على الشيخ الألباني ( 6 ) ، ليكون ذلك عنواناً على تلك المسيرة الحافلة بينهما، وأنهما على منهج الحق، مما أثار صدور “كَتَبَة الأصالة” حَسَدَاً، فلم يقوموا بِذِكْرِ ذلك فيما كَتَبوه في رثاء الألباني- على كَثْرَة ما كَتَبوا -، إلا ما كان من شارِدَةٍ جاءت في قصيدةٍ ” لرابعهم ” في الألباني،وما عهدنا من علماء السلف مَن تُرجِمَ له،وذُكِرَت وفاته؛إلا وَذُكِرَ مَن صَلَّى عليه.
============ (1) وهو المسجد الذي يخطب ويؤم فيه الشيخ شقرة منذ 25 عاماً. (2) مع العلم أن فتوى الشيخ الألباني لم تكن على غير مثالٍ سابق،بل سَبَقَه بذلك أكابر من العلماء. (3) كتاب “الكشف المثالي عن سرقات ((…..لي))”. (4) وزوج الشيخ ،والأخ محمد أبو ليلى،وكاتب هذه الأوراق. (5) انظر الأصالة ص(7). (6) وكان الصف الأول-وعلى الرغم من العدد الكبير الذي حضر في هذه الفترة الزمنية القصيرة-أربعة:الشيخ شقرة إماماً ،وعلى يمينه الدكتور محمد أبو ارحَيِّم،وعلى يساره كاتب هذه السطور،ورابعٌ أُنسيته.