مع الشيخ داعي الإسلام شيخ أهل السنَّة في طرابلس لبنان في زيارة لبيتنا ، حفظه الله ورعاه

كيف يتطابق قوله تعالى عن اليهود: {ضُرِبَتْ عَلَيْهم الذِّلَّةُ أيْنَ مَا ثُقِفُوُا …. } -آل عمران ١١٢- مع واقعهم الحالي؟
السؤال:
يقول الله سبحانه وتعالى عن اليهود في السورة رقم 3 آية 112 ( باءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة )، لكن يبدو أن أحوال اليهود حسنة، ويبدو أنهم أثرياء، ويبلون حسنًا، فهل بوسعكم – رجاء – التفسير، بارك الله فيكم.
الجواب:
الحمد لله
الآية الكريمة التي ذكرها السائل هي قوله تعالى: ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) آل عمران / 112.
وأما معناها: فقد قال ابن كثير – رحمه الله -:
أي: ألزمهم الله الذلة، والصَّغَار، أينما كانوا، فلا يأمنون ( إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ) أي: بذمَّة من الله، وهو عَقْد الذمة لهم، وضَرْب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة، ( وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) أي: أمانٌ منهم، ولهم… .
وقوله: ( وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) أي: أُلزموا، فالتزَمُوا بغضب من الله، وهم يستحقونه.
( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ) أي: أُلزِموها قَدرًا، وشَرْعًا، ولهذا قال: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) أي: وإنما حملهم على ذلك: الكبْر، والبَغْي، وَالْحسَد، فأعْقَبَهم ذلك: الذِّلة، والصَّغَار، والمسكنة، أبدًا، متصلا بذلة الآخرة، ثم قال تعالى: ( ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) أي: إنما حَمَلهم على الكفر بآيات الله، وقَتْل رُسُل الله، وقُيِّضوا لذلك: أنّهم كانوا يُكثرون العصيان لأوامر الله عز وجل، والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فَعِياذًا بالله من ذلك، والله المستعان.
” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 104 ).
* وقد اختلف العلماء في حقيقة ” الذلة ” المضروبة عليهم على قولين:
الأول: أنه خبر بمعنى الطلب.
* قال الطبري – رحمه الله -:
و ” الذلة ” هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن لا يعطوهم أماناً على القرار على ما هم عليه من كفرهم به، وبرسوله، إلا أن يبذلوا الجزية عليهم لهم. ” تفسير الطبري ” ( 2 / 136 ).
والثاني: أنه خبر بواقع حالهم.
* قال الطبري – رحمه الله -:
أخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بالعز ذلًّا، وبالنعمة بؤسًا، وبالرضا عنهم غضبًا، جزاء منه لهم على كفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءه ورسله، اعتداءً، وظلمًا منهم بغير حق، وعصيانهم له، وخلافًا عليه. ” تفسير الطبري ” ( 2 / 137 ) .
وكلا القولين لا تعارض بينهما، ولذلك قال ابن كثير في تأويلها: ” أُلزِموها قَدرًا، وشَرْعًا ” كما سبق النقل عنه.
فالله تعالى قدَّر عليهم الإذلال بسبب كفرهم، وفسادهم, قدَرًا، وحكم به عليهم شرعًا بما ضربه عليهم من الجزية، وحاجتهم للناس، وعدم قيامهم وحدهم.
ومن هذا الباب قول تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) الأعراف/ 167.
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
قوله: { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ) أي: على اليهود، ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ) أي: بسبب عصيانهم، ومخالفتهم أوامر الله، وشرعه، واحتيالهم على المحارم.
ويقال: إن موسى عليه السلام ضرب عليهم الخراج سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج، ثم كانوا في قهر الملوك، من اليونانيين، والكشدانيين، والكلدانيين، ثم صاروا في قهر النصارى، وإذلالهم إياهم، أخذهم منهم الجزية، والخراج، ثم جاء الإسلام، ومحمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فكانوا تحت صغاره، وذمته، يؤدون الخراج، والجزية.
” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 497 ).
وهذا هو واقع اليهود على مرِّ الأزمان؛ وحتى في هذا العصر الحديث لا تجد لهم محبة، ولا قبولًا في الأرض، وما مذابح الأوربيين لهم في ” أوربا ” ببعيد، وهم يؤمنون بذلك, ولذلك لا يعيشون إلا منعزلين، منطوين، أو أذلاء يستجدون النصرة من دول الكفر، والمنظمات الدولية.
* قال ابن القيم – رحمه الله – في وصف اليهود -:
فالأمَّة الغضبية هم اليهود، أهل الكذب، والبهت، والغدر, والمكر، والحيل, قتلة الأنبياء, وأكلة السحت – وهو الربا، والرشا – أخبث الأمم طوية, وأرداهم سجية, وأبعدهم من الرحمة, وأقربهم من النقمة, عادتهم البغضاء, وديدنهم العداوة والشحناء, بيت السِّحِر، والكذب، والحيل, لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة, ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة, ولا لمن وافقهم حق، ولا شفقة, ولا لمَن شاركهم عندهم عدل, ولا نَصَفَة, ولا لِِمَن خالطهم طمأنينة, ولا أمَنة, ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة، بل أخبثهم: أعقلهم، وأحذقهم: أغشهم, وسليم الناصية – وحاشاه أن يوجد بينهم: ليس بيهودي على الحقيقة, أضيق الخلْق صدورًا, وأظلمهم بيوتًا, وأنتنهم أفنيةً, وأوحشهم سجيَّةً, تحيتهم: لعنة, ولقاؤهم: طيرة، شعارهم: الغضب, ودثارهم: المقت. ” هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى “( ص 8).
وهذه صفات اتفق عليها القاصي والداني ، والقريب والبعيد ، ولذلك لوحقوا، وطوردوا، على مر الزمان؛ وحتى في هذا العصر لا ينعمون بالأمان حتى في دولتهم المزعومة.
ثانيًا:
وأما ما يقوله الأخ السائل من وجود ” الغنى ” و ” العز ” لليهود في زماننا هذا: فهو لا يخالف معنى الآية، وبيان ذلك من وجهين مُجملين:
- ضرب الذلة، والمسكنة على اليهود لازم لا يتخلف، وقد استثنى الله تعالى في ” الذلة ” – لا المسكنة – بقوله: ( إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) فما تراه هو من هذا، وأما بمجردهم: فهم أحقر من أن يكون لهم عز، ونصر، ولذلك لا يُعرف لهم انتصار في معركة دخلوها وحدهم، ولا يزالون في حاجة الشرق والغرب لتثبيت دولتهم، فإما مددهم من الله ليذل بهم من تركوا دينه، أو حبل من الناس: عهد وميثاق مع المؤمنين، أو تحالف مع دول الكفر لنصرتهم، وتأييدهم.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وأمَّا كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب: فهذا لا يُعرف، بل المعروف خلافه, والله تعالى قد أخبر بما يدل على ذلك، فقال تعالى: ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) آل عمران / 12، فاليهود من حين ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله، وحبل من الناس: لم يكونوا بمجردهم ينتصرون، لا على العرب، ولا غيرهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بعْث المسيح عليه السلام فكذبوه، قال تعالى: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) آل عمران/ 55 ، وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) الصف/ 14. ” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 302 ).
* وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:
والمعنى: لا يسلمون من الذلّة، إلاّ إذا تلبَّسُوا بعهدٍ من الله، أي: ذمّة الإسلام، أو إذا استنصروا بقبائل أولى بأس شديد، وأمّا هم في أنفسهم: فلا نصر لهم، وهذا من دلائل النُّبوّة؛ فإنّ اليهود كانوا أعزّة بيثربَ، وخيبر، والنضير، وقريظة، فأصبحوا أذلّة، وعمَّتهم المذلّة في سائر أقطار الدنيا. ” التحرير والتنوير ” ( 4 / 56 ).
- أن ” المسكنة ” ليست هي ” الفقر “، بل لعلهم أغنى الناس، لكن المسكنة التي ضربها الله عليهم هي إظهار فقرهم، وبُخلهم بما في أيديهم، وقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه ( لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ) رواه البخاري ( 6081 ) ومسلم ( 1051 )، وأنَّى لهؤلاء هذا الغنى؟!.
ثالثًا:
وقد ردَّ الشيخ العثيمين رحمه الله على ما ذكره الأخ السائل، وقد لخَّصنا كلامه في نقاط، نرجو أن تكون مفيدة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) البقرة/ من الآية 61 -:
( وضربت عليهم الذلة والمسكنة ):
- خبرٌ مِن الله عن بني إسرائيل أنه ضُربت عليهم الذلة والمسْكنة، ( الذلة ) هذه في الشجاعة، أذلة، لا يقابِلون عدوًّا، قال الله تعالى: ( لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ) الحشر/ من الآية 14.
- و ( المَسْكَنة ) يعود إلى الفقر، فليس عندهم شجاعة، وليس عندهم غِنى، لا كرمًا بالمال، ولا كرمًا بالنفس؛ لأن الشجاعة كرم بالنفس، يجود الإنسان بنفسه لإعلاء كلمة الله، والكرم: جود بالمال، ثم – والعياذ بالله – ما حصل لهم هذا، ولا هذا، بل العكس ( ضُرِبَت عَلَيْهِم الذِّلَّة ) فلا شجاعة عندهم، وضربت عليهم المسكنة فلا جود عندهم، ولهذا لا يوجد أمَّة أفقر من اليهود، ولا أبخل، أي: لا أفقر قلبًا منهم، وليس مالًا، وإلا فأموالهم كثيرة.
- فهذه الذلة – والعياذ بالله – عليهم مضروبة، وكذلك المسْكنة، فإذا قال قائل: الواقع خلاف هذا الأمر؟! قلنا: لا يمكن أن يكون الواقع مخالفًا لكلام الله، ورسوله، وإنما الخطأ في الفهم، والتصور، أما كلام الله: فلا يختلف، فنقول:
هذه الآية مطلقة – أي: قوله تعالى ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) البقرة/ من الآية 61 – وفي قوله تعالى في آل عمران ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) آل عمران/ من الآية 112: ما يقيِّد هذه الآية، ويصير المعنى: ” ضُربت الذلة والمسكنة إلا بحبلٍ مِن الله وحبلٍ مِن الناس “، فإذا وصلهم الله تعالى، أو وصلهم الناس: فإنهم تزول عنهم الذلة، ويكون معهم شجاعة، وقوة.
- الحبل من الله ما هو؟ قيل: إنه الإسلام، والحبل من الناس: أن يمدهم الناس غير اليهود بما يمدونهم به، فاليهود الموجودون الآن في حبلٍ من الناس يمدهم، وهم النصارى في كل مكان، يمدونهم؛ لأن الله يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) المائدة/ من الآية 51، وهذا خبر، والخبر من الله: لا يُخلف، النصارى تمدهم من جميع أقطار الدنيا، إما علنًا وإما سرًّا، وإما مباشرًا أو غير مباشرٍ.
- الحبل من الله قلنا: إنه الإسلام – على ما ذكره كثير من أهل العلم – ويحتمل عندي: أنه أعم من الإسلام؛ لأنهم إذا أسلموا: زال عنهم وصف اليهودية، وصاروا من المسلمين، لكن عندي أنه ( حبل من الله ): أن الله قد يسلطهم على غيرهم؛ عقوبةً لهم، قد يُسلَّطون على غيرهم، وتكون لهم الغلبة، عقوبة على الآخرين؛ لعلهم يرجعون إلى الله عز وجل، لا سيما إذا كانوا من أمَّة محمد عليه الصلاة والسلام، وعصوا وأَبعدوا عن هذه الملة: فإن الله عز وجل يسلِّط عليهم مَن شاء مِن خلقه؛ لعلهم يرجعون، وهذا الأمر هو الواقع، لو نظرنا إلى الذين جعلوا أنفسهم في مسير هؤلاء اليهود – وهم العرب -: لوجدنا أكثرهم ضالين – ولا سيما ذوي القيادات منهم – منحرفين عن الحق، بل ربما يصل أمر بعضهم إلى الكفر – والعياذ بالله -، فلذلك يسلَّط عليهم هؤلاء، ويحصل ما يحصل.
- إذن يزول عنَّا الاشتباه في قوله ( وَضُرِبَت عَلَيْهِم الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ ): ” لماذا نراهم الآن في هذه الحال، والآية خبرٌ من الله، وخبر الله حق وصدق، لا يمكن أن يتخلف “:
فالجواب :
أن هذه الآية مقيَّدة بقوله تعالى ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ )، وانظر التقييد في ” آل عمران “: تقييد في الذلة فقط، لكن المسكنة غير مقيدة، ولذلك هم مضروب عليهم المسكنة أينما كانوا، ولا يمكن أن يبذلوا قرشًا إلا وهم في أملٍ أن يحصلوا درهمًا، فالمسكَنة مطلقة، والمذلة مقيدة، ( إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ).
” تفسير سورة البقرة ” ( الشريط رقم 10 ، وجه أ ).
والله أعلم.
رسم خطوط في المسجد للصلاة
السؤال:
يتعلق بالخط المرسوم في المسجد لجعل الناس يقفون في خط مستقيم من المهم أن نذكر أن الظروف الخاصة تجبرنا على أن نرسم هذه الخطوط وخاصة يوم الجمعة فإنه يأتي عدد كبير من الناس للصلاة وتكون هناك حاجة لعمل فراغ أو مسافة قصيرة بين الصفوف شيء هام فإذا لم نرسم هذه الخطوط يميل الناس إلى عمل مسافات أكبر وهذا يعني أن كثير من الإخوة لن يجدوا مكاناً للصلاة ونحن بعملنا هذا نلزمهم بأخذ المسافات التي حددناها لهم ونحافظ على الصف مستقيماً فهل نحن بعملنا هذا متمسكين بالسنة أم أننا نخالفها برسم هذه الخطوط؟
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
يجب على المسلمين أن يصفوا في للصلاة متساوين دون اعوجاج متراصين دون ترك فرج بينهم.
عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم “. رواه البخاري ( 685 ) ومسلم ( 659 ).
وعن جابر بن سمرة قال: ” خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالي: أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة. قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال مالي أراكم عزين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأُوَل ويتراصون في الصف “. رواه مسلم ( 430 ).
* قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى:
قوله: ( وتسوية الصف ) يعني تُسن تسوية الصف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بذلك فيقول: ” سووا صفوفكم “، ويرشد أصحابه لهذا حتى فهموا ذلك عنه وعقلوه عقلا جيدا وفي يوم من الأيام خرج عليه الصلاة والسلام وأقيمت الصلاة فالتفت فإذا رجل قد بدا صدره فقال: ” عباد الله لتسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم “.
فقوله: ” لتسون صفوفكم “: ( اللام ): واقعة في جواب قسم مقدر، وتقدير الكلام: والله لتسون، فالجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات وهي: القسم، واللام، والنون.
وهذا خبر فيه تحذير لأنه قال: ” لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم “: أي: بين وجهات نظركم حتى تختلف القلوب، وهذا بلا شك وعيد على من ترك التسوية، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب تسوية الصف واستدلوا لذلك بأمر النبي صلى الله عليه و سلم به، وتوعده على مخالفته.
وشيء يأتي الأمر به ويتوعد على مخالفته لا يمكن أن يقال: إنه سنة فقط، ولهذا كان الرأي الراجح في هذه المسألة: وجوب تسوية الصف، وأن الجماعة إذا لم يسووا الصف فهم آثمون وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام رحمة الله.
” الشرح الممتع ” ( 3 / 10 – 11 ).
ثانيًا:
أما استخدام الخطوط لتسوية الصفوف: ففيها خلاف بين العلماء المعاصرين، والراجح: أن استخدام هذه الخطوط لا شيء فيه، بل قد يجب استخدام مثل هذه الخطوط إذا انعدمت تسوية الصفوف إلا بها، لأنه كما أسلفنا أن التسوية للصفوف واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
لكن ينبغي التنبيه على أمر مهم وهو أن وقوف عامة المصلين على الخطوط خطأ، ذلك أنهم يجعلون أطراف أصابع أرجلهم على الخط، وهذا لا يسوِّي الصفوف تسوية شرعيَّة؛ وذلك لاختلاف طول الأرجل بين الناس.
والوقوف الصحيح: هو أن تكون أعقابهم – مؤخر أرجلهم – على الخط، وذلك لأن المسافة بين مؤخر الرِّجل والكعب عند عامة الناس متساوية، فإذا حصل الأمر كذلك: صار العقب بالعقب والكعب بالكعب، وبذا تستوي الصفوف.
* قال الإمام البخاري رحمه الله: باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه.
وروى في صحيحه ( 662 ): عن أبي القاسم الجدلي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم – ثلاثا – والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم، قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه.
والله أعلم.
حكم من أتى زوجته في دبرها في نهار رمضان
حكم من أتى زوجته في دبرها في نهار رمضان
السؤال:
في رمضان الفائت 1423 هـ كنت حديث عهد بعرس، وكنت لا أصبر عن زوجتي، وكنت أستمتع بها في نهار رمضان من غير جماع ، وأحسست مع فورة حماسي أنني أدخلته بالدبر، وكأنني أنزلت ولا أجزم لاختلاط السوائل.
فما الحكم؟.
الجواب:
الحمد لله
إتيان الزوجة في دبرها كبيرة من كبائر الذنوب، بل قرنه النبي صلى الله عليه وسلم بإتيان الكهّان، وسمّاه كُـفرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: ” من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدّقه فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم “. رواه الترمذي ( 135 ) وأبو داود ( 3904 ) وابن ماجه ( 639 ).
– والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 2433 ) .
ولعن النبي صلى الله عليه وسلم من أتى امرأة في دبرها فقال: ملعون من أتى امرأة في دبرها. رواه أبو داود ( 2162 ).
– والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 2432 ).
ففي هذه الأحاديث بيان تحريم إتيان المرأة في دبرها، وهذا الفعل مناقض للفطرة، موجب لسخط الله وغضبه، ثم هو سبب للأمراض.
* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:
عما يجب على من وطئ زوجته في دبرها؟ وهل أباحه أحد من العلماء؟.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، الوطء في الدبر حرام في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك عامة أئمة المسلمين، من الصحابة، والتابعين، وغيرهم؛ فإن الله قال في كتابه: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ }، وقد ثبت في الصحيح: أن اليهود كانوا يقولون: إذا أتى الرجل امرأته في قُبلها من دبرها جاء الولد أحول، فسأل المسلمون عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ }، والحرث : موضع الزرع، والولد إنما يزرع في الفرج؛ لا في الدبر … .
” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 267 ).
وقد بيَّنا في جواب متقدم أن للزوج أن يستمتع بزوجه وهو صائم ما لم يجامع أو ينزل، وبيَّنا أن الجماع في الفرج للزوجة محرم في نهار رمضان فكيف إذا كان جماعًا في الدبر مع الإنزال؟!.
والأصل أن لا تشك في إنزالك؛ لأن مثل هذا لا يخفى حيث يعقبه فتور في الجسم، مع خروج المني دفقًا، وهو ما يمكن الشعور به دون تردد.
ثانيًا:
وأما ما يترتب على صيامك الذي فعلتَ فيه فعلتك: فإن فساد الصوم لا شك فيه، ولزم معه الإمساك عن الطعام والشراب، وقد أوجب جمهور أهل العلم القضاء والكفارة على من أولج في دبر امرأته، أنزل أم لم ينزل.
– وهذا الحكم تشترك فيه زوجتك معك؛ لأنه يظهر أنها كانت مطاوعة لك.
* قال ابن قدامة:
ولا فرق بين كون الفرج قُبُلًا أو دبُرًا من ذكر أو أنثى، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة – في أشهر الروايتين عنه -: لا كفارة في الوطء في الدبر؛ لأنه لا يحصل به الإحلال ولا الإحصان فلا يوجب الكفارة كالوطء دون الفرج.
ولنا: إنه أفسد صوم رمضان بجماع فأوجب الكفارة كالوطء، وأما الوطء دون الفرج فلنا فيه منع، وإن سلمنا فلأن الجماع دون الفرج لا يفسد الصوم بمجرده بخلاف الوطء في الدبر. ” المغني ” ( 3 / 27 ).
وفي جواب آخر قلنا:
فمن جامع في نهار رمضان عامدًا مختارًا بأن يلتقي الختانان، وتغيب الحشفة في أحد السبيلين: فقد أفسد صومه، أنزل أو لم يُنزل، وعليه التوبة، وإتمام ذلك اليوم، والقضاء والكفارة المغلظة.
ونوصيك وجميع المسلمين بتقوى الله تعالى في هذا الشهر وتعظيم حرماته، وينبغي للمسلم تجنب الزواج في هذا الشهر لما قد يقع معه من النقض لصيامه وترتب الكفارة المغلظة فيه.
والله أعلم.


