الرئيسية بلوق الصفحة 246

عند رجوعها من العمرة وجدت دم حيض

السؤال:

ذهبت لأداء العمرة وبعد انتهائي من مناسكها وفى طريقي للعودة ذهبت لدورة المياه فوجدت دم الحيض، لا أعرف متى حدث ذلك؟ هل أثناء أدائي للعمرة أم لا؛ لأنّ هذا اليوم لم يكن موعدها إطلاقًا، لكنها بدأت مبكرة، فماذا علي أن أفعل؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله

بما أنك لا تعرفين هل نزل الدم وأنت محرمة بالعمرة أو بعد ذلك: فالأصل أن العمرة صحيحة وليس عليك شيء.

* والقاعدة الفقهية: ‏” الأصل بقاء ما كان على ما كان “.‏

يعني‏:‏ ينظر للشيء على أي حال كان فيحكم بدوامه على ذلك الحال ما لم يقم دليل على خلافه‏.‏

فالأصل في هذه المرأة أنها ليست بحائض، ولا تنتقل لحكم الحائض إلا بعد جزمها ويقينها بثبوت نزول الدم، وهو ما علمتْه بعد العمرة لا أثنائها.

والله أعلم.

لا يريد ذرية من زوجته النصرانية

السؤال:

لقد تحولت من الهندوسية إلى الإسلام، وأنا متزوج من مسيحية، وأسأل هل يجوز أن أبذل قصارى جهدي لمنع الإنجاب من هذه المرأة المسيحية، خصوصا وأنه لم يتم الاتفاق بيننا على تنشئة الطفل تنشئة إسلامية ؟ 

 

الجواب:

الحمد لله:

أولاً: نهنئ الأخ السائل على ما أنعم الله عليه من الدخول في الإسلام، ونسأل الله تعالى أن يثبته  ويميته عليه.

ثانياً: لا ننصح الأخ السائل بمنع الإنجاب من زوجته النصرانية، وذلك لسببين:

  1. أن الإكثار من التناسل مطلوب شرعاً، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:    ” تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة”. رواه أبو داود (1754)، والنسائي (3175) ، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” آداب الزفاف ” ( ص 132 )؟
  2. أن بقاء الزوجة على الكفر هو أمر ظني لا قطعي، فقد يمنُّ الله تعالى عليها بالإسلام كما منَّ على زوجها، وبعده سيحصل الندم على تقدم العمر دون ذرية تربى على الدين والخلق.

وعليه: فإننا ننصح الأخ السائل أن لا يمتنع من الإنجاب، وأن يحاول مع زوجته فلعل الله أن يرزقها الدخول في الإسلام.

وإذا منَّ الله عليك بالذرية، فإن الواجب عليك أن تربيهم على الدين والخلق منذ نشأتهم الأولى، وهذا من الواجبات التي أوجبها الله عليك، ولا دخل للزوجة الكافرة في هذا الأمر، قال الله تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة } [ التحريم /6 ]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:” كلكم راعٍ ومسئول عن رعيته .. والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته…”. رواه البخاري (844) ، ومسلم (3408).

والله أعلم.

ما صحة حديث: ” لا تسبوا الوقت فإن الله هو الوقت “؟

السؤال:

هل الحديث” لا تسبوا الوقت فإن الله هو الوقت ” يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟  وإذا كان صحيحًا, فكيف تفسره؟  فقد أشكل علي هذا الموضوع.

الجواب: 

الحمد لله:

الذي نعرفه أن الحديث ليس هو بهذا اللفظ” لا تسبوا الوقت فإن الله هو الوقت”، وإنما هو بلفظ:” لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر” وقد رواه مسلم عن أبي هريرة ( 5827 )، وفي لفظ آخر:” لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر”، وفي لفظ آخر:” لا يقولنّ أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر”، وفي لفظ:” قال الله عز و جل: يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن يا خيبة الدهر فأنا الدهر أقلب الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما”.

و أما معنى الحديث فقد قال النووي: قالوا: هو مجاز، وسببه: أنّ العرب كان شأنها أن تسبّ الدهر، عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون:” يا خيبة الدهر” ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر، فقال النبي صلى الله عليه و سلم:” لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر” أي: لا تسبوا فاعل النّوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى؛ لأنّه هو فاعلها ومنزلها، وأمّا الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى، ومعنى:” فإن الله هو الدهر ” أي: فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات، والله أعلم. ” شرح مسلم ” ( 15 / 3 ).

و ينبغي أن يعلم أنه ليس من أسماء الله اسم ” الدهر “، وإنما نسبته إلى الله تعالى نسبة خلق وتدبير، أي: أنه خالق الدهر، بدليل وجود بعض الألفاظ في نفس الحديث تدل على هذا مثل قوله تعالى:” بيدي الأمر أقلِّب ليلَه ونهارَه”، فلا يمكن أن يكون في هذا الحديث المقلِّب – بكسر اللام – والمقلَّب – بفتح اللام – واحداً، وإنما يوجد مقلِّب – بكسر اللام – وهو الله، ومقلَّب – بفتح اللام – وهو الدهر، الذي يتصرف الله فيه كيف شاء ومتى شاء، انظر ” فتاوى العقيدة ” للشيخ ابن عثيمين ( 1 / 163 ).

قال الحافظ ابن كثير – عند قول الله تعالى:{ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } [ الجاثية / 25 ] -: قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم:” لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر” كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا:” يا خيبة الدهر ” فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى فكأنهم إنما سبوا الله عز وجل؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة؛ فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار لأن الله تعالى هو الدهر الذي يصونه ويسندون إليه تلك الأفعال، وهذا أحسن ما قيل في تفسيره ، وهو المراد . والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية عدّهم ” الدهر ” من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 152 ).

– وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن حكم سب الدهر:

فأجاب قائلا: سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم: فهذا جائز مثل أن يقول ” تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده” وما أشبه ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، واللفظ صالح لمجرد الخبر.

القسم الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يقصد بسبّه الدّهر أنّ الدّهر هو الذي يقلِّب الأمور إلى الخير أو الشر: فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقا حيث نسب الحوادث إلى غير الله.

القسم الثالث: أن يسب الدّهر ويعتقد أن الفاعل هو الله، ولكن يسبه لأجل هذه الأمور المكروهة: فهذا محرم؛ لأنه مناف للصبر الواجب وليس بكفر؛ لأنه ما سب الله مباشرة، ولو سب الله مباشرة لكان كافراً. ” فتاوى العقيدة ” ( 1 / 197 ).

والله أعلم.

المسافة بالميل لسفر المرأة وقصر الصلاة

السؤال:

ما هي المسافة بالميل التي يجوز بها للمرأة أن تسافر بدون محرم؟

ما هي المسافة بالميل التي يجوز معها قصر الصلاة؟

الجواب:

الحمد لله:

اختلف أهل العلم في تقدير المسافة التي يكون فيها الضارب في الأرض مسافراً، تُقصر فيها الصلاة ويُفطر فيها، ويجب فيها المَحرَم للمرأة.

والأقوال في هذه المسألة كثيرة، وأرجح هذه الأقوال أن لا مسافة، بل مرجع تحديد السفر هو عرف الناس، فقد تكون المسافة قريبة وهي سفر، وقد تكون بعيدة وهي ليست سفراً.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: … وإذا كان كذلك فنقول: كل اسم ليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفراً في عرف الناس فهو السفر الذي علَّق به الشارع الحكم.  ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 40 ، 41 ).

وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -: وإذا كان لم يُروَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم تقييد السفر بالمسافة، وليس هناك حقيقة لغوية تقيِّده: كان المرجع فيه إلى العُرف، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ” كان النبي صلى الله عليه إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلَّى ركعتين”، ومعلوم أن ثلاثة فراسخ نسبتها إلى ستة عشر فرسخاً يسيرة جدّاً.

فالصحيح أنه لا حدَّ للمسافة، وإنما يرجع في ذلك للعرف، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إن المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر، والإقامة الطويلة في المسافة القصيرة سفر …” الشرح الممتع ” ( 4 / 498 ).

وعليه: فإنه لا يحل للمرأة أن تسافر من غير محرَم دون تحديد لمسافة، بل كل ما تعارف عليه الناس أنه سفر فلا يحل لها قطعه من غير محرَم.

وما دون هذه المسافة فلا يجب أن يكون معها محرَم إلا إن خشي عليها عدم الأمن في الطريق.

والله أعلم.

هل تصوم زوجته معه أم مع أهلها؟

السؤال:

هل يجب على زوجتي أن تصوم معي عندما يحين رمضان وأبدأ في الصيام, أم يمكنها أن تصوم إذا صام أهلها؟ إذا لم تصم معي فسيؤثر ذلك علي،  هل الأمر مهم جدا أم لا؟

المشكلة في أنّ أهلها يتبعون مسجدا غير الذي أذهب إليه؛ لذلك فإن دخول رمضان يختلف بيننا، وهذا هو حالنا في بريطانيا منذ سنوات، المسجد الذي أتبعه (حنفي – سنّي) يبعد مسافة ميلين فقط, بينما يوجد مسجد آخر على بعد بضع دقائق سيرا على الأقدام لكنه (ليس حنفي – سني)،  فهل يجوز أن أتبع المسجد القريب في إعلانهم دخول الشهر، أم يجوز لي أن أتبع المسجد البعيد الذي أذهب إليه بالسيارة في ذلك؟

وسأقدر لك كثيرا مساعدتك، وشكرا لك.

الجواب:

الحمد لله:

يجب على المسلمين جميعا في كافة أقطار الأرض أن يصوموا لرؤية الهلال وأن يفطروا لرؤيته؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:” أنّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ذكر رمضان، فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم  فاقدروا له”. رواه البخاري ( 1801 ) ومسلم ( 1080 ).

ويكفي الأمة كاملة أن يرى الهلال رجل من المسلمين على أن يكون عدلاً صادقاً عالماً بالهلال.

عن ابن عباس:” قال جاء أعرابي إلى النبي  صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال: يعني هلال رمضان، فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال أذِّن في الناس أن يصوموا غداً”.

رواه الترمذي( 691) وأبو داود( 2340) والنسائي( 2112) وابن ماجه( 1652)، والحديث: صححه ابن حبان( 8 / 229) والحاكم( 1 / 437) وغيرهما.

ولذلك يجب عليك وعليها أن تتبعا أول دولة تعلن عن صيام رمضان، كونك في بريطانيا لا تتبع دولةً مسلمةً وكونها لا تراقب الهلال ولا يقبل منهم ذلك.

فإن فاتكما أن تراقبا إعلان الدول عن الصيام وأخذتما بأقوال أئمة المساجد والمسؤولين عنها: فصوما عند أول إعلان عن الصيام سواء أعلن المسجد القريب أو البعيد ولا يلزمك أن تتبع رأي زوجتك أو أن تتبع هي رأيك بل تصومان مع أول إعلان، فإن لم تصم زوجتك فلتخالفها ولا يضر ذلك. 

والله أعلم.

هل في كتابة الأدب الخيالي محذورات؟

السؤال:

في واحدةٍ من ردودكم السابقة ذكرتم أن من المسموح به كتابة الأدب الخيالي، طالما تمّ بوضوح بيانٍ أنّ الأحداثَ الموصوفة خيالية وأن محتوى القطعة لا يؤكد على تحليل الحرام.

وسؤالي هو: ما دامت الكتابة الخيالية عملية إبداعية، خاصة في جانب خلق الشخصيات، فهل يمكن أن يعتبر هذا مماثلا لعمل الصور وبالتالي يكون حراما؟ أم هل لأن الشخصية لا تعيش إلا في الخيال فهي ليست مثل عمل الصور؟ وهل استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم شخصيات خيالية في السنة لتأكيد هذه النقطة الأخيرة؟

وشكرا لكم على تفضلكم بالرد.

الجواب:

الحمد لله:

لا يمكن أن تكون مقارنة بين التحدث عن شخصيات وهمية خيالية لتقريب مفهوم أو حدث، مع الصورة والتي جاء النص بحرمة صنعها وإيجادها، فعمل المتحدث يختلف عن عمل المصور الذي يضاهي بفعله خلق الله عز وجل.

وليست العلة هي الإبداع حتى يقال بتحريم الأول، اللهم إلا إذا أضيف إلى الحديث شيء فيه فسق أو فجور، أو يوهم المتحدث أن هذا حقيقة وليس من الخيال في شيء فيقع في الكذب.

لكن يحسن التنبيه على شيء وهو: أنه إذا أضيف إلى الحديث المجرد وصف لامرأة حتى يكاد يراها – والنظر إليها حقيقة محرم – فإن هذا الوصف محرم؛ لأنه يؤدي بالسامع أن تتشكل في ذهنه ” صورة ” هذه المرأة كأنه يراها ” حقيقة “.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:” لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها”. رواه البخاري ( 4942 ).

– تباشر: تخالط وتلامس البشرة.

– تنعتها: تصفها.

قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث: قال القابسي: هذا أصل لمالك في سد الذرائع, فإن الحكمة في هذا النهي خشية أن يعجب الزوج الوصف المذكور فيفضي ذلك إلى تطليق الواصفة أو الافتتان بالموصوفة. أ.هـ

وهذا الحديث حجة في كل ما يوصف ويخيل للقارئ مما يحرم عليه مشاهدته ، ولعل هذه هي العلاقة الوحيدة بين الخيال والصورة .

أما استخدام الرسول صلى الله عليه وسلم لشخصيات خيالية فهذا غير معروف في السنة النبوية.

والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر كثيراً من القصص عن الأمم السابقة، وفي كل قصة هدف أو خلق أو علم ينتفع به السامع للحديث، من غير حاجة إلى ذكر شخصية خيالية لا يقتدى بها ولا يُؤتسى بفعلها.

والله أعلم.

ما أثر أداء الحج على نفس المسلم وحياته؟

السؤال:

ما أثر أداء الحج على نفس المسلم وحياته؟

الجواب:

الحمد لله:

– لأداء مناسك الحج فضائل متعددة وحِكَم بالغة من وُفِّقَ لفهمها والعمل بها وفق لخير عظيم، وسنحاول هنا ذكر ما تيسر:

  1.  سفر الإنسان إلى الحج لأداء المناسك: يتذكر سفره إلى الله والدار الآخرة، وكما أن في السفر فراق الأحبة والأهل والأولاد والوطن؛ فإن السفر إلى الدار الآخرة كذلك.
  •  وكما أن الذاهب في هذا السفر يتزود من الزاد الذي يبلغه إلى الديار المقدسة، فلْيَتذكر أنّ سفره إلى ربه ينبغي أن يكون معه من الزاد ما يبلغه مأمنه، وفي هذا يقول الله تعالى:{ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ( البقرة / 197 ) .
  •  وكما أن السفر قطعة من العذاب فالسفر إلى الدار الآخرة كذلك وأعظم منه بمراحل، فأمام الإنسان النّزع والموت والقبر والحشر والحساب والميزان والصراط ثم الجنة أو النار، والسعيد من نجَّاه الله تعالى.
  •  وإذا لبس المحرم ثوبَي إحرامه فلا يذكر إلا كفنه الذي سيكفن به، وهذا يدعوه إلى التخلص من المعاصي والذنوب، وكما تجرد من ثيابه فعليه أن يتجرد من الذنوب، وكما لبس ثوبين أبيضين نظيفين فكذا ينبغي أن يكون قلبه وأن تكون جوارحه بيضاء لا يشوبها سواد الإثم والمعصية.
  •  وإذا قال في الميقات:” لبيك اللهم لبيك” فهو يعني أنه قد استجاب لربه تعالى، فما باله باقٍ على ذنوب وآثام لم يقل لربه بها” لبيك اللهم لبيك” يعني: استجبت لنهيك لي عنها وهذا أوان تركها؟
  •  وتركه للمحظورات أثناء إحرامه، واشتغاله بالتلبية والذكر: يبين له حال المسلم الذي ينبغي أن يكون عليه، وفيه تربية له وتعويد للنفس على ذلك، فهو يروض نفسه ويربيها على ترك مباحات في الأصل لكن الله حرمها عليه ها هنا فكيف أن يتعدى على محرمات حرمها الله عليه في كل زمان ومكان؟
  •  ودخوله لبيت الله الحرام الذي جعله الله أمناً للناس يتذكر به العبد الأمن يوم القيامة، وأنه لا يحصله الإنسان إلا بكد وتعب، وأعظم ما يؤمن الإنسان يوم القيامة التوحيد وترك الشرك بالله، وفي هذا يقول الله تعالى:{ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ( الأنعام / 81 ).

وتقبيله للحجر الأسود وهو أول ما يبدأ به من المناسك يربي الزائر على تعظيم السنة، وأن لا يتعدى على شرع الله بعقله القاصر، ويعلم أن ما شرع الله للناس فيه الحكمة والخير، ويربي نفسه على عبوديته لربه تعالى، وفي هذا يقول عمر رضي الله عنه بعد أن قبَّل الحجر الأسود:” إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّلُك ما قبلتك”.

رواه البخاري ( 1520 ) ومسلم ( 1720 ).

  •  وفي طوافه يتذكر أباه إبراهيم عليه السلام، وأنه بنى البيت ليكون مثابة للناس وأمناً، وأنه دعاهم للحج لهذا البيت، فجاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ودعا الناس لهذا البيت أيضاً، وكذا كان يحج إليه موسى وعيسى عليهما السلام، فكان هذا البيت شعاراً لهؤلاء الأنبياء وملتقىً لهم، وكيف لا وقد أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام ببنائه وتعظيمه.
  •  وشربه لماء زمزم يذكره بنعمة الله تعالى على الناس في هذا الماء المبارك والذي يشرب منه ملايين الناس على مدى دهور طويلة ولم ينضب، ويحثه على الدعاء عند شربه لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم:” أن ماء زمزم لِمَا شرب له”. رواه ابن ماجه ( 3062 ) وأحمد ( 14435 ) وهو حديث حسن حسَّنه ابن القيم رحمه الله في” زاد المعاد” ( 4 / 320 ).
  1. ويعلمه السعي بين الصفا والمروة عظيم تحمل أُمِّنا هاجر للابتلاء، وكيف أنها كانت تتردد بين الصفا والمروة بحثاً عن نفسٍ تخلصها مما هي فيه من محنة وخاصة في شربة ماء لولدها الصغير– إسماعيل -، فإذا صبرت هذه المرأة على هذا الابتلاء ولجأت لربها فيه فلأن يفعل المرء ذلك أولى وأحرى له، فالرجل يتذكر جهاد المرأة وصبرها فيخفف عليه ما هو فيه، والمرأة تتذكر مَنْ هُوَ مِنْ بنات جِنسها فتهون عليها مصائبها.
  1. والوقوف بعرفة يذكر الحاج بازدحام الخلائق يوم المحشر، وأنه إن كان الحاج ينصب ويتعب من ازدحام آلاف، فكيف بازدحام الخلائق حفاة عراة غُرلا – غير مختونين–؟
  1. ومثل ما قلنا في تقبيل الحجر الأسود نقول في رمي الجمار حيث يعوِّدُ المسلم نفسه على الطاعة المجردة من ربط الأحكام بعلَلِها، وفي هذا إظهار للعبودية المحضة.
  1. وأما ذبح الهدي فيذكره بالحادثة العظيمة في تنفيذ أبينا إبراهيم لأمر الله تعالى بذبح ولده البكر إسماعيل بعد أن شبَّ وصار مُعيناً له، وأنه لا مكان للعاطفة التي تخالف أمر الله ونهيه، ويعلمه كذلك خُلُقَ الاستجابة لما أمر الله بقول الذبيح إسماعيل:{ يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } ( الصافات / 102 ).
  1. فإذا ما تحلل من إحرامه وحلَّ له ما حرمه الله عليه: رباه ذلك على الصبر، وأن مع العسر يسراً، وأن عاقبة المستجيب لأمر الله الفرح والسرور وهذه فرحة لا يشعر بها إلا من ذاق حلاوة الطاعة، كالفرحة التي يشعرها الصائم عند فطره، أو القائم في آخر الليل بعد صلاته.
  1. وإذا انتهى من مناسك الحج وجاء به على ما شرع الله وأحب، وأكمل مناسكه رجا ربه أن يغفر له ذنوبه كلها كما وعد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:” مَن حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه” رواه البخاري ( 1449 ) ومسلم ( 1350 )، ودعاه ذلك ليفتح صفحة جديدة في حياته خالية من الآثام والذنوب.
  1. وإذا رجع إلى أهله وبَنِيه وفرح بلقائهم، ذكره ذلك بالفرح الأكبر بلقائهم في جنة الله تعالى، وعرَّفه ذلك بأن الخسارة هي خسارة النفس والأهل يوم القيامة، كما قال تعالى:{ قل إنّ الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين } ( الزمر / 15 ).

هذا ما تيسر ذكره

والله أعلم.

أسئلة عن الميراث وحالاته

السؤال:

في سورة 4( سورة النّساء ) آية رقم 11و12و176 تذكر قانون الإرث في الإسلام، إذا مات الرجل وترك 3 بنات فإن الوالدان والزوجة يرثون ثلثي ما ترثه البنات الثلاثة جميعاً، ثلث للوالدين وثمن للزوجة فيصبح المجموع أكثر من المبلغ المتروك.

مثــال ثــاني: رجـل مـات عــن والـدة وزوجـة وأختـان، ترث الأم الثلث وترث الزوجة الربع وثلثان للأختين وهنا أيضاً المجموع أكثر من الإرث المتروك (12/15 ).

هل يمكن أن تشرح تلك الآيتين ولماذا المجموع لا يكون صحيحاً؟

الجواب:

الحمد لله:

سنذكر إن شاء الله شرحاً مفصلاً للآيات التي طلب السائل شرحها ، ثم نفصل أكثر في مسألة زيادة الأنصبة عن الميراث .

1.  قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – عن الآيات المشار إليها في السؤال -: هذه الآيات والآية التي هي آخر السورة من آيات المواريث المتضمنة لها؛ فإنها مع حديث عبد الله بن عباس، الثابت في صحيح البخاري:« ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأولى رجل ذكر» مشتملات على جلّ أحكام الفرائض، بل على جميعها، كما سترى ذلك، إلا ميراث الجدات، فإنه غير مذكور في ذلك.

 لكنّه قد ثبت في السنن، عن المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس، مع إجماع العلماء على ذلك.

بيان ميراث الأولاد :

{ يوصيكم الله في أولادكم} أي: أولادكم – يا معشر الوالدين- عندكم ودائع قد وصّاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدّبونهم، وتكفّونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله، وملازمة التقوى على الدوام كما قال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة} فالأولاد – عند والديهم – موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، فلهم جزيل الثواب، وإما أن يضيعوها، فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب.

وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين – مع كمال شفقتهما، عليهم.

         ثم ذكر كيفية إرثهم فقال: {للذكر مثل حظ الأنثيين} أي: الأولاد للصلب، والأولاد للابن، للذكر مثل حظ الأنثيين، إن لم يكن معهم صاحب فرض، أو ما أبقت الفروض، يقتسمونه كذلك.

         وقد أجمع العلماء على ذلك، وأنه – مع وجود أولاد الصلب – فالميراث لهم، وليس لأولاد الابن شيء، حيث كان أولاد الصلب، ذكوراً وإناثاً، هذا مع اجتماع الذكور والإناث، وهنا حالتان: انفراد الذكور، وسيأتي حكمها، وانفراد الإناث، وقد ذكره بقوله.

أحكام البنات في الميراث:

{ فإن كن نساء فوق اثنتين } أي: بنات صلب، أو بنات ابن، ثلاثاً فأكثر{ فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة} أي: بنتاً، أو بنت ابن{ فلها النصف} وهذا إجماع.

بقي أن يقال: من أين يستفاد أن للبنتين الثنتين، الثلثين بعد الإجماع على ذلك؟

فالجواب أنه يستفاد من قوله: { فإن كانت واحدة فلها النصف}، فمفهوم ذلك: أنّه إن زادت على الواحدة، انتقل الفرض عن النصف، ولا ثم بعده إلا الثلثان، وأيضاً: فقوله:{ للذكر مثل حظ الأنثيين } إذا خلّف ابناً وبنتاً، فإن الابن، له الثلثان، وقد أخبر الله، أنه مثل حظ الأنثيين، فدل ذلك، على أن للبنتين الثلثين، وأيضاً فإن البنت إذا أخذت الثلث مع أخيها – وهو أزيد ضرراً عليها من أختها – فأخذها له – مع أختها – من باب أولى وأحرى، وأيضاً فإن قوله تعالى في الأختين:{ فإن كانتا اثنتين، فلهما الثلثان مما ترك} نصّ في الأختين الثلثين، فإذا كان الأختان الثنتان – مع بُعدهما – يأخذان الثلثين، فالابنتان – مع قربهما – من باب أولى وأحرى، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم، ابنتي سعد، الثلثين كما في الصحيح.

بقي أن يقال: فما الفائدة في قوله:{ فوق اثنتين }؟.

         قيل: الفائدة في ذلك – والله أعلم – أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان، لا يزيد بزيادتهن على الثنتين، بل من الثنتين فصاعداً.

         ودلت الآية الكريمة، أنه إذا وجد بنت صلب واحدة، وبنت ابن أو بنات ابن، فإن لبنت الصلب، النصف، ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما الله للبنات، أو بنات الابن، السدس، فيعطى بنت الابن، أو بنات الابن، ولهذا يسمى هذا السدس، تكملة الثلثين، ومثل ذلك، بنت الابن، مع بنات الابن، اللاتي أنزل منها.

         وتدل الآية، أنه متى استغرق البنات أو بنات الابن الثلثين، أنه يسقط من دونهن، من بنات الابن؛ لأنّ الله لم يفرض لهن، إلا الثلثين، وقد تم، فلو لم يسقطن: لزم من ذلك أن يفرض لهن، أزيدَ من الثلثين، وهو خلاف النص، وكل هذه الأحكام، مجمع عليها بين العلماء، ولله الحمد.

         ودل قوله:{مما ترك} أن الوارثين، يرثون كل ما خلف الميت، من عقار، وأثاث، وذهب، وفضة، وغير ذلك، حتى الدية، التي لم تجب إلا بعد موته، وحتى الديون التي في الذمة.

أحكام الأبوين في الميراث:

         ثم ذكر ميراث الأبوين فقال:{ ولأبويه } أي: أبوه وأُمه{ لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } أي: ولد صلب، أو ولد ابن، ذكراً كان أو أُنثى، واحداً أو متعدداً، فأما الأُم، فلا تزيد على السدس مع أحد من الأولاد.

أحكام الأب في الميراث:

         وأما الأب، فمع الذكور منهم، لا يستحق أزيد من السدس، فإن كان الولد أُنثى أو إناثاً، ولم يبق بعد الفرض شيء، كأبوين وابنتين، لم يبق له تعصيب، وإن بقي بعد فرض البنت أو البنات شيء، أخذ الأب السدس فرضاً، والباقي تعصيباً؛ لأننا ألحقنا الفروض بأهلها، فما بقي: فلأولى رجل ذكر، وهو أولى من الأخ والعم، وغيرهما.

 { فإن لم يكن له ولد، وورثه أبواه، فلأُمِّه الثلث } أي: والباقي للأب؛ لأنه أضاف المال إلى الأب والأُم، إضافة واحدة، ثم قدّر نصيب الأُم، فدل ذلك، على أن الباقي للأب.

         وعلم من ذلك، أنّ الأب – مع عدم الأولاد – لا فرض له، بل يرث – تعصيباً – المال كله، أو ما أبقت الفروض، ولكن لو وجد مع الأبوين، أحد الزوجين – ويعبر عنهما بالعمريتين – فإن الزوج أو الزوجة، يأخذ فرضه، ثم تأخذ الأُم ثلث الباقي والأب الباقي، وقد دلَّ على ذلك قوله: { وورثه أبواه فلأُمه الثلث } ثلث ما ورثه  الأبوان، وهو في هاتين الصورتين، إما سدس في زوج وأُم وأب، وإما ربع في زوجة، وأُم وأب، فلم تدل الآية على إرث الأُم، ثلث المال كاملاً، مع عدم الأولاد، حتى يقال: إن هاتين الصورتين، قد استثنيتا من هذا.

         ويوضح ذلك، أن الذي يأخذه الزوج أو الزوجة، بمنزلة ما يأخذه الغرماء، فيكون من رأس المال، والباقي بين الأبوين؛ ولأنا لو أعطينا الأم ثلث المال، لزم زيادتها على الأب، في مسألة الزوج، أو أخذ الأب في مسألة الزوجة، زيادة عنها نصف السدس، وهذا لا نظير له، فإن المعهود مساواتها للأب، أو أخذه ضعف ما تأخذه الأُم.

أحكام الأم في الميراث:

{ فإن كان له إخوة فلأُمِّه السُدس } أشقاء، أو لأب، أو لأُم، ذكوراً أو إناثاً، وارثين، أو محجوبين بالأب، أو الجد، لكن قد يقال: ليس ظاهرُ قولِه: { فإن كان له إخوة } شاملاً لغير الوارثين، بدليل عدم تناولها للمحجوب بالوصف، فعلى هذا لا يحجبها عن الثلث من الإخوة، إلا الإخوة الوارثون.

         ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث؛ لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال، وهو معدوم، والله أعلم.

ولكن يشرط كونهم اثنين فأكثر، ويشكل على ذلك، إتيان لفظ «الإخوة» بلفظ الجمع. وأجيب عن ذلك: بأن المقصود: مجرد التعدد لا الجمع، ويصدق ذلك باثنين.

وقد يطلق الجمع، ويراد به الاثنان كما في قوله تعالى عن داود وسليمان: { وكنا لحكمهم شاهدين} وقال في الإخوة للأُم: { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث}.

 فأطلق لفظ الجمع، والمراد به، اثنان فأكثر، بالإجماع، فعلى هذا، لو خلف أماً وأباً وإخوة، كان للأُم السدس، والباقي للأب، فحجبوها عن الثلث، مع حجب الأب إياهم، إلا على الاحتمال الآخر، فإن للأُم الثلث، والباقي للأب.

         ثم قال تعالى: { من بعد وصية يوصي بها أو دين } أي: هذه الفروض والأنصباء، والمواريث، إنما ترد وتستحق، بعد نزع الديون التي على الميت لله، أو للآدميين، وبعد الوصايا، التي قد أوصى الميت بها بعد موته، فالباقي عن ذلك، هو التركة، التي يستحقها الورثة.

وقدم الوصية – مع أنها مؤخرة عن الدَّيْن – للاهتمام بشأنها، لكون إخراجها، شاقاً على الورثة، وإلا، فالديون مقدمة عليها، وتكون من رأس المال.

وأما الوصية فإنها تصح من الثلث فأقل، للأجنبي الذي هو غير وارث، وأما غير ذلك، فلا ينفذ، إلا بإجازة الورثة، قال تعالى: { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً }.

فلو رد تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم، لحصل من الضرر، ما الله به عليم، لنقص العقول، وعدم معرفتها بما هو اللائق والأحسن، في كل زمان ومكان، فلا يدرون أي الأولاد، أو الوالدين، أنفع لهم وأقرب، لحصول مقاصدهم الدينية والدنيوية.

{ فريضة من الله إن الله كان عليماً حكيماً } أي: فرضها الله الذي قد أحاط بكل شيء علماً، وأحكم ما شرعه، وقدَّر ما قدَّره، على أحسن تقدير، لا تستطيع العقول أن تقترح مثل أحكامه الصالحة الموافقة، لكل زمان، ومكان، وحال.

حكم الزوج والزوجات في الميراث:

        ثم قال تعالى: { ولكم } أيها الأزواج {نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين }.

         ويدخل في مسمى الولد، المشروط وجوده أو عدمه، ولد الصلب أو ولد الابن الذكر والأُنثى، الواحد والمتعدد، الذي من الزوج، أو من غيره، ويخرج عنه، ولد البنات إجماعاً.

بيان معنى «الكلالة» ونصيبها في الميراث:

ثم قال تعالى: { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت } أي: من أم، كما هي في بعض القراءات، وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة – هنا – الإخوة للأم، فإذا كان يورث كلالة أي: ليس للميت والد ولا ولد، أي: لا أب، ولا جد، ولا ابن، ولا ابن ابن، ولا بنت، ولا بنت ابن وإن نزلوا، وهذه هي: الكلالة، كما فسرها بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد حصل على ذلك الاتفاق، ولله الحمد.

{ فلكل واحد منهما } أي: من الأخ والأخت { السدس }،{ فإن كانوا أكثر من ذلك } أي: من واحد { فهم شركاء في الثلث } أي: لا يزيدون على الثلث، ولو زادوا على اثنين، ودل قوله: { فهم شركاء في الثلث } أن ذكرهم وأنثاهم سواء؛ لأن لفظ «الشريك» يقتضي التسوية.

ودل لفظ: { الكلالة } على أن الفروع وإن نزلوا، والأصول الذكور وإن علوا، يسقطون أولاد الأم، لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة، فلو لم يكن يورث كلالة، لم يرثوا منه شيئاً، اتفاقاً.

ودل قوله: { فهم شركاء في الثلث } أن الإخوة الأشقاء، يسقطون في المسألة المسماة بالحمارية، وهي: زوج، وأُم، وإخوة لأُم، وإخوة أشقاء. فللزوج النصف. وللأم السدس. وللإخوة للأم الثلث. ويسقط الأشقاء، لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأُم. فلو شاركهم الأشقاء، لكان جمعاً لما فرّق الله حكمه، وأيضاً فإن الإخوة للأم، أصحاب فروض، والأشقاء عصبات.

         وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأولى رجل ذكر».

وأهل الفروض هم: الذين قدّر الله أنصباءهم، ففي هذه المسألة، لا يبقى بعدهم شيء، فيسقط الأشقاء، وهذا هو الصواب في ذلك.

وأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء، أو لأب، فمذكور في قوله: { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } الآية.

 فالأخت الواحدة، شقيقة، أو لأب لها النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب، أو الأخوات، تأخذ النصف والباقي من الثلثين للأخت، أو الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين، وإذا استغرقت الشقيقات الثلثين، تسقط الأخوات للأب، كما تقدم في البنات، وبنات الابن، وإن كان الإخوة، رجالاً ونساء، فللذكر مثل حظ الأنثيين.

حكم القاتل واختلاف دين الميت وأقربائه:

         فإن قيل: فهل يستفاد حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والمبعّض والخنثى، والجد مع الإخوة لغير أم، والعول، والرد وذوي الأرحام، وبقية العصبة، والأخوات لغير أم، مع البنات، أو بنات الابن، من القرآن أم لا؟

قيل: نعم، فيه تنبيهات وإشارات دقيقة، يعسر فهمها على غير المتأمل، تدل على جميع المذكورات، فأما (القاتل والمخالف في الدين) فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية، في توزيع المال على الورثة، بحسب قربهم، ونفعهم الديني والدنيوي.

         وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله: { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً }، وقد علم أن القاتل، قد سعى لمورثه بأعظم الضرر، فلا ينتهض ما فيه، من موجب الإرث، أن يقاوم ضرر القتل، الذي هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث، فعلم من ذلك أنّ القتل أكبر مانع يمنع من الميراث، ويقطع الرحم الذي قال الله فيه: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية، أن «من استعجل شيئاً قبل أوانه، عوقب بحرمانه».

         وبهذا نحوه، يعرف أن المخالف لدين الموروث لا إرث له، وذلك أنه قد تعارض الموجب، الذي هو: اتصال النسب، الموجب للإرث، والمانع الذي هو المخالفة في الدين، الموجبة للمباينة من كل وجه.

         فقوي المانع، ومنع موجب الإرث، الذي هو النسب، فلم يعمل الموجب لقيام المانع. يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين، أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية، فإذا مات المسلم، انتقل ماله إلى مَنْ هو أولى وأحق به، فيكون قوله تعالى: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } إذا اتفقت أديانهم، وأما مع تباينهم، فالأخوة الدينية، مقدمة على الأخوة النسبية المجردة.

قال ابن القيم في «جلاء الأفهام»: «وتأمل هذا المعنى من آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة، دون المرأة كما في قوله تعالى: { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } ففيه إيذان بأن التوارث، إنما وقع بالزوجية، المقتضيّة للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته، فوق عقول العاقلين انتهى.

حكم الرقيق في الميراث:

 وأما (الرقيق)، فإنه لا يرِث ولا يورِّث.

         أما كونه لا يورِّث فواضح؛ لأنّه ليس له مال يورث عنه، بل كل ما معه، فهو لسيده. وأما كونه لا يرث؛ فلأنه لا يملك، فإنه لو ملك، لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت، فيكون مثل قوله تعالى: { للذكر مثل حظ الأنثيين … ولكم نصف ما ترك أزواجكم … فلكل واحد منهما السدس } ونحوها، لمن يتأتى منه التملك، وأما الرقيق، فلا يتأتى منه ذلك، فعلم أنه لا ميراث له.

 وأما من بعضه حر، وبعضه رقيق:

 فإنه تتبعض أحكامه، فما فيه من الحرية، يستحق بها ما رتبه الله في المواريث، لكون ما فيه من الحرية، قابلاً للتملك، وما فيه من الرق، فليس بقابل لذلك، فإذاً يكون المبعض، يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، وإذا كان العبد يكون محموداً ومذموماً، مثاباً ومعاقباً، بقدر ما فيه من موجبات ذلك، فهذا كذلك.

حكم الخنثى والمشكل في الميراث:

         وأما (الخنثى) فلا يخلو، إما أن يكون واضحاً ذكوريته أو أُنوثيته، أو مشكلاً، فإن كان واضحاً، فالأمر فيه واضح:

 إن كان ذكراً: فله حكم الذكور، ويشمله النص الوارد فيهم.

 وإن كانت أُنثى: فلها حكم الإناث، ويشملها النص الوارد فيهن.

 وإن كان مشكلاً: فإن كان الذكر والأنثى لا يختلف إرثهما – كالإخوة للأم – فالأمر فيه واضح.

 وإن كان يختلف إرثه: بتقدير ذكوريته، وبتقدير أُنوثيته، ولم يبق لنا طريق إلى العلم بذلك، لم نعطه أكثر التقديرين، لاحتمال ظلم مَنْ معه من الورثة، ولم نعطه الأقل، لاحتمال ظلمنا إياه، فوجب التوسط بين الأمرين، وسلوك أعدل الطريقين، قال تعالى: { اعدلوا هو أقرب للتقوى }، فليس لنا طريق إلى العدل في مثل هذا، أكثر من هذا الطريق المذكور، { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } { فاتقوا الله ما استطعتم }.

ميراث الجد:

         وأما (ميراث الجد) مع الإخوة الأشقاء، أو لأب، وهل يرثون معه أم لا؟ فقد دلَّ كتاب الله، على قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أن الجد يحجب الإخوة، أشقاء، أو لأب، أو لأم، كما يحجبهم الأب.

         وبيان ذلك: أن الجد: أب في غير موضع في القرآن كقوله تعالى: { إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحق } الآية، وقال يوسف عليه السلام: { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب }، فسمى الله الجد، وجد الأب، أباً؛ فدل ذلك على أن الجد، بمنزلة الأب، يرث ما يرثه الأب، ويحجب مَنْ يحجبه (أي: عند عدمه).

وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أن الجد، حكمه حكم الأب عند عدمه في ميراثه مع الأولاد وغيرهم، من بين الإخوة والأعمام وبنيهم، وسائر أحكام المواريث – فينبغي أيضاً، أن يكون حكمه حكمه، في حجب الإخوة لغير أُم.

         وإذا كان ابن الابن بمنزلة ابن الصلب، فلِمَ لا يكون الجد بمنزلة الأب؟ وإذا كان جد الأب، مع ابن الأخ، قد اتفق العلماء على أنه يحجبه، فلِمَ لا يحجب جد الميت أخاه؟ فليس مع مَنْ يورث الإخوة مع الجد، نص ولا إشارة، ولا تنبيه، ولا قياس صحيح.

العَوْل وأحكامه:

         وأما مسائل (العول) فإنه يستفاد حكمها من القرآن، وذلك أن الله تعالى قد فرض وقدَّر لأهل المواريث أنصباء، وهم بين حالتين: إما أن يحجب بعضهم بعضاً أو لا.

         فإن حجب بعضهم بعضاً، فالمحجوب ساقط لا يزاحم، ولا يستحق شيئاً، وإن لم يحجب بعضهم بعضاً فلا يخلو: إما أن لا تستغرق الفروض التركة، أو تستغرقها من غير زيادة ولا نقص أو تزيد الفروض على التركة، ففي الحالتين الأوليين، كلٌ يأخذ فرضه كاملاً، وفي الحالة الأخيرة وهي – ما إذا زادت الفروض على التركة – فلا يخلو من حالين:

 – إما أن ننقص بعض الورثة عن فرضه الذي فرضه الله له، ونكمل للباقين منهم فروضهم، وهذا ترجيح بغير مرجح، وليس نقصان أحدهم بأولى من الآخر، فتعينت الحال الثانية .

– وهي: أننا نعطي كل واحد منهم نصيبه بقدر الإمكان، ونحاصص بينهم، كديون الغرماء الزائدة على مال الغريم ولا طريق موصل إلى ذلك إلا بالعول، فعلم من هذا أنّ العول في الفرائض قد بينه الله في كتابه.

بيان أحكام الرد على أصحاب الفرائض:

         وبعكس هذه الطريقة بعينها، يعلم (الرد)، فإن أهل الفروض – إذا لم تستغرق فروضهم التركة، وبقي شيء ليس له مستحق، من عاصب قريب ولا بعيد، فإنّ ردّه على أحدهم ترجيح بغير مرجح، وإعطاؤه غيرهم ممن ليس بقريب للميت جنف وميل ومعارضة لقوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب  الله}، فتعين أن يرد على أهل الفروض بقدر فروضهم.

حكم الرد على الزوجين في الميراث:

ولمّا كان الزوجان، ليسا من القرابة، لم يستحقا الزيادة على فرضهم المقدر عند القائلين، بعدم الرد عليهما، وأما على القول الصحيح أن حكم الزوجين حكم باقي الورثة في الرد، فالدليل المذكور شامل للجميع كما شملهم دليل العول.

حكم ذوي الأرحام في الميراث:

وبهذا يعلم أيضاً ميراث ذوي الأرحام فإن الميت إذا لم يخلف صاحب فرض، ولا عاصباً، وبقي الأمر دائراً بين كون ماله يكون لبيت المال، لمنافع الأجانب، وبين كون ماله يرجع إلى أقربائه المدلين بالورثة، المجمع عليهم، تعين الثاني.

ويدل على ذلك قوله تعالى: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله }. فصرفه لغيرهم، ترك لمن هو أولى من غيره، فتعين توريث ذوي الأرحام.

 وإذا تعين توريثهم،  فقد علم أنه ليس لهم نصيب مقدَّر بأعيانهم في كتاب الله، وأن بينهم وبين الميت وسائط، صاروا – بسببها – من الأقارب فينزلون منزلة مَنْ أدلوا به من تلك الوسائط، والله أعلم.

بيان مَنْ هم عصبة الميت وحكمهم في الميراث:

وأما (ميراث بقية العصبة) كالبنوة والأخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم إلخ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». وقال تعالى: { ولكلٍ جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون }. فإذا ألحقنا الفروض بأهلها، ولم يبق شيء، لم يستحق العاصب شيئاً، وإن بقي شيء، أخذه أولي العصبة بحسب جهاتهم ودرجاتهم.

جهات العصبة:

فإن جهات العصوبة خمس: البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة وبنوهم، ثم العمومة وبنوهم، ثم الولاء، ويقدَّم منهم الأقرب جهة، فإن كانوا في جهة واحدة فالأقرب منزلة، فإن كانوا بمنزلة واحدة، فالأقوى وهو الشقيق، فإن تساووا من كل وجه اشتركوا، والله أعلم.

وأما كون الأخوات  لغير أُم، مع البنات، أو بنات الابن عصبات، يأخذن ما فضل عن فروضهن، فلأنه ليس في القرآن، ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات.

 فإذا كان الأمر كذلك، وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن، فإنه يعطى للأخوات، ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن، كابن الأخ والعم، ومَنْ هو أبعد منهم، والله أعلم.

” تفسير السعدي ” ( ص 132 – 136 ).

وأما الآية 176 :

قال الشيخ السعدي : أخبر تعالى أن الناس استفتوا رسوله صلى الله عليه وسلم أي: في الكلالة بدليل قوله: { قل الله يفتيكم في الكلالة } وهي: الميت يموت وليس له ولد صلب، ولا ولد ابن، ولا أب، ولا جد؛ ولهذا قال: { إن امرؤ هلك ليس له ولد } أي: لا ذكر ولا أُنثى، لا ولد صلب، ولا ولد ابن.

         وكذلك ليس له والد، بدليل أنه ورث فيه الإخوة، والإخوة بالإجماع، لا يرثون مع الوالد، فإذا هلك وليس له ولد ولا والد { وله أخت } أي: شقيقة، أو لأب، لا لأم، فإنه قد  تقدم حكمها.

         { فلها نصف ما ترك } أي: نصف متروكات أخيها، من نقود، وعقار، وأثاث، وغير ذلك، وذلك من بعد الدين والوصية كما تقدم.

         { وهو } أي: أخوها الشقيق، أو الذي للأب { يرثها إن لم يكن لها ولد } ولم يقدر له إرث؛ لأنّه عاصب فيأخذ مالها كله، إن لم يكن صاحب فرض ولا عاصب يشاركه، أو ما أبقت الفروض.

         { فإن كانتا } أي الأختان { اثنتين } أي: فما فوق {فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء } أي: اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم، مع الإناث { فللذكر مثل حظ الأنثيين } فيسقط فرض الإناث، ويعصبهن إخوتهن.

{ يبين الله لكم أن تضلوا } أي: يبين لكم أحكامه التي تحتاجونها، ويوضحها، ويشرحها لكم، فضلاً منه وإحساناً، لكي تهتدوا ببيانه، وتعملوا بأحكامه، ولئلّا تضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلكم، وعدم علمكم.

{ والله بكل شيء عليم } أي: عالم بالغيب والشهادة، والأمور الماضية والمستقبلة ويعلم حاجتكم إلى بيانه، وتعليمه، فيعلمكم من علمه الذي ينفعكم على الدوام، في جميع الأزمنة والأمكنة.” تفسير السعدي ” ( ص 180 ).

2.  ما ذكره الأخ السائل واستشكله في المثال الثاني:

 هو ما يسميه علماء الفرائض بـ” العول ” وهو: زيادة سهام أصحاب الفروض ونقصان في مقادير أنصبائهم في التركة، والعول يكون عند تزاحم الفروض وكثرتها، فعندها يحسب أصل المسالة الجديد وهو مجموع سهام الورثة ويقسم عليه المال المتروك فيدخل النقص على كل واحد بحسب نصيبه وتستوعب التركة جميع أصحاب الفروض.

         والعول لم يقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمان أبي بكر رضي الله عنه وإنما وقع في زمان عمر رضي الله عنه فقد قال: ما أدري من أقدِّم منكم في العطاء ومن أُأَخّر، ثم استشار الصحابة فأشار عليه زيد بن ثابت رضي الله عنه  بالعول فقال عمر: أعيلوا الفرائض” وقد انعقد إجماع الصحابة – إلا ابن عباس رضي الله عنه  – والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم على العمل بالعول.

والله اعلم.

تنبيه:

ورد في السؤال الثاني خطأ في تقسيم الميراث عند السائل فقد أعطى الأم الثلث ” والواجب أن تعطى السدس فقط؛ وذلك لأن في المسألة أختين ومعلوم عند أهل الفرائض: أن اثنين من الإخوة فأكثر من أي جهة كانوا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس.

ما أقل المهر؟ وكم مهور أمهات المؤمنين بالعملة الحالية؟

ما أقل المهر؟ وكم مهور أمهات المؤمنين بالعملة الحالية؟

الجواب:

الحمد لله:

جاء تبيين أقل المهر فيما رواه مسلم في الصحيح رقم (1425) عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد النظر فيها وصوبه ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست فقام رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: فهل عندك من شيء، فقال: لا والله يا رسول، فقال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا، فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئاً ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظر ولو خاتما من حديد، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري فلها نصفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تصنع بإزارك، إن لبسته لم يكن عليها منه شيء فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولّي، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن، قال: معي سورة كذا وسورة وكذا فقال تقرؤهن عن ظهر قلبك قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن.

وفي هذا الحديث أنه يجوز أن يكون الصداق قليلاً وكثيراً مما يتمول إذا تراضى به الزوجان؛ لأنّ خاتم الحديد في نهاية من القلة، وهذا مذهب الشافعي وهذا مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وبه قال ربيعة وأبو الزناد وابن أبي ذئب ويحيى بن سعيد والليث بن سعد والثوري  والأوزاعي ومسلم بن خالد وابن أبي ليلي وداود وفقهاء أهل الحديث وابن وهب من أصحاب مالك، وهو مذهب كافة الحجازيين والبصريين الكوفيين والشاميين وغيرهم أنه يجوز ما تراضى به الزوجان من قليل وكثير كالسوط والنعل وخاتم الحديد ونحوه.

وأما السؤال عن مهور أمهات المؤمنين؟

فقد روى مسلم في “الصحيح ” رقم (1426)عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال:  سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشّاً قال أتدري ما النَّشُّ، قال قلت: لا، قالت: نصف أوقية: فتلك خمس مائة درهم فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه.

* وأما تحديد المهر بالعملة فلم أجد من نص على ذكره إلا ما وجدته في طي كلام محمود مهدي الاستانبولي في ” تحفة العروس ” (61) حين قال: والأوقية أربعين درهماً، والدرهم يساوي أربعين قرشاً سورياً فيكون مجموع المهر مئتي ليرة سورية”.

هذا جواب إحسان.

– تحديد مهر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بالعملة الحاليَّة:

قال العلامة ابن خلدون: فاعلم أن الإجماع منعقد منذ صدر الإسلام وعهد الصحابة والتابعين: أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقيَّة منه: أربعين درهماً، وهو على هذا سبعة أعشار الدينار … وهذه المقادير كلها ثابتة بالإجماع.” مقدمة ابن خلدون ” ( ص 263 ).

وعلى هذا:

– فوزن الدرهم بالجرامات = 2.975 جراما.

– فيكون مهر أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم = 500×2.975 = 1487.5 جراما من الفضة.

– وحيث إن سعر جرام الفضة الخالص بدون مصنعية حاليا حوالي 1 ريال فيكون المهر:

بالريال = 1487.5ريالاً تقريبا.

– وبالدولار = 396.7 تقريبا.

– هذا من حيث عموم نسائه، وقد يكون لبعضهن من المهر غير هذا.

– قال ابن كثير:… إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإنه أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى أربع مئة دينار، وإلا صفية بنت حيي، فإنه اصطفاها مِن سبي خيبر أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، رضي الله عنهن أجمعين.” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 500 ).

والله أعلم.

طلقها أربع مرات ويريد إرجاعها

السؤال:

لقد طُلقت ابنتي للمرة الرابعة، وفقا لحسابي. وقد حدث هذا في أثناء 10 أشهر منذ أن تزوجت. وقد نطق زوجها بالطلقة الرابع قبل أسبوعين من الآن، ومنذ ذلك الحين، وهو يحاول إرجاعها إليه؛ ولكي يتمكن من ذلك، فقد ذهب لشيخين وإمامين ليحصل على حكم حول إن كانت هذه الطلقة بالإضافة إلى الطلقات السابقة قد وقعت، وقد قال ما يلي لأحدهم، ولم يقله لهم جميعا:

– الطلقة الأولي: لقد كنت غاضبا عندما نطقت بالكلمة.

– الطلقة الثانية: لقد كنت متضايقا وقد دفعني أحدهم لأطلقها.

– الطلقة الثالثة: لقد كنت متضايقا، وقد دفعني أحدهم لأطلقها، وكانت في حيضتها.

– الطلقة الرابعة: لقد كنت متضايقا؛ لأني رأيتها أنا وشخص آخر في الخارج بدون نقاب ( كان وجهها مكشوفا ) وقال لي بأن دعاء الرجل لا يقبل إذا كانت زوجته لا تطيعه؛ لذلك فإن عليه أن يطلقها.

وقد أخبره أحد الشيخين وأحد الإمامين بأن زواجه منها قد انتهى، لكن الشيخ الآخر قال له بأن جميع تلك الطلقات لم تقع؛ لأنه طلق زوجته قبل أن ترى حيضتها مرة أخرى، وقد أخذ بهذا الحكم. وأيضا فقد وجدت الآن أنها حامل. بالإضافة إلى ذلك، فبعد أن طلقها لآخر مرة، فقد ذهب لأحد الأئمة في هذا الخصوص وكان يريد الزواج من امرأة أخرى في اليوم التالي لليوم الذي طلق فيه ابنتي. ومع ذلك فإنه يصر على أنه يريد ابنتي زوجة له،  وهي مشوشة الفكر ومتضايقة ولا تريد أن ترجع إليه حتى وإن ظهر أن زواجها لا يزال ساري المفعول.

والسؤال هو: هل هما لا يزالان متزوجان؟  وإن كانا كذلك، فهل عليها أن ترجع إليه؟  وإن هي أصرت على عدم الرجوع إليه، فهل يكون مسؤولا ماديا عن القيام عليها إلى أن تضع حملها؟  وإن كان الطلاق قد وقع، فما هي مسؤولياته تجاهها وهي حامل، وبعد أن تضع المولود؟  أرجو أن تساعدنا في هذا الخصوص.

وجزاك الله خيرا.

الجواب:

الحمد لله:

أولاً:

ينقسم الطلاق من حيث موافقته للسنة إلى قسمين: سنّي وبدعي:

– أما السني فهو أن يطلق الرجل امرأته في طهرٍ لم يجامعها فيه، أو وهي حامل.

– وأما البدعي: فهو أن يطلقها في طهرٍ جامعها فيه، أو وهي حائض.

وقد  وقع الإجماع على وقوع الطلاق السنّي، وحصل خلاف ضعيف على وقوع البدعي، فذهب جماهير أهل العلم إلى وقوعه ولو كان فاعله مخالفاً للسنَّة.

وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على ابن عمر لما طلَّق امرأته وهي حائض – وهذا هو الطلاق البدعي – وعلَّمه طلاق السنَّة:

عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: مُرْه فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً. رواه مسلم ( 1471 ).

قال الشيخ ابن باز رحمه الله: أما طلاق الحامل فإنه يقع عند أهل العلم، ومن قال إنه لا يقع فقد غلط … وبعض العامة يهم، ويقول: إن طلاق الحامل لا يقع، وهذا غلط، وهو من أقوال العامة، ولا أصل له في الشرع، ولا أصل له في كلام العلماء، فالحامل يقع الطلاق عليها، وينبغي أن يُفهم هذا. ” فتاوى الطلاق ” ( ص  45 ).

ثانياً:

الغضب أنواع:  فإذا كان يُغلق على صاحبه أمره كله فلا يدري في ليل هو أم في نهار، ولا يدري عن قوله شيئاً: فلا يقع طلاقه، وهو من الإغلاق الذي لا توقع الشريعة على صاحبه قولاً ولا حكماً.

قال ابن القيم: وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ” لَله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان عليه راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح “. هذا لفظ مسلم. 

وفي الحديث من قواعد العلم: أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد ونحوه: لا يؤاخذ به، ولهذا لم يكن هذا كافراً بقوله ” أنت عبدي وأنا ربك “، ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظم منها، فلا ينبغي مؤاخذة  الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام، ولا يقع طلاقه بذلك، ولا ردته، وقد نص الإمام أحمد على تفسير الإغلاق في قوله – صلى الله عليه وسلم – ” لا طلاق في إغلاق ” بأنه الغضب، وفسره به غير واحد من الأئمة، وفسروه بالإكراه والجنون. 

قال شيخنا – أي : ابن تيمية -: وهو يعم هذا كله ، وهو من الغلق لانغلاق قصد المتكلِّم عليه، فكأنه لم ينفتح قلبه لمعنى ما قاله. ” مدارج السالكين ” ( 1 / 209 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أما طلاق الغضبان: فهو واقع كما قالوا؛ لأنه لا يكاد الطلاق يصدر إلا في الغضب، وليس بمعذور بغضبه، إلا إن غضب حتى أُغمي عليه، وزال تمييزه وعقله، فهو في حكم المجنون.

وقال الشيخ صالح الفوزان: إذا بلغ بالإنسان من الغضب إلى زوال الشعور وفقد الوعي بأن لا يدري ولا يتصور ماذا يقول: فإن هذا لا تعتبر أقواله لا طلاق ولا غيره؛ لأنه فاقد للعقل في هذه الحالة.

أما إذا كان الغضب دون ذلك، وكان معه شعوره، ويتصور ما يقول: فإنه يؤاخذ بألفاظه وتصرفاته، ومن ذلك الطلاق . ” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 734 ).

ثالثاً:

لا خلاف بين الأمة أن الطلاق الذي يجوز للزوج أن يراجع فيه امرأته: طلقتان، فإذا وقعت الثالثة فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره.

– قال تعالى:{ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان … فإن طلقها فلا تحل له من بعدُ حتى تنكح زوجاً غيره …}.

قال ابن حزم: وإنما أراد تعالى بلا شك بلوغ المطلقات أجل العدة بكونهن فيها من دخولهن إياها إلى إثر الطلاق إلى خروجهن عنها، وهذه المدة كلها للزوج فيها الرجعة والإمساك بلا خلاف أو التمادي على حكم الطلاق. ” المحلى ” ( 8 / 356 ).

رابعاً:

فإذا كانت المرأة حاملاً فإنه تجب عليه النفقة عليها بسبب أنها حامل، إذ لو لم تكن حاملاً ما وجبت عليه النفقة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهي إذا كانت حاملا منه وهي مطلقة استحقت نفقتها وكسوتها بالمعروف، وهي في الحقيقة نفقة على الحمل، وهذا أظهر قولي العلماء، كما قال تعالى:{ وإن كنّ أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن  حملهن }.

– وللعلماء هنا ثلاثة أقوال:

أحدها: أن هذه النفقة نفقة زوجة معتدة، ولا فرق بين أن تكون حاملا أو حائلا، وهذا قول من يوجب النفقة للبائن كما يوجبها للرجعية، كقول طائفة من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، ويروى عن عمر وابن مسعود، ولكن على هذا القول ليس لكونها حاملا تأثير، فإنهم ينفقون عليها حتى تنقضي العدة، سواء كانت حاملا أو حائلا.

القول الثاني: أنه ينفق عليها نفقة زوجة؛ لأجل الحمل، كأحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.

– وهذا قول متناقض؛ فإنه إن كان نفقة زوجة فقد وجب لكونها زوجة؛ لا لأجل الولد، وإن كان لأجل الولد فنفقة الولد تجب مع غير الزوجة، كما يجب عليه أن ينفق على سريته الحامل إذا أعتقها.

– وهؤلاء يقولون: هل وجبت النفقة للحمل؟ أو لها من أجل الحمل؟ على قولين:

1. فإن أرادوا: لها من أجل الحمل، أي: لهذه الحامل من أجل حملها فلا فرق.

2. وإن أرادوا – وهو مرادهم – أنه يجب لها نفقة زوجة من أجل الحمل: فهذا تناقض، فإن نفقة الزوجة تجب وإن لم يكن حمل، ونفقة الحمل تجب وإن لم تكن زوجة.

والقول الثالث: وهو الصحيح: أن النفقة تجب للحمل، ولها من أجل  الحمل; لكونها حاملا بولده؛ فهي نفقة عليه؛ لكونه أباه، لا عليها لكونها زوجة، وهذا قول مالك، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد.

والقرآن يدل على هذا؛ فإنه قال تعالى:{ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}، ثم قال تعالى:{ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن }، وقال هنا:{ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف }، فجعل أجر الإرضاع على من وجبت عليه نفقة الحامل؛ ومعلوم أن أجر الإرضاع يجب على الأب لكونه أبا، فكذلك نفقة الحامل؛ ولأن نفقة الحامل ورزقها وكسوتها بالمعروف، وقد جعل أجر المرضعة كذلك؛ ولأنه قال:{ وعلى الوارث مثل ذلك } أي وارث الطفل، فأوجب عليه ما يجب على الأب.

وهذا كله يبين أن نفقة الحمل والرضاع من ” باب نفقة الأب على ابنه “، لا من ” باب نفقة الزوج على زوجته “. ” الفتاوى الكبرى ” ( 3 / 377 ، 378 ).

قال ابن العربي: قال تعالى:{ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن }؛ فجعل عز وجل للحوامل اللائي قد بِنَّ من أزواجهن السكنى والنفقة.

المسألة الثانية في بسط ذلك وتحقيقه: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر السكنى أطْلَقَها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها؛ وهي مسألة عظيمة قد مهدنا سبلها قرآنا وسنة ومعنى في مسائل الخلاف، وهذا مأخذها من القرآن. 

فإن قيل: لا حجة في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: { أسكنوهن } راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية، قلنا: لو كان هذا صحيحا لما قال: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن }؛ فإن المطلقة الرجعية ينفق عليها حاملا كانت أو غير حامل، فلما خصها بذكر النفقة حاملا دل على أنها البائن التي لا ينفق عليها: وتحقيقه أن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها حتى بلغ إلى قوله تعالى:{ ذوي عدل منكم } ثم ذكر بعد ذلك حكما يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك [من الأحكام]، وهو عام في كل مطلقة; فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة. ” أحكام القرآن ” ( 4 / 248 ، 249 ).

خامسا:

فإذا أنجبت المرأة بعد الطلاق فقد انتهت عدتها، لكن يجب عليه أن ينفق على رضاعة ولده، إما بإعطاء أجرة الرضاعة لأمه – زوجته سابقاً – وإما باستئجار مرضع له غيرها.

وإنما استحقت الأم الأجرة؛ لأن الرضاع واجب على الأب، ولو كانت زوجة له ما استحقت تلك الأجرة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فيقال: بل القرآن دل على أن للابن على الأم الفعل، وعلى الأب النفقة ولو لم يوجد غيرها تعين عليها، وهي تستحق الأجرة، والأجنبية تستحق الأجرة ولو لم يوجد غيرها.

وقوله تعالى:{ يرضعن } صيغة خبر، ومعناه الأمر، والتقدير والوالدة مأمورة بإرضاعه حولين كاملين إذا أريد إتمام الرضاعة; فإذا أرادت الإتمام كانت مأمورة بذلك، وكان على الأب رزقها وكسوتها، وإن أراد الأب الإتمام كان له ذلك; فإنه لم يبح الفصال إلا بتراضيهما جميعا، يدل على ذلك قوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة }.

وقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ولم يقل: وعلى الوالد كما قال “والوالدات”؛ لأن المرأة هي التي تلده، وأما الأب فلم يلده; بل هو مولود له لكن إذا قرن بينهما قيل:{ وبالوالدين إحسانا } فأما مع الإفراد فليس في القرآن تسميته والداً، بل أبا.

وفيه بيان أن الولد ولد للأب؛ لا للأم؛ ولهذا كان عليه نفقته حملا، وأجرة رضاعه، وهذا يوافق قوله تعالى : { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور }، فجعله موهوبا للأب، وجعل بيته في قوله: { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } وإذا كان الأب هو المنفق عليه جنينا ورضيعا، والمرأة وعاء: فالولد زرع للأب قال تعالى: { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، فالمرأة هي الأرض المزروعة، والزرع فيها للأب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره، يريد به النهي عن وطء الحبالى، فإن ماء الواطئ يزيد في الحمل كما يزيد الماء في الزرع، وفي الحديث الآخر الصحيح: ” لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه من قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، وكيف يستعبده وهو لا يحل له؟”.

وإذا كان الولد للأب وهو زرعه كان هذا مطابقا لقوله صلى الله عليه وسلم: ” أنت ومالك لأبيك “، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه “، فقد حصل الولد من كسبه، كما دلت عليه هذه الآية؛ فإنّ الزرع الذي في الأرض كسب المزروع له الذي بذره وسقاه وأعطى أجرة الأرض، فإن الرجل أعطى المرأة مهرها، وهو أجر الوطء، كما قال تعالى:{ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن }، وهو مطابق لقوله تعالى:{ ما أغنى عنه ماله وما كسب}، وقد فسر{ ما كسب} بالولد، فالأم هي الحرث وهي الأرض التي فيها زرع، والأب استأجرها بالمهر كما يستأجر الأرض، وأنفق على الزرع بإنفاقه لما كانت حاملا، ثم أنفق على الرضيع، كما ينفق المستأجر على الزرع والثمر إذا كان مستورا وإذا برز; فالزرع هو الولد، وهو من كسبه. الفتاوى الكبرى ( 3 / 372 – 375 ).

وقال ابن كثير: وقوله تعالى:{ فإن أرضعن لكم } أي: إذا وضعن حملهن وهن طوالق فقد بِنَّ بانقضاء عدتهن ولها حينئذ أن ترضع الولد ولها أن تمتنع منه ولكن بعد أن تغذيه باللبأ وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للمولود غالبا إلا به، فإن أرضعت: استحقت أجر مثلها، ولها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة؛ ولهذا قال تعالى:{ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } وقوله تعالى: { وائتمروا بينكم بمعروف } أي: ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف من غير إضرار ولا مضارة كما قال تعالى في سورة البقرة {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } وقوله تعالى:{وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} أي: وإن اختلف الرجل والمرأة فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيراً ولم يجبها الرجل إلى ذلك أو بذل الرجل قليلا ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها فلو رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها.

وقوله تعالى:{ لينفق ذو سعة من سعته } أي: لينفق على المولود والده ووليه بحسب قدرته.

{ ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } كقوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 384 ).

والله أعلم.