على أي هيئة يدخل الجن الجنة؟.
السؤال
الناس تدخل الجنة على هيئة يوسف عليه السلام، ولكن على أي هيئة يدخل الجن الجنة؟.
الجواب
الحمد لله
ورد في دخول المؤمنين الجنة على حسن يوسف عليه السلام حديثان اثنان:
الحديث الأول: يرويه ابن أبي الدنيا في “صفة الجنة” (رقم/210) فيقول:
حدثنا القاسم بن هاشم، ثنا صفوان بن صالح، قال: حدثني رواد بن الجراح العسقلاني، ثنا الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
” يدخل أهل الجنةِ الجنةَ على طول آدم عليه السلام، ستون ذراعًا بذراع الملك، على حسن يوسف، على ميلاد عيسى ثلاث وثلاثون سنة، وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم، جرد مرد مكحلون “.
– الأجرد: الذي لا شعر على جسده. المرد: جمع أمرد وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته.
قلت: ولكن هذا إسناد ضعيف، فقد اختلف في سماع هارون بن رئاب – الثقة العابد – من أنس بن مالك – رضي الله عنه -.
ورواد بن الجراح الشامي ضعفه كثير من أهل العلم، وأخذوا عليه وجود المناكير والتفردات والمخالفات في حديثه، قال البخاري: كان قد اختلط، لا يكاد يقوم حديثه، ليس له كبير حديث قائم. وقال أبو حاتم: تغير حفظه في آخر عمره، وكان محله الصدق. وقال النسائي: ليس بالقوي، روى غير حديث منكر، وكان قد اختلط. وقال أبو أحمد ابن عدى: عامة ما يرويه لا يتابعه الناس عليه، وكان شيخًا صالحًا، وفى حديث الصالحين بعض النكرة، إلا أنه يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في كتاب ” الثقات ” وقال: يخطئ ويخالف. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث. وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو أحمد الحاكم: تغير بآخرة، فحدَّثَ بأحاديثَ لم يتابع عليها. انظر: ” تهذيب التهذيب ” (3/289).
الحديث الثاني:
عن المقدام بن معدي كرب – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” يُحْشَرُ مَا بَيْنَ السِّقْطِ إِلَى الشَّيْخِ الْفَانِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي خَلْقِ آدَمَ، وَقَلْبِ أَيُّوبَ، وَحُسْنِ يُوسُفَ، مُرْدًا مُكَحَّلِينَ “. قُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! فَكَيْفَ بِالْكَافِرِ؟ قَالَ: يُعَظَّمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَصِيرَ غِلَظُ جِلْدِهِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَقَرِيضَةُ النابِ مِنْ أَسْنَانِهِ مِثْلُ أُحُدٍ”.
ورد هذا الحديث من طرق ثلاثة:
1- من طريق يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، قال حدثني أبو يحيى الكلاعي، عن المقدام به.
– رواه الفسوي في “المعرفة والتاريخ” (2/95)، وابن قانع في “معجم الصحابة” (3/106)، والطبراني في “المعجم الكبير” (20/280)، والبيهقي في “البعث والنشور” (رقم/410)، والديلمي في “مسند الفردوس” (8785)، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (60/184،193)، وعزاه ابن حجر في “المطالب العالية” (رقم/4750) لأبي يعلى الموصلي.
قلت: وهذا إسناد ضعيف بسبب يزيد بن سنان، قال أحمد وابن المديني والنسائي: ضعيف. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. وانظر: “تهذيب التهذيب” (11/336).
قال الهيثمي في “مجمع الزوائد” (10/334):
” رواه الطبراني، وفيه يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين ” انتهى.
2- الطريق الثاني عن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، ثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، ثنا سليم بن عامر، أن المقدام بن معدي كرب: حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من أحد يموت سقطًا ولا هرمًا – وإنما الناس فيما بين ذلك – إلا بعث ابن ثلاثين سنة، فمن كان من أهل الجنة كان على مسحة آدم، وصورة يوسف، وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار عظموا وفخموا كالجبال “.
رواه الطبراني في “المعجم الكبير”(20/280)، والبيهقي في “البعث والنشور” (رقم/411)
قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:
” السند ليس بصحيح، وذلك لأمرين:
الأول: أن عمرو بن الحارث الحمصي لم تثبت عدالته. قال الذهبي: ” روى عن عبد الله بن سالم الأشعري فقط، وله عنه نسخة، تفرد بالرواية عنه إسحاق بن إبراهيم، زبريق، ومولاة له اسمها علوة، فهو غير معروف العدالة، وزبريق ضعيف “، وقال الحافظ: ” مقبول ” يعني عند المتابعة، وقد توبع عليه كما يأتي.
والآخر: أن إسحاق بن إبراهيم مختلف فيه، وقد رأيت آنفًا جزم الذهبي بأنه ضعيف، ومثله قول الحافظ وفيه بيان السبب: ” صدوق يهم كثيرًا، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب ” انتهى. ” السلسلة الصحيحة ” (6/47).
وقال ابن كثير – رحمه الله – عن الطريق الأول والثاني:
” فيهما ضعف ” انتهى. ” النهاية ” (273).
3- الطريق الثالث رواه أبو نعيم في ” صفة الجنة ” (رقم/268) قال: حدثنا أبو محمد بن ماسي، ثنا أحمد بن أبي عوف، ثنا عيسى بن مساور، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليم بن عامر، عن المقدام بن معدي كرب به.
قال الشيخ الألباني في “السلسلة الصحيحة” (6/45):
” الإسناد صحيح لولا عنعنة الوليد بن مسلم ” انتهى.
فالحاصل أن أفراد أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة، ولكنها قد تتقوى بمجموعها، ولذلك حسن المنذري الحديث في “الترغيب والترهيب” (4/274)، وصححه الشيخ الألباني في “السلسلة الصحيحة” (رقم/2512).
ثانيًا:
أما الجن فلم نقف على خبر خاص يبين الهيئة التي يدخل عليها مؤمنوهم الجنة، فالواجب ترك ذلك إلى علم الله تعالى، والاهتمام بالعلم النافع الذي يُبنَى عليه عمل، وترك الاشتغال بشوارد المعلومات على حساب أصول العلم وأسسه التي لا يدرك المرء ضبطها جميعها وإتقانها لضيق العمر عنها، فكيف يشتغل العاقل بما هو دونها؟!!.
وقد يقال بأن الجن يدخلون الجنة أيضًا على حسن يوسف، لأن ألفاظ الحديث الواردة عامة، لكن يعترض على ذلك بأمرين:
- السياق وارد في الإنس وليس في الجن.
- ضعف أفراد طرق الحديث تضعف الاستدلال بألفاظه الخاصة.
والله أعلم.


