ما الحكمة من تكرار لفظ ” الناس ” في سورة ” الناس “؟.
السؤال
ما الحكمة من ذكر الناس في سورة الناس وتكرارها أكثر من مرة؟
الجواب
الحمد لله
الاستعاذة في هذه السورة بـ ( رب الناس، ملك الناس، إله الناس )، وهي صفات الله التي تقتضي استعاذة العباد به سبحانه وتعالى، فالرب هو القائم بالعباد والمحيط بهم، والملك هو الحاكم المتصرف، والإله هو المعبود بالمحبة والتعظيم، وهذه الصفات فيها حماية من الشر الذي يتطرق إلى بني آدم من شياطين الإنس والجن.
إذن فكل جملة من هذه الجمل ( رب الناس، ملك الناس، إله الناس ) جاءت لتستوجب من العباد الاستعاذة بالخالق عز وجل وحده صاحب هذه الصفات، فهي زيادة بيان لما يستوجب إفراد الله بالاستعانة والاستعاذة.
ولما كان البيان مسوقًا لزيادة التوضيح، ناسب أن يساق بسياق ظاهر فيه مزيد تصريح وإظهار، وليس بأسلوب الإضمار والإشارة والخفاء، فتكرر لفظ ” الناس ” لهذه الحكمة، زيادة التوضيح والبيان.
يقول الله تعالى: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ . إِلَهِ النَّاسِ . مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) [ الناس / الآية 1 – 6 ].
يقول الزمخشري:
” فإن قلت: ( مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ) ما هما من ( رب الناس ) ؟
قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بَيَّنَ بـ ( ملك الناس )، ثم زيد بياناً بـ ( إله الناس )؛ لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله: ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ ) [ التوبة / من الآية 31 ].
وقد يقال: ملك الناس. وأمّا ( إِلَهِ النَّاسِ ) فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو ” الناس ” مرّة واحدة؟.
قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار ” انتهى.
” الكشاف ” (4/828 – 829).
وجاء في تفسير “مفاتيح الغيب” (32/180-181):
” قوله تعالى: ( مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ) هما عطف بيان، كقوله سيرة أبي حفص عمر الفاروق، فوصف أولاً بأنه رب الناس، ثم الرب قد يكون ملكا، وقد لا يكون، كما يقال: رب الدار، ورب المتاع، قال تعالى: ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللَّهِ ) ، فلا جرم بينه بقوله: ( مَلِكِ النَّاسِ ) ثم الملك قد يكون إلهاً وقد لا يكون، فلا جرم بَيَّنَه بقوله: ( إِلَهِ النَّاسِ ) لأن الإله خاص به، وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره، وأيضاً بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك، وهو ملكه، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله فلهذا ختم به.
وأيضا أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعا لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة، وهذا هو الرب، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكاً، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره، ويكون هو غنيًّا عن غيره، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين، وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته، فحينئذ يعرفه إلها.
السبب في تكرير لفظ ( الناس ) أنه إنما تكررت هذه الصفات لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربًّا للناس، ملكا للناس، إلها للناس، ولولا أن الناس أشرف مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربًّا وملكاً وإلهاً لهم ” انتهى.
ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور – رحمه الله -:
” ( مَلِكِ النَّاسِ ) عطف بيان من ( رَبِّ النَّاسِ )، وكذلك ( إِلَهِ النَّاسِ )، فتكرير لفظ ( الناس ) دون اكتفاء بضميره لأن عطف البيان يقتضي الإظهار ليكون الاسم المبيِّنُ مستقلًا بنفسه؛ لأن عطف البيان بمنزلة عَلَمٍ للاسم المبيَّن …. وتكرير كلمة ( النَّاسِ ) في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهار في مقام الإضمار لقصد تأكيد ربوبية الله تعالى وملكه وإلهيته للناس كلهم، كقوله تعالى: (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ) [ آل عمران / من الآية 78 ]، وأما تكريره المرة الثالثة بقوله: ( فِي صُدُورِ النَّاسِ ) فهو إظهار لأجل بعد المعاد، وأما تكريره المرة الرابعة بقوله: ( مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس، وذلك غير ” ما صدق ” كلمة ( النَّاسِ ) في المرات السابقة، والله يكفينا شر الفريقين، وينفعنا بصالح الثقلين ” انتهى.
” التحرير والتنوير” (30/555 – 556).
وجاء في لمسات بيانية لفاضل السامرائي – (ج 1 / ص 447):
وردت كلمة الناس ( 3 مرات ) في السورة وكل منها تعني مجموعة من الناس مختلفة عن غيرها نوضحها فيما يلي:
كلمة ” الناس ” تُطلق على مجموعة قليلة من الناس أو واحد من الناس أو كل الناس.
والربّ هو مُرشد مجموعة من الناس قد تكون قليلة أو كثيرة، أما الملك فناسه أكبر من ناس المربي وأما الإله فهو إله كل الناس وناسه الأكثر حتما. فلو جاءت الآيات برب الناس وملكهم وإلههم لعاد المعنى كله إلى المجموعة الأولى من الناس ( ناس الرّب ) دون أن يشمل غيرهم ولما تحدد أي مجموعة من الناس. لذلك لا يغني الضمير هنا، بل لا بد من تكرار المضاف إليه مذكورا صريحًا، لأن لكل معنى مختلف.
وكلمة الناس من حيث دلالتها العديدة في السورة تنتقل على عكس كلمة الرب والملك والإله من القلّة إلى الكثرة. فالتدرج في الصفات بدأ من الكثرة إلى القلة، أما في المضاف إليه ( الناس ) فبالعكس من القلة إلى الكثرة، فناس المربي أقل، وناس الملك أكثر، وناس الإله هم الأكثر.
ولم تأتي الآيات في السورة بواو العطف فيما بينها ولا يجوز أصلا أن يقول: ( برب الناس وملك الناس وإله الناس ) وإنما جاءت ( قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس ) وهذا حتى لا يُظنّ أنهم ذوات مختلفة لأنها هي ذات واحدة فهو سبحانه المربي وهو الملك وهو الإله الواحد. وحتى لا يُظن أن المقصود أكثر من واحد، بل هو واحد سبحانه، فمن أراد الرب يقصد رب الناس ومن أراد الملِك يقصد ملك الناس ومن أراد الإله يقصد إله الناس فلا إله إلا الله.
والله أعلم.


