لماذا لم يكرر ذكر ” الجن ” في سورة ” الناس “؟.
السؤال
لماذا لم يذكر ” الجن ” في سورة ” الناس “، كقوله تعالى: ( برب الناس . ملك الناس . إله الناس )؟.
الجواب
الحمد لله
يقول بعض المفسرين – وأسنده إبراهيم الحربي في “غريب الحديث” (2/421) إلى الفراء – إن الجن يشملهم لفظ: ” الناس “، فهي لفظة تشمل كلا الجنسين: الإنس والجن.
يقول ابن جرير الطبري – رحمه الله -:
” قوله: ( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) يعني بذلك: الشيطان الوسواس، الذي يوسوس في صدور الناس: جنهم وإنسهم.
فإن قال قائل: فالجنّ ناس، فيقال: الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس؟.
قيل: قد سماهم الله في هذا الموضع ناسًا، كما سماهم في موضع آخر رجالًا فقال: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ) فجعل الجنّ رجالًا، وكذلك جعل منهم ناسًا.
وقد ذُكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدّث: إذ جاء قوم من الجنّ فوقفوا، فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجنّ، فجعل منهم ناسًا، فكذلك ما في التنزيل من ذلك ” انتهى. “جامع البيان” (24/711).
وعلى هذا القول لا يبقى وجه للسؤال عن سبب إهمال تكرار لفظ ” الجن ” في هذه السورة.
ولكن استضعف كثير من أهل العلم هذا القول، وقالوا بأن ” الناس ” جنس مغاير لجنس الجن، ولا يطلق عليه إلا مقيدًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
” وأما قول الفراء أن المراد من ( شر الوسواس ) الذي يوسوس في صدور الناس: الطائفتين من الجن والإنس، وأنه سمى الجن ناسًا كما سماهم رجالًا وسماهم نفرًا – فهذا ضعيف؛ فإن لفظ ” الناس ” أشهر وأظهر وأعرف من أن يحتاج إلى تنويعه إلى الجن والإنس، وقد ذكر الله تعالى لفظ الناس في غير موضع.
وأيضًا فكونه يوسوس في صدور الطائفتين صفة توضيح وبيان، وليس وسوسة الجن معروفة عند الناس، وإنما يعرف هذا بخبر، ولا خبر هنا.
ثم قد قال: ( من الجنة والناس ) فكيف يكون لفظ ” الناس ” عاما للجنة والناس، وكيف يكون قسيم الشيء قسمًا منه، فهو يجعل الناس قسيم الجن، ويجعل الجن نوعًا من الناس، وهذا كما يقول: أكرم العرب من العجم والعرب، فهل يقول هذا أحد؟!.
وإذا سماهم الله تعالى رجالًا لم يكن في هذا دليل على أنهم يسمون ناسًا، وإن قدر أنه يقال جاء ناس من الجن فذاك مع التقييد، كما يقال إنسان من طين، وماء دافق، ولا يلزم من هذا أن يدخلوا في لفظ ” الناس ” وقد قال تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ).
فالناس كلهم مخلوقون من آدم وحواء، مع أنه سبحانه يخاطب الجن والإنس، والرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجنسين، لكن لفظ ” الناس ” لم يتناول الجن، ولكن يقول: ( يا معشر الجن والإنس ) ” انتهى.
“مجموع الفتاوى” (17/511 – 512).
ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور – رحمه الله -:
” لا يطلق اسم ( النَّاسِ ) على ما يشمل الجن ومن زعم ذلك فقد أبعد ” انتهى.
” التحرير والتنوير” (30/557) وانظر أيضًا ” مفاتيح الغيب ” (32/182).
وعلى هذا القول يجاب بأن الحكمة من إفراد بني آدم الذين هم جنس ” الناس ” بالذكر في هذه السورة زيادة التشريف على سائر المخلوقات.
جاء في تفسير “مفاتيح الغيب” (32/180 – 181):
” هذا التكرير يقتضي مزيد شرف ” الناس “، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربًّا للناس، ملكا للناس، إلها للناس، ولولا أن الناس أشرف مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربًّا وملكا وإلها لهم ” انتهى.
ويقول الشوكاني – رحمه الله -:
” ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ” انتهى.
” فتح القدير ” (5/522).
والله أعلم.


