السؤال
وقعت في حب امرأة مسلمة أعرف أنه حرام أن تتزوج المسلمة من رجل غير مسلم. وعلى حسب علمي أنه لم يعط في القرآن سبب أو في الحديث يبين لماذا هذا الأمر حرام؟ في ترجمة يوسف علي الجزء الثاني آية رقم “221 ” } ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ … الآية{ ، فالآية تبين سبباً واحداً ” أولئك يدعون إلى النار”، هل تستطيع أن تخبرني من هو الكافر؟ وما الذي يجعله كافراً؟ أيضاً ماذا يقصد ” أولئك يدعون إلى النار”؟
أود منك أن تعرف أنني قضيت طفولتي في بلد مسلم “ليبيا” ولي أصدقاء كثيرين مسلمين، وأحترم الإسلام والمسلمين ولا أشعر أنه يجب علي أن أعلن عبوديتي لأتزوج مسلمة، بالرغم من أنني رجل مسيحي تستطيع أن تقول أن جزءاً مني قد تشكل بالإسلام. أعرف أن هناك كثير من المسلمين الذين تزوجوا بنساء غير مسلمات، وأعلم أيضاً أنه لا يزال هناك مناظرات بين بعض علمائكم عن المسلمين الذين يتزوجون نساء نصرانيات. لماذا يقبل الإسلام الزواج بامرأة غير مسلمة ولا يقبل الزواج برجال غير مسلمين؟ فقط لا أفهم! هذا هو القرن الحادي والعشرين والحدود الثقافية بدأت تذوب بين مختلف المجتمعات ألا يوجد إمام أو شيخ أستطيع أن أتحدث معه أو أجري مقابلة معه، لأنّ هذا قد يساعدني أنا وصديقتي في اكتشاف الجواب الذي نبحث عنه؟ هل يوجد شخص يستطيع أن يعمل لنا استثناء؟ أريدك أن تعرف أن شعوري تجاه هذه المرأة حقيقي أحبها جداً ولن أطلب منها أن تتحول عن أسرتها أو دينها أريد الزواج منها لو وجدت طريقة لذلك أنا على استعداد أن أفعل أي شيء يتطلبه الأمر لإنجاح هذا العمل وأطلب منك أن تكون واسع الأفق وأن تساعدني بأي طريقة ممكنه.
الجواب
الحمد لله
أولا:
أما سؤالك عن الكافر من هو؟
هو الذي لا يؤمن بالله ربا والإسلام دينا ومحمد نبيا ورسولا، ولا يؤمن بالقرآن وبأنه كتاب الله المنزل على نبيه محمد، ولا يؤمن بذلك من صلاة أو صيام أو حج أو أي تعليم من تعاليم الشريعة، ولا يؤمن بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
– فإن كان أمره كذلك: فهو الكافر الذي يجب علينا ألا نواليه.
– وأما إن آمن بالذي قلنا، وأحب المسلمين وأبغض المشركين والكافرين من النصارى واليهود ومن شابههم، وصلى صلاتنا وصام شهرنا فهو مسلم منا.
ثانيا:
أما لماذا يحل للمسلم الزواج بالكتابية ولا يحل للكتابي التزوج بالمسلمة؟ فليس لسبب واحد كما ذكرت؛ بل لأسباب، حتى ولو كان لسببٍ واحدٍ، أو أنّ القرآن لم يذكر سبباً فإننا نلتزم بهذا؛ لأنه أمر الله الذي يحكم بما يشاء، وأمره كله حكمة، وقد سمى الله تعالى نفسه حكيماً، وكل ما يأمر به الله تعالى يجب اتباعه والعمل به علمنا العلة والسبب فيه أو لم نعلم.
والسبب الذي ذكرتَ ليس بالهين السهل، وإنا لنعجب إذ يستهان بنار الله، ويُجعل السبب في ذلك هيِّنا وسهلا.
- ومعنى: ( يدعون إلى النار ).
قال ابن كثير: وقوله:{ ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا }، أي: لا تُزوِّجوا الرجالَ المشركين النساءَ المؤمنات كما قال تعالى: { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن}، ثم قال تعالى: { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم }، أي : ولرجل مؤمن ولو كان عبداً حبشيّاً خيرٌ من مشرك وإن كان رئيسا سريا، { أولئك يدعون إلى النار } أي: معاشرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة، { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه} أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه، { ويبين الله آياته للناس لعلهم يتذكرون }، ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 259 ).
وقال القرطبي: { أولئك }: إشارة للمشركين والمشركات، { يدعون إلى النار }، أي: إلى الأعمال الموجبة للنار، فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل، { والله يدعو إلى الجنة }، أي: إلى عمل أهل الجنة، { بإذنه }، أي: بأمره، قاله الزجاج. ” تفسير القرطبي ” ( 3 / 80 ).
ثالثا:
أما أسباب القبول بالكتابية زوجة للمسلم ومنع الكتابي من ذلك:
لأنّ الرجل من طبعة القوامة على المرأة، والمرأة على الأغلب تبع لزوجها، فعند الزواج من الكتابية يكون في ذلك مظنة إسلامها، بل يكاد أن يكون ذلك عاما في كل الحالات من خلال معرفتنا ممن يتزوجون الكتابيات فإنهن بفضل الله تعالى يسلمن.
وبهذا: يتحصل إنقاذ نفس من جهنم كانت ستموت على الكفر، فرحم الله هذه الأنفس بمثل هذا التشريع العظيم المُحكَم، وإذا أسلمت هذه المرأة: فقد يسلم معها أهلها، وهذا حاصل حتى في أيامنا والحمد لله، فبهذا يكثر المسلمون، وهذا مطلب عزيز في الإسلام.
هذا وإنّ من محاذير زواج المسلمة من الكتابي تعريض المسلمة للذل، حيث أن المرأة يجب عليها أن تطيع زوجها، ولا سلطة لكافر على مسلم، بل المسلم عزيز لا يجوز إذلاله لا سيما من كافر، وفي الزواج من الكتابي مظنة قهر الفتاة المسلمة وغلبها على أمرها بحيث يجبرها زوجها على الكفر.
وقد يسيء الرجل لزوجته فيجرح قلب أبيها وأهلها فيضطرون لمداهنة الكافر والرضوخ لعزته، وهذا ذل رحم الله أمة الإسلام منه.
قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام. ” تفسير القرطبي ” ( 3 / 72 ).
والكافر يدعو إلى النار كما سبق والمسلم يدعو إلى الجنة وقد سبق تفسير هذا قبل قليل.
وفي هذا يقول الشيخ سيد سابق: وإنما أباح الإسلام الزواج منهن ليزيل الحواجز بين أهل الكتاب وبين الإسلام، فإن في الزواج المعاشرة والمخالطة وتقارب الأسر بعضها ببعض، فتتاح الفرص لدراسة الإسلام، ومعرفة حقائقه ومبادئه ومُثَله.
فهوا أسلوب من أساليب التقريب العملي بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب ودعاية للهدى ودين الحق، فعلى من يبتغي الزواج منهن أن يجعل ذلك غاية من غاياته وهدفا من أهدافه. ” فقه السنة ” ( 2 / 95-96 ).
وقال:
أجمع العلماء على أنه لا يحل للمسلمة أن تتزوج غير المسلم، سواء أكان مشركا أم من أهل الكتاب، ودليل ذلك أن الله قال: { يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حل لهم ولا هم حل لهن }.
وحكمة ذلك: أن للرجل حق القوامة على زوجته، وأنّ عليها طاعته فيما يأمرها به من معروف، وفي هذا معنى الولاية والسلطان عليها، وما كان للكافر أن يكون له سلطان على مسلم أو مسلمة…” فقه السنة ” ( 2 / 98 -99 ).
والله أعلم.


