هل الصور الشخصية (الفوتوغرافية) محرمة مثل التماثيل؟
السؤال
هل الصور الشخصية (الفوتوغرافية) محرمة مثل التماثيل؟ وكيف يمكننا التخلص من هذه التماثيل، هل يجوز لنا أن نهديها لغير المسلمين أو أن نبيعها؟
الجواب
الحمد لله
أولا:
لا شك أن هناك فرقاً بين حكم الصور الفوتوغرافية وبين حكم التماثيل، فالأولى وقع في حكمها خلاف بين العلماء وهي من الأشياء الحديثة المعاصرة، بينما نجد أن التماثيل كانت موجودةً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، بل قبل زمان نوح عليه السلام، وقد جاء الأنبياء جميعاً ليحذروا الناس منها، وحكمها واضح أنها حرام ووسيلة للشرك.
– وفي التصوير خلاف بين العلماء وهو أقسام.
– ولنقرأ ذلك في كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
قال الشيخ ابن عثيمين: وأما الصور بالطرق الحديثة فهي قسمان:
القسم الأول: لا يكون له منظر ولا مشهد ولا مظهر، كما ذكر لي عن التصوير بأشرطة الفيديو فهذا لا حكم له إطلاقا ولا يدخل في التحريم مطلقا، ولهذا إجازة أهل العلم الذين يمنعون التصوير على الآلة الفوتوغرافية على الورق وقالوا: إن هذا لا بأس به حتى إنه قيل: هل يجوز أن تصور المحاضرات التي تلقى في المساجد؟ فكان الرأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يشوش على المصلين وربما يكون المنظر غير لائق وما أشبه ذلك.
القسم الثاني: التصوير الثابت على الورق، وهذا إذا كان بآلة فوتوغرافية فورية فلا يدخل في التصوير ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إن هذا ملعون؛ لأنه لم يصور في الواقع فإن التصوير مصدر صوَّر يصوِّر أي: جعل هذا الشيء على صورة معينة كما قال الله تعالى: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء }[ آل عمران /6 ]، وقال:{ وصوركم فأحسن صوركم }[ التغابن / 3 ].
فالمادة تقتضي أن يكون هناك في الفعل في نفس الصورة؛ لأن ” فعل ” في اللغة العربية هذا مقتضاه، ومعلوم أن نقل الصورة بالآلة ليس على هذا الوجه وإذا كان ليس على هذا الوجه فلا نستطيع أن ندخله في اللعن ونقول إن هذا الرجل ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما يجب علينا التورع في إدخال ما ظاهر اللفظ عدم دخوله فيه: يجب علينا أيضا التورع في منع ما لا يتبين لنا دخوله في اللفظ؛ لأن هذا إيجاب وهذا سلب فكما نتورع في الإيجاب: نتورع أيضا في السلب، وكذلك كما يجب أن نتورع في السلب: يجب أن نتورع في الإيجاب، فالمسألة ليست مجرد تحريم ولكن سيترتب عليها عقوبات فهل نشهد أن هذه العقوبات باللعن وشدة الظلم وما أشبه ذلك؟ لا نستطيع أن نجزم إلا بشيء واضح؛ ولهذا يفرق بين رجل أخذ الكتاب الذي خطته يدي وألقاه في الآلة الفوتغرافية وحرك الآلة فانسحبت الصورة فيقال: إن هذا الذي خرج بهذا الورق رسم الأول، ويقال: هذا خطه ويشهد الناس عليه، وبين أن آتي بخطك أقلده بيدي أرسم مثل حروفه وكلماته فأنا الآن حاولت أن أقلدك، وأن أكتب ما كتبت، وأصور ما صورت أما المسألة الأولى فليس مني فعل إطلاقا، ولهذا يمكن أن أصور في الليل ويمكن أصور إنساناً وقد أغمض عينيه، ويمكن أن يصوِّر الرجل الأعمى، فكيف نقول إن هذا الرجل مصور؟ فالذي أرى أن هذا لا يدخل تحت اللغة، ولا يكون تحت التصوير بناء على المادة التي اشتق منها ” صور “. ولكن يبقى النظر إذا أراد الإنسان أن يصور هذا التصوير المباح، فإنه تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب القصد، فإذا قصد به شيئاً محرماً: فهو حرام، وإن قصد به شيئاً واجباً: كان واجبا، فقد يجب التصوير أحياناً خصوصا الصور المتحركة، فإذا رأينا مثلاً إنساناً متلبسا بجريمة من الجرائم التي هي من حق العباد كمحاولة أن يقتل، وما أشبه ذلك ولم نتوصل بإثباتها إلا بالتصوير: كان التصوير حينئذ واجباً، خصوصاً في المسائل التي تضبط القضية تماماً؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، إذا أجرينا هذا التصوير لإثبات شخصية الإنسان خوفاً من أن يتهم بالجريمة غيره، فهذا أيضا لا بأس به، بل هو مطلوب.
وإذا صورنا هذه الصورة من أجل التمتع بالنظر فهذا حرام بلا شك، وكالصورة للذكرى؛ لأننا لا نقول إنها غير صورة، هي صورة لا شك، فإذا اقتناها فقد جاء الوعيد فيمن كان عنده صورة أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة. ” الشرح الممتع ” ( 2 / 197 – 200 ).
ثانيا:
وليس من وسيلة للتخلص منها إلا بتحطيمها وتكسيرها، ولا يجوز لكم بيعها ولا إهداؤها، فإن أمكن الانتفاع بها بعد تكسيرها فيجوز لك ذلك كأن تكون تلك التماثيل من خشب أو ذهب أو فضة.
عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيته. رواه مسلم ( 969 ).
أ. ومن فتاوى اللجنة الدائمة:
لا يجوز للمسلم أن يبيع التماثيل أو يتجر فيها؛ لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من تحريم تصوير ذوات الأرواح وإقامة التماثيل لها مطلقاً والإبقاء عليها.
ولا شك أن في الاتجار فيها ترويجاً لها وإعانة على تصويرها ونصبها في البيوت والنوادي ونحوها.
وإذا كان ذلك محرماً: فالكسب من إنشائها وبيعها حرام، لا يجوز للمسلم أن يعيش منه بأكلٍ أو غيره.
وعليه إن وقع في ذلك أن يتخلص منه ويتوب إلى الله تعالى عسى أن يتوب عليه، قال تعالى:{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} – طه ( 82 ) – . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 489 ).
ب. وقال علماء اللجنة أيضا – في حكم رجل صوَّر على ألواح صوراً فرعونية لرجال ونساء وطيور-:
– يجب عليك أن تطمس صور ذوات الأرواح الموجودة لديك، وألا تنتفع منها بشيء.
– أما الألواح نفسها فانتفع بها بيعاً أو برسم غير ذوات الأرواح عليها، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل توبتك، وأن يخلف عليك، قال سبحانه وتعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب }، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه “.” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 4925 ) .
ومما يؤيد تحريم البيع:
أ. قوله تعالى: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه }.
وكل ما حرمه الله تعالى يحرم صنعه وبيعه واقتناؤه، وقد اتفق الفقهاء على أن صنعة التصاوير المجسدة لإنسان أو حيوان حرام على فاعلها.
ب. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام “. رواه البخاري( 2121) ومسلم ( 1581).
قال ابن القيم: وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه، ومن أي نوع كانت صنماً أو وثناً أو صليباً، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك غير الله فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها. وبيعها ذريعة إلى اقتنائها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها؛ فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها. ” زاد المعاد ” ( 5 / 761 ).
ج. عن ابن عباس: قال: قال صلى الله عليه وسلم: ” إن الله إذا حرَّم أكل شيء حرَّم ثمنه”.
رواه أبو داود ( 3488 ). والحديث: صححه ابن القيم في ” زاد المعاد ” ( 5 / 746 ).
قال ابن القيم: وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله إذا حرَّم شيئاً – أو حرَّم أكل شيء – حرَّم ثمنه “، يراد به أمران:
أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملة، كالخمر، والميتة، والدم، والخنزير، وآلات الشرك: فهذه حرام كيفما اتفقت. ” زاد المعاد ” ( 5 / 762 ).
ثالثا:
ولا فرق في حكم التحريم بين بيعها للمسلمين أو للكفار، فالحديث عام وهو يشمل كل فردٍ في الناس.
قال ابن القيم: ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه، فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما: حرم بخلاف ما إذا بيعا للركوب وغيره، وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به: حل ثمنه.
وإذا بيع لأكله: حرم ثمنه وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء كأحمد ومالك وأتباعهما إذا بيع العنب لمن يعصره خمراً: حرم أكل ثمنه، بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله، وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلما: حرم أكل ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل: فثمنه من الطيبات، وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه: حرم ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها.
فإن قيل: فهل تجوزون للمسلم بيع الخمر والخنزير من الذمي لاعتقاد الذمي حلهما كما بيعه الدهن المتنجس إذا بين حاله لاعتقاده طهارته وحله؟
قيل: لا يجوز ذلك حرام والفرق بينهما أنّ الدهن المتنجس عين طاهرة خالطها نجاسة ويسوغ فيها النزاع، وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا ينجس إلا بالتغير وإن تغير فذهب إلى إمكان تطهيره بالغسل بخلاف العين التي حرمها الله في كل ملة وعلى لسان رسول كالميتة والدم والخنزير فإن استباحته مخالفة لما أجمعت الرسل على تحريمه وإن اعتقد الكافر حله، فهو كبيع الأصنام للمشركين، وهذا هو الذي حرمه الله ورسوله وإلا فالمسلم لا يشتري صنماً. ” زاد المعاد ” ( 5 / 762 ، 763 ).
والله أعلم.


