حكم زوجة الغائب وطلاق المحكمة في الدول الكافرة

السؤال

– هذه السؤال لي ولكثير من الأخوات اللاتي يعشن في البلاد الغير إسلامية:

تطلقتُ في محكمة في أمريكا قبل 5 سنوات، اختفى زوجي لمدة 6 أشهر؛ ولذلك فلم يكن هناك داع لذهابنا للمحكمة.

مجلس الفقه الإسلامي في أمريكا قال بأن الطلاق صحيح ووافق بعض المشائخ وبعضهم لم يوافق.

أنا في حالة سيئة، فأنا محجبة ولا يقبل بي للعمل إلا القليل، ليس لدي الكثير من المال، ولا أستطيع أن أرسل أوراقي لبلد إسلامي، ليس لدي أقارب رجال ليساعدوني أو يعينونني على إرسال طلبي، ولا أستطيع أن أتزوج مرة أخرى خوفاً من الحرام.

الرجل لم يتلفظ بالطلاق، وحتى إذا استطعت أن أذهب لبلد مسلم ليطلقوني، فماذا عن النساء اللاتي يولدن في بلاد غير إسلامية؟.

– كيف لهم أن يطلقونني إذا وجب الأمر؟.

الجواب

الحمد لله

أولا:

مجرد اختفاء الزوج لا يبيح للمرأة أن تطلب الطلاق، وقد وقع خلاف بين العلماء في ” امرأة المفقود “، وهي مسألة مشهورة، تتعلق بحكم الزوجة التي يُفقد خبر زوجها ولا يُدرى عنه شيء، وقد حكم فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمهله أربع سنين، فإن لم يوجد فإنّ القاضي يُطلِّق المرأة منه ليحل لها الزواج من آخر، فإن عاد بعد زواجها خُيِّر بين مهره المدفوع لها من قِبله وبين الرجوع إلى امرأته، فإنّ اختار المهر أرجعته له، وإن اختارها طلقها الثاني وترجع لزوجها الأول بعد العدة.

– وقد أفتى بهذا الإمام أحمد بن حنبل ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.

ثانيا:

فإن ترتَّب على اختفاء الزوج ضرر بالمرأة كعدم وجود من ينفق عليها أو يحميها: فإنّها لا تنتظر نلك المدة، بل لها رفع أمرها للقاضي الشرعي ليطلقها من زوجها.

وفي كلا الحالين لا بدَّ من طلاقٍ شرعي يقوم به القاضي الشرعي، أو من يقوم مقامه في البلاد التي لا يوجد فيها قضاء شرعي كشيخٍ عالمٍ، أو مفتٍ للمسلمين، أو مدير مركزٍ إسلامي وليس للمرأة أن تطلِّق نفسها بنفسها، كما أنه ليس لها أن تعتد بطلاق المحاكم النظامية في بلاد الكفر، اللهمّ إلّا أن يطلقها أحد مَن ذكرنا، ثم تطلقها المحكمة، فيكون ذلك من باب حفظ الحقوق وإثبات الطلاق في الأوراق، لا أنه معتدٌّ به شرعا.

ثالثا:

هذا هو الذي ينبغي على المرأة فعله، وهو أن يطلِّقها من زوجها المختفي والذي يترتب على اختفائه ضرر عليها من يُعرف بعلم ودين إن لم يكن ثمة قاضٍ شرعي.

فإن جاء الزوج وظهر قبل الطلاق فلا يقوم غيره مقامه في الطلاق، إلا أن يكون سيء الخلق ورقيق الدين ويضر الزوجة بمعاملته فللقاضي – أو من يقوم مقامه – أن يطلقها هو إن رفض الزوج القيام به.

وعلى الأخوات أن ينتبهن إلى أنه لا يحل لهن – ولا للرجال – الإقامة في بلاد الكفر، كما أنه على المرأة أن تتقي الله في الموافقة على الزوج، فزواجها من غير صاحب الخلق والدين لا يترتب عليه – غالبا – إلا مفاسد متعددة، وليتق الله – كذلك – أولياؤها فلا يزوجوها إلا ممن عُرف عنه حسن الخلق والدين.

رابعا:

– والخلاصة: وهي نافعة للأخت السائلة ولمن سألت عن حالتهن -:

أ. إذا كان الطلاق الحاصل من المحكمة الأمريكية بناءً على طلب الزوجة: فإنه لا يكون له أي أثر شرعي إلاّ إذا وافق عليه الزوج، ويعتبر تاريخ الطلاق حاصلا عند تاريخ موافقة الزوج عليه، وتبدأ عدّة الزوجة من هذا التاريخ.

ب. أمّا إذا كان الزوج غير موافق على الطلاق، وكان مصرّا على بقاء الزوجة في عصمته: فيجب على جهة الشرعية – وقد سبق الحديث عنها – أن تدعو الطرفين للنظر في قضيتهما، فإذا لم يحضر الزوج رغم دعوته، أو لم يُعرف مكان إقامته: فبإمكان هذه الجهة الشرعية – والتي تعتبر بمثابة القاضي الشرعي – أن تقرّر التفريق بين الزوجين إذا تبيّن أن الزوج يريد عدم الطلاق إضرارا بزوجته، ويعتبر الطلاق في هذه الحالة حاصلا بتاريخ صدور القرار من الجهة الشرعية، وليس بتاريخ صدور الحكم من المحكمة الأمريكية.

ج. إذا لم يعترض الزوج على الحكم بالطلاق الصادر عن المحكمة الأمريكية عن طريق استئنافه: فإنّ هذا الأمر لا يجعل الحكم نافذا حتما، بل هو قرينة على قبول الزوج للطلاق، ويكون من واجب الجهة الشرعية أن تنظر في هذا الأمر، وإذا تأكّد لها ذلك يمكنها أن تعتبر عدم الاستئناف قرينة على قبول الطلاق، وتصدر قرارها بذلك، ويكون الطلاق في هذه الحال حاصلا بتاريخ القرار الشرعي وليس بتاريخ القرار الأمريكي.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة