صحة حديث ( الدعاء المستجاب يوم الأربعاء بعد الظهر )

السؤال

يقول السائل: هل صح حديث استجابة الدعاء يوم الأربعاء بين الظهر والعصر؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على خير المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فأخٌ كريمٌ يسأل عن حديث استجابة الدعاء يوم الأربعاء بين الظهر والعصر، هل يصح وهل يُعمَل به؟

والجواب عن ذلك أن نقول:
إنه قد تكرر السؤال عن هذا الحديث وعن هذا الفعل، وقد كثر تواصي الناس بعضهم لبعض كل ثلثاء بأن لا يُفوِّتوا الدعاء يوم الأربعاء بين الظهر والعصر، وأنه من مواضع الاستجابة، وبعضهم يجعل ذلك من السنن المهجورة.

ولتوضيح هذا الحديث ولبيان حكم هذا الفعل نقول:
إن الحديث رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في “مسنده” من طريق كثير بن زيد قال: حدثني عبدالله بن عبدالرحمن بن كعب بن مالك قال: حدثني جابر -يعني ابن عبدالله- قال: (أن النبي ﷺ دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه. قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة، فأدعو فيها فأعرف الإجابة).

هذا الحديث ضعيفٌ سنداً، ومنكرٌ متناً، وفي إسناده عِلَّتان:
العلة الأولى: الراوي “كثير بن زيد الأسلمي”، فهذا الراوي الأصح من أقوال العلماء أنه ضعيف.
والعلة الثانية: هو “عبدالله بن عبدالرحمن بن كعب بن مالك” وهو مجهول.
قال محقِّق مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: “إسناده ضعيف، كثير بن زيد ليس بذاك القوي، خاصةً إذا لم يتابعه أحد، وقد تفرَّد بهذا الحديث عن عبدالله بن عبدالرحمن بن كعب، وهذا الأخير في عِدَاد المجاهيل.
هذا ما قاله محقق المسند-مسند الإمام أحمد- بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط رحمه الله تعالى.

وأما بالنسبة لنكارة متن الحديث:
فأوَّلاً: لا يوجد مسجد اسمه مسجد الفتح في أيام النبي ﷺ، وإنما الذي عُرِفَ في زمانه ﷺ في المدينة المسجد النبوي ومسجد قُبَاء، ولا يوجد مسجد آخر باسم مسجد الفتح (وفي رواية: مسجد الأحزاب)، أيضاً لا يوجد مسجدٌ يسمى مسجد الأحزاب؛ فهذا يدل على نكارة متن هذا الحديث.

والأمر الآخر: وهو أنه لا يُعهَد في دين الله سبحانه وتعالى أنه يوجد فضلٌ للوقت بين الظهر والعصر، وأنه زمانُ إجابة، ولا ليوم الأربعاء فضلٌ خاصٌ في كونه تُجَابُ فيه الدعوات، لا من حديث النبي ﷺ ولا من أفعال أصحابه بإسنادٍ صحيح.

وأيضاً إن الذين يعملون بهذا الحديث -وقد وُجِدَ من ذلك من المتقدِّمين والمتأخِّرين- نقول: لماذا تَوجَّهت أنظارهم إلى الزمان دون المكان؟!
فالحديث فيه أنه دعا في مسجد الفتح، فلماذا لا يقال إن الفضيلة للمكان لا إلى الزمان!
ثم إن الحديث ذكر فيه جابر -على فرض صحته- أنه دعا يوم الإثنين ويوم الثلثاء ويوم الأربعاء، فاُستُجِيبَ له يوم الأربعاء، فلماذا لا يقال إن الاستجابة كانت من أجل الإلحاح على الله سبحانه وتعالى.

فأين هم عن الدعاء يوم الإثنين ويوم الثلثاء وقد تُرِكَ ذلك في تواصيهم بالدعاء بين الظهر والعصر يوم الأربعاء، هذا أمرٌ مهم ينبغي أن يُتَفَطَّنَ له؛ فقد دعا ﷺ يوم الإثنين ودعا يوم الثلثاء ودعا يوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الظهر والعصر.

إذن: إذا أرادوا أن يعملوا بهذا الحديث فعليهم أن يتكلموا عن المكان وهو مسجد الفتح، ويتكلموا عن الدعاء يوم الإثنين والثلثاء والأربعاء. فلماذا خُصَّ يوم الأربعاء دون اليومين السابقين؟!
وهذا كله يَدلُّ على الخلل في الاستدلال بهذا الحديث حتى في حال حُسنِهِ أو في حال صِحَّتِه.

وعليه فالخلاصة: نقول أن الحديث ضعيفٌ إسناداً، ومنكرٌ متناً لما سبق بيانه، والله تعالى أعلم.
وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أبو طارق إحسان العتيبي
١٤ جمادى الآخرة ١٤٤٢ للهجرة

1 تعليق

  1. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” وفي إسناد هذا الحديث : كثير بن زيد ، وفيه كلام ، يوثقه ابن معين تارة ، ويضعفه أخرى .
    وهذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم ، فيتحرون الدعاء في هذا ، كما نقل عن جابر ، ولم ينقل عن جابر رضي الله عنه أنه تحرى الدعاء في المكان ، بل تحرى الزمان ” . انتهى ، ” اقتضاء الصراط المستقيم ” (2/344).

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة