هل يجوز تنظيف القبر وزيارته للنساء ؟
السؤال
قيل لي أنه لا يجب أن ننظف قبور الناس الذين نحبهم ولا يجب أن نزيل النباتات والحشائش التي تنمو عليها، ومن جهة ثانية قيل لي العكس وسؤالي هو:
1 – إذا لم ننظف وننقي القبر فكيف سنتمكن من زيارة القبر؟
2 – هل يجوز لنا كنساء مسلمات أن نزور قبور آباءنا وأجدادنا وآباء أزواجنا؟
الجواب
الحمد لله
1 – أما تنظيف القبر: فلا مانع منه بل هو من الإيمان، فإزالة الأذى وتنظيف الأماكن العامة من المرغبات في الشرع؛ فكيف إذا تعلق هذا ببقعة محترمة حوت أجساد المسلمين الطاهرة؟ وقد تسبب وجود بعض الأعشاب في المقابر إلى أن أصبحت مرتعاً للبهائم، لذا صار هذا الأمر من الواجبات المحتمة، لأن الشريعة دعت إلى احترام قبور المسلمين وسلامتها من الأذى، فحرمت على المسلم أن يطأها برجله أو يجلس عليها.
*عن جابر قال: نهى رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يُقعد عليه وأن يبنى عليه. رواه مسلم ( 970 ).
*عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر”. رواه مسلم ( 971 ) .
*عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم:” لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها”. رواه مسلم ( 972 ) .
2 – أما زيارة القبور للنساء فقد اختلف أهل العلم فيها إلى قولين: المنع والإباحة من غير إكثار.
ونرى أن القول الصواب في هذه المسألة هو الثاني، وقد فصَّل الشيخ الألباني رحمه الله في هذه المسألة وأتى بما لا مزيد عليه، ونحن ننقل كلامه ها هنا، والله الموفق.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور لوجوه:
الأول: عموم قوله صلى الله عليه و سلم: “فزوروا القبور” – رواه مسلم ( 1623 ) – فيدخل فيه النساء، و بيانه أن النبي صلى الله عليه و سلم لما نهى عن زيارة القبور في أول الأمر فلا شك لأن النهي كان شاملاً للرجال و النساء معاً، فلما قال:” كنت نهيتكم عن زيارة القبور” كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة؛ لأنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين، فإذا كان الأمر كذلك، كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث و هو قوله:” فزوروها” إنما أراد به الجنسين أيضاً.
الثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور:” فإنها ترق القلب و تدمع العين و تذكر الآخرة” – رواه الحاكم ( 1 / 376 ) – وهو حسن -.
الثالث: أن النبي صلى الله عليه و سلم: قد رخص لهن في زيارة القبور في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
1 – عن عبد الله بن أبي مليكة:” أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها” و في رواية عنها:” أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رخص في زيارة القبور”. – أخرجه الحاكم ( 1 / 376 ) والبيهقي ( 4 / 78 ) – وهو صحيح -.
2 – عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما:…أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم في زيارة القبور في البقيع. قالت:” قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟” قال: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين و المسلمين و رحم الله المستقدمين منا و المستأخرين و إنا إن شاء الله بكم للاحقون”. أخرجه مسلم (3/14) و السياق له.
والحديث استدل به الحافظ في التلخيص (5/248) على جواز الزيارة للنساء، و هو ظاهر الدلالة عليه و هو يؤيد أن الرخصة شملتهن مع الرجال؛ لأن القصة إنما كانت في المدينة لما هو معلوم أنه صلى الله عليه و سلم بنا بعائشة في المدينة، و النهي إنما كان في أول الأمر في مكة و نحن نجزم بهذا و إن كنا لا نعرف تاريخا يؤيد ذلك، لأن الاستنتاج الصحيح يشهد له، و ذلك من قوله صلى الله عليه و سلم:” كنت نهيتكم”…
الرابع: إقرار النبي صلى الله عليه و سلم المرأة التي رآها عند القبر في حديث أنس رضي الله عنه:” مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بامرأة عند قبر و هي تبكي، فقال لها:” اتق الله و اصبري” – رواه البخاري ( 1174 ) ومسلم ( 1535 ) – .
و موضع الدلالة منه أنه صلى الله عليه و سلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر و تقريره حجة.
و قال العيني في العمدة (3/76):”و فيه جواز زيارة القبور مطلقا سواء كان الزائر رجلا أو امرأة و سواء كان المزور مسلما أو كافرا، لعدم الفصل في ذلك”.
و ذكر نحوه الحافظ أيضاً في آخر كلامه على الحديث، فقال عقب قوله:” لعدم الاستفصال في ذلك”.
قال النووي:” و بالجواز قطع الجمهور و قال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر و هو غلط انتهى”.
و ما دل عليه الحديث من جواز زيارة المرأة هو المتبادر من الحديث و لكن إنما يتم ذلك إذا كانت القصة لم تقع قبل النهي و هذا هو الظاهر.
… ثم قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور و التردد عليها؛ لأن ذلك قد يُفضي بهن إلى مخالفة الشريعة من مثل الصياح و التبرج و اتخاذ القبور مجالس للنزهة و تضييع الوقت في الكلام الفارغ كما هو مشاهد اليوم في بعض البلاد الإسلامية، و هذا هو المراد إن شاء الله بالحديث المشهور:” لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم و في لفظ: لعن الله زوّارات القبور” – رواه ابن ماجه ( 1563 ) وأحمد ( 15102 )، و قد روي عن جماعة من الصحابة: أبو هريرة و حسان بن ثابت و عبد الله بن عباس.
….ثم قال الشيخ: وإلى نحو ما ذكرنا ذهب جماعة من العلماء، فقال القرطبي: ” اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج، والتبرج، وما ينشأ مِن الصياح ونحو ذلك.
وقد يقال: إذا أُمِن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن؛ لأنّ تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء”.
قال الشوكاني في ” نيل الأوطار ” ( 4 / 95 ):” وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر”. ” أحكام الجنائز ” ( ص 227 – 237 ) – باختصار – .
* وأما من منع من الزيارة فله بعض الأدلة، ولكن لا تسلم له، ومنها:
عن ابن عباس قال:” لعن رسول الله صلى اللهم عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج”. رواه الترمذي ( 294 ) والنسائي ( 2016 ) وأبو داود ( 2817 ) وفيه : أبو صالح باذام وهو ضعيف.
عن عبد الله بن أبي مليكة قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر، بحبشي قال فحمل إلى مكة فدفن فيها، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت: وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا، فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة، معا ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت ولو شهدتك ما زرتك. رواه الترمذي ( 975 ) . وضعفه الشيخ الألباني بـ” ابن جريج ” وهو مدلس وقد عنعنه، وفيه مخالفة لرواية الثقة عن ابن أبي مليكة أنها ذهبت تزور أخاها مستدلة بترخيص النبي صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم.


