نسي السجدة الثانية وخرج من الصلاة فماذا يفعل؟

السؤال

فاتت عليه السجدة الثانية من الركعة الرابعة لسهوه في الصلاة, فما حكم ذلك؟ وكيف يكون القضاء؟

الجواب

الحمد لله

السجود الأول والثاني من الأركان، وترك الأركان لا يجبره سجود السهو، لذا فالواجب على من ترك ركناً أن يأتي به.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأركان واجبة وأوكد من الواجبات، لكن تختلف عنها في أن الأركان لا تسقط بالسَّهْوِ، والواجبات تسقط بالسَّهْوِ، ويجبرها سُجودُ السَّهْوِ، بخلاف الأركان؛ ولهذا من نسيَ رُكنًا لم تصحَّ صلاته إلا به، ومن نسيَ واجبًا أجزأَ عنه سُجودُ السَّهْوِ، فإنْ تَرَكَه جهلًا فلا شيء عليه، فلو قام عن التشهُّدِ الأول لا يدري أنه واجب فصلاتُه صحيحة، وليس عليه سُجود السَّهْوِ؛ وذلك لأنه لم يكن تَرْكه إيَّاه عن نسيان.

” الشرح الممتع ” ( 3 / 315 ، 316 ) .

وقال:

والدليل على أن الأركان لا تنجبر بسجود السَّهو: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما سَلَّم مِن ركعتين مِن صلاة الظُّهر أو العصر أتمَّها وأتى بما تَرَكَ وسَجَدَ للسَّهو، فدلَّ هذا على أنَّ الأركان لا تسقط بالسَّهو، ولا بُدَّ مِن الإِتيان بها.

” الشرح الممتع ” ( 3 / 323 ).

وقد اختلف أهل العلم في كيفية الإتيان بالركن، فقال بعضهم: إنه إن انتقل إلى ركن آخر بعده فإن الركعة التي ترك فيه الركن تبطل وتُلغى، وقال بعضهم: إنه إن تذكر الركن وجب عليه أن يرجع إليه حتى لو جاء بعده بعدة أركان ما لم يصل إلى الركن نفسه من الركعة التي تليها، وهذا القول أصح من الأول وأرجح.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها ” بطلت: يعني صارت لغوًا، وليس البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة؛ لأنّه لو كان البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة: لوجب أن يخرج من الصَّلاة، ولكن المراد بالبطلان هنا: اللغو، فمعنى ” بطلت ” أي: صارت لغوًا، وتقوم التي بعدها مقامها، هذا إذا ذكره بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى.

مثال ذلك: رَجُلٌ يُصلِّي فلما سَجَدَ السُّجود الأول في الرَّكعة الأُولى، قام إلى الرَّكعة الثانية، وشرع في قراءة الفاتحة، ثم ذَكَرَ أنه لم يسجد إلا سجدة واحدة؛ فَتَرَكَ جلوساً وسجدة، أي: ترك رُكنين، فنقول له: يحرم عليك أن ترجع؛ لأنك شرعت في ركن مقصود من الرَّكعة التي تليها، فلا يمكن أن تتراجع عنها، لكن تلغي الرَّكعة السَّابقة، وتكون الرَّكعة التي بعدها بدلًا عنها.

مثال آخر: قام إلى الرَّابعة في الظُّهر، ثم ذَكَرَ أنه نسيَ السَّجدة الثانية من الركعة الثالثة، بعد أن شَرَعَ في القراءة فتُلغَى الثالثة، وتكون الرابعة هي الثالثة، لأنه شَرَعَ في قراءتها. وهذا ما قرَّره المؤلِّف.

والقول الثاني: أنها لا تبطل الركعة التي تركه منها إلا إذا وَصَلَ إلى محلِّه في الرَّكعة الثانية، وبناء على ذلك: يجب عليه الرُّجوعُ ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية.

ففي المثال الذي ذكرنا: لمَّا قام إلى الثانية وشَرَعَ في قراءة الفاتحة ذَكَرَ أنه لم يسجد في الركعة الأُولى: فنقول له: اُرجعْ واُجلسْ بين السَّجدتين، واُسجدْ، ثم أكمل.

وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن ما بعد الرُّكن المتروك يقع في غير محلِّه لاشتراط الترتيب، فكل رُكن وَقَعَ بعد الرُّكن المتروك فإنه في غير محلِّه لاشتراط الترتيب بين الأركان، وإذا كان في غير محلِّه: فإنه لا يجوز الاستمرار فيه، بل يرجع إلى الرُّكن الذي تَرَكَه, كما لو نسيَ أن يغسل وجهه في الوُضُوء ثم لما شرع في مسح رأسه ذَكَرَ أنه لم يغسل الوجه: فيجب عليه أن يرجع ويغسل الوجه وما بعده، فإنْ وَصَلَ إلى محلِّه مِن الرَّكعة الثانية: فإنه لا يرجع؛ لأن رجوعه ليس له فائــدة، لأنـــه إذا رَجَـــعَ فسيرجع إلى نفس المحل، وعلى هذا؛ فتكون الرَّكعة الثانية هي الأُولى، ويكون له ركعة مُلفَّقَة مِن الأُولى ومِن الثانية.

مثاله: لما قام من السَّجدة الأولى في الرَّكعة الثانية وجَلَسَ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سجدة واحدة، فلا يرجع إلى الرَّكعة الأولى، ولو رَجَعَ فسيرجع إلى المكان نفسه الذي هو فيه، وهذا القول هو القول الرَّاجح: أنه يجب الرُّجوع إلى الرُّكن المتروك ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية، فإنْ وَصَلَ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية صارت الثانية هي الأولى. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 371 – 373 ).

وهذا الذي ذكرناه فيما لو ترك ركنًا وتذكره داخل الصلاة، أما لو ترك ركنًا – كسجدة ثانية مثلًا – ثم سلَّم وتذكر بعدها أنه نسيها: فقد اختلف أهل العلم فيما يجب على المصلي، فقال بعضهم: يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، والقول الثاني: أنه يأتي بما تركه وما بعده؛ لأن ما فعله بعد الركن المنسي وقع في غير محله وهو باطل، وهذا القول أرجح من الأول، وعليه أن يسجد للسهو بعد السلام؛ لأنه زاد في صلاته.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” وإن علم بعد السَّلام: فكترك ركعة كاملة ” أي: إن عَلِمَ بالرُّكن المتروك بعد أن سَلَّمَ: فكتركه رَكعة كاملة، أي: فكأنه سَلَّمَ عن نقص رَكعة، وعلى هذا: فيأتي برَكعة كاملة، ثم يتشهَّدُ ويسجد للسَّهو ويُسلِّمُ، إما بعده أو قبله، حسب ما سنذكره، إن شاء الله.

مثال ذلك: رَجُلٌ صَلَّى، ولما فَرَغَ من الصَّلاة ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأخيرة إلا سجدة واحدة: فيأتي بركعةٍ كاملةٍ، هذا ما قرّره المؤلِّف.

ووجه ذلك: أنه لما سَلَّمَ اُمتنع بناءُ الصَّلاة بعضُها على بعضٍ فتبطل الرَّكعة كلُّها، ويأتي بركعة كاملة؛ ولأن تسليمه بعد التشهُّد يشبه ما إذا شَرَعَ في قراءة الرَّكعة التي تليها، وهو إذا شَرَعَ بقراءة الرَّكعة التي تليها وَجَبَ عليه إلغاء الرَّكعة الأُولى، وأن يأتي برَكعة كاملة.

والقول الثاني: أنه لا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، وإنما يأتي بما تَرَكَ وبما بعده؛ لأن ما قبل المتروك وَقَعَ في محلِّه صحيحاً، فلا يُلزم الإِنسان مرَّة أخرى، أما ما بعد المتروك: فإنما قلنا بوجوب الإِتيان به من أجل الترتيب، وعلى هذا ففي المثال الذي ذكرنا نقول لهذا الرَّجُل: ارجعْ واجلسْ بين السجدتين، واسجدْ السَّجدة الثانية، ثم اقرأ التشهُّدَ، ثم سَلِّمْ، ثم اُسجدْ للسَّهو وسلِّمْ، وهذا القول هو الصَّحيح.

ووجه صِحَّته: أن ما قبل المتروك وقع مُجَزّأً في محلِّه فلا وَجْهَ لبطلانه، وأما ما بعد المتروك: فإنما قلنا بوجوب إعادته مِن أجل مراعاة الترتيب.

” الشرح الممتع ” ( 3 / 374 ، 375 ).

ولخَّص الشيخ – رحمه الله – ما سبق في قوله:

– أما على القول الرَّاجح: فإنه إذا تَرَكَ رُكناً فلا يخلو مِن ثلاث حالات:

الحال الأُولى: إنْ ذَكَرَه قبل أن يصل إلى محلِّه: وجب عليه الرُّجوع.

الحال الثانية: إنْ ذَكَرَه بعد أن وَصَلَ إلى محلِّه: فإنه لا يرجع؛ لأنه لو رَجَعَ لم يستفد شيئاً، وتقوم الثَّانية مقام التي قبلها.

الحال الثالثة: إنْ ذَكَرَه بعد السَّلام: فإن كان من رَكعة قبل الأخيرة: أتى بركعة كاملة، وإنْ كان من الأخيرة: أتى به وبما بعده فقط، ولا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة.

هذه أحوال نقص الأركان. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 375 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة