هل يجوز أن يكون المهر سورًا يحفظها الزوج؟ وكيف يتصرف إزاء إيذاء السفهاء؟

السؤال

تقدمت لخطبة فتاة فطلبت مهرها أن أحفظ سورة البقرة، ولم أكن أعرف فضائل هذه السورة حتى أخذت أرددها وأقرأ في تفسيرها، لكن في كل مرة تتغير نيتي، [ فقراءة ] القرآن يجب أن يراد بها مرضاة الله سبحانه وتعالى، لكن بما أن هذه الفتاة طلبت مهرها حفظي للسورة, فكيف لي أن أتمكن من إبقاء النية خالصة دون أن يشوبها شائب دنيوي, أي أن يكون لي أكثر من نية؟ هذا الأمر أزعجني كثيرًا، وقد توقفت عن قراءة السورة منذ أسبوعين، وكثيرًا ما أبدأ في قراءتها ثم تداهمني الأفكار من قبيل أني لن أستفيد مطلقًا لأني أقرأ من أجل رغبة في الزواج، وهذا لن يشفع لي, ولن يكون نورًا أو سحابة تظلني، وهذا الشيطان يعاودني دائمًا حتى عندما أصلي فأنا أحس أني أفعل ذلك من أجل إخواني الذين يروني في المسجد، إن ما يطلق عليه النفس الخيّرة تكاد تقتلني، فإن حصل وأخرت الصلاة عن وقتها قليلًا تبدأ في توبيخي، أشعر أن هذه هي حالتي الحقيقية حيث لا أؤدي الصلاة في وقتها, وأني عندما أصلي فأنا أفعل ذلك ليراني الآخرون، أنا لا أقصد أن يراني أحد، صدقتني.
عندما أمشي للمسجد فأنا أمشي ( بقصد ) الصلاة، وأنا لا ( أتمنى ) أن يراني أحد وأنا ذاهب للمسجد أو أي شيء من هذا القبيل، بل الواقع أني انطوائي وخجول جدًّا ولا أتحدث إلا نادرًا مع إخواني، لدي بعض الإخوة الذين أتحدث إليهم، وهؤلاء في بعض الأحيان لا يكون عندهم وقت ( للتحدث معي ), وأشعر مرة أخرى أني أبعدت عنهم لصلاحهم؛ ولأني منافق ومؤذ، لا بد أنك تعرف أحوال كثير من الناس، فأرجو أن تخبرني ما إذا كنت تقيمني من المنافقين فإذا كنت تراني كذلك, فأرجو أن تخبرني كيف أتخلص من ذلك، هل علي اعتزال الناس؟ فأنا بمفردي على أية حال.
وإن أنا عملت خيرًا يغضب البعض من ذلك، وإن أنا عملت سوءًا فهم لا يكادون يتوقفون عن تذكيري بشناعة وضعي، إن أنا تحدثت عن الإسلام يقولون عني أصولي، ابن لادن، … الخ.
حصل أني لم أصل الفجر مرة, فأخذوا يذكرونني تلك الأيام, وبأني غير نافع, وأني أكثر الحديث ويكون نهاية الأمر أني لا أصلي الفجر!. وأعتذر عن الإطالة.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

المهر اسم للمال الواجب للزوجة على زوجها بالنكاح أو الوطء، وقد سماه الله في كتابه: ” صداقاً “، و ” أجراً ” و ” فريضة “.

وهو واجب مأمور به كما في قوله تعالى: ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) [النساء / من الآية 4 ] ، وقال تعالى: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) [ النساء / من الآية 24 ].

وكل ما جاز أن يكون ثمنًا جاز أن يكون صداقًا من قليل وكثير، ويجوز أن يكون المهر جهدًا، أو عملًا، أو إجارة، فقد زوَّج ” الرجلُ الصالح ” إحدى ابنتيه من نبي الله موسى عليه السلام، وجعل مهرها أن يعمل عنده ثماني سنوات، قال تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ ) [ القصص / من الآية 27 ].

كما يجوز أن يكون المهر تعليم شيء من القرآن؛ لما جاء في الحديث المتفق عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم زوَّج رجلًا من الواهبة نفسها بما معه من القرآن.

وقد فهم كثيرون هذا الحديث خطأً فقالوا: إن حفظه القرآن هو المهر، بل الصواب أن تحفيظه القرآن لها هو المهر.

وأما مهر أم سليم وهو إسلام أبي طلحة فهو أعظم المهور في الإسلام، فقد صار إسلام هذا الصحابي في ميزانها، وأي مهر أعظم من هذا؟.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:

ولقد زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا على نعلين وقال لرجل: ” التمس ولو خاتمًا من حديد ” بعد أن قال: ” ما تصدقها “؟ فقال: أصدقها إزاري – وكان الرجل ليس عليه إلا إزار؛ لأنه فقير لا يجد إزارا ورداء فليس عليه إلا إزار – فقال: أصدقها يا رسول الله إزارًا, قال: ” إزارك؟ إن أعطيتها إياه بقيت بلا إزار, وإن بقي عليك بقيت بلا مهر “، وهذا معنى ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ” اذهب التمس “, ذهب يلتمس لم يجد شيئًا ولم يقل له: تسلف للمهر لما لم يجد, قال: ” هل معك شيء من القرآن؟ “, قال: نعم، سورة كذا وكذا، قال: ” زوجتكها بما معك من القرآن ” يعني: علِّمها السور التي أنت تحفظ، وهذا هو المهر، فزوَّجه إياها على أن يعلِّمها ما معه من القرآن.

وفي هذا دليل على أن المهر يجوز أن يكون منفعة لا دراهم، ومثل ذلك قصة موسى عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي قال: ” زوجتك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرن ثماني حجج ” على أن يرعى له الغنم ثماني سنين، ” فإن أتممت عشرًا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ” فتزوجها على هذا المهر، على أن يرعى الغنم ثمانية سنوات.

إذن: المهر يكون عينًا – أي: مالًا – من الأعيان، ويكون منافع، كل هذا تسهيلًا لطرق النكاح. ” نعمة الزواج ومنكرات الأفراح “.

وعليه: فحفظك لسورة البقرة ليس مهرًا شرعيا، والواجب تسمية مهر آخر، وقد ذكرنا لك كيف يكون المهر، وإذا كانت الزوجة تريد المهر شيئًا من القرآن, فليكن شيئاً تعلمه لها وتحفظِّه إياها.

ولا داعي لأن تذهب بك الوساوس والشكوك في عملك، واعلم أن طرق الشيطان في غواية المسلم كثيرة، ومنها إيهامه أن ما يقوم به من أعمال ليس لوجه الله، وهو ما يسبِّب تركه لها، وهو الذي يريده الشيطان ويَفرح به، فاعمل قاصداً وجه الله تعالى، وأخلص النية لله تعالى راجياً الثواب منه وحده عز وجل.

ثانيًا:

لا نرى أن تشتغل بكلام الناس فيك، وليس الحل في اعتزالهم، فالإنسان السوي لا يستطيع العيش وحده، ولا بد له من مخالطة الآخرين، فأن يخالطهم ويصبر على أذاهم خير له من اعتزالهم.

وما يقال فيك قد قيل أضعافه فيمن قبلك، وعلى رأسهم الأنبياء عليهم السلام، فقد اتُّهم النبي صلى الله عليه وسلم في عرضه؛ فقذفت زوجته عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – بالزنا، واتهم في عقله فقيل مجنون، واتهم في دعوته فقيل ساحر، وهكذا الأنبياء من قبله، قال الله تعالى: ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) [ الذاريات / الآية 52 ] .

فالواجب عليك – أخي الفاضل – أن تصبر، وأن تعلم أن المؤمن يبتلى ويمتحن، قال الله تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) [ العنكبوت / الآية 2 ، 3 ].

واعلم أن الصبر عاقبته حميدة، وقد أمر الله تعالى به وأخبر عن ثواب الصابرين، قال تعالى: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [ الزمر / من الآية 10 ].

واعلم أن من استهزأ بك في الدنيا وضحك عليك فسينقلب حاله إلى بكاء، وأن حزنك سينقلب إلى فرحٍ، قال الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ . وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ . وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ . وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ . فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ . هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) [ المطففين / من 29 – 36 ].

فاشتغل – أخي الفاضل – بنفسك، وادع الناس بالتي هي أحسن، واصبر على أذاهم، وتوكل على الله، واستعن به، ونسأل الله لك التوفيق.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة