هل يستأذن الرجل زوجته في صوم التطوع كما هو الحال معها؟

السؤال

المرأة تستأذن زوجها في أن تصوم، أعني في غير شهر رمضان؛ وذلك لأنه من حقه أن يأتيها متى يشاء، ومن الواجب عليها أن تطيعه، فهل لها هي الأخرى حق بأن يستأذنها في أن يصوم؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم الزوجة أن تصوم تطوعًا وزوجها شاهد إلا بإذنه.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه “. رواه البخاري ( 4793 ) ومسلم ( 1704 ).

وهذا النهي للتحريم، وهو محمول على ما إذا رفضت من غير عذر، أما إن كانت معذورة كأن تكون مريضة فلها أن تمتنع، بل يجب عليها أن تمتنع في أعذار أخرى كأن تكون حائضًا أو نفساء.

وهذا النهي إنما هو في صوم التطوع، وسببه أن لزوجها حق الاستمتاع فلا يجوز لها منعه إلا بعذر.

* قال النووي:

هذا محمول على صوم التطوع والمندوب الذي ليس له زمن معين, وهذا النهي للتحريم صرح به أصحابنا, وسببه أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام, وحقه فيه واجب على الفور فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي.

” شرح مسلم ” ( 7 / 115 ).

ثانيًا:

وأما سبب ورود النهي للمرأة دون الرجل فيمكن استنباط الحكمة من ذلك ببعض الأمور، منها:

  1. أن الزوج – غالبًا – هو الطالب للجماع، والمرأة هي المطلوبة، فالأكثر والأغلب أن تكون الرغبة منه إليها، وقليل ما تكون هي الراغبة، فناسب أن تستأذنه قبل صيام النفل، إذ قد تكون له رغبة في جماعها.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ” وزوجها شاهد ” يؤيد هذه الحكمة، فلو كان مسافراً فإنه لا حرج عليها أن تصوم ولا حاجة حينها للاستئذان.

  1. شهوة الرجال أكبر وأعظم من شهوة النساء، ولذا أبيح للرجل الزواج من أربع نسوة، وليس هذا الأمر في النساء ولا لهن، ولذا – أيضاً – كان صبر الرجال على ترك الجماع أضعف من صبر النساء، ولذا جاء الاستئذان لهن، وجاء الوعيد لهن في امتناعهن من الجماع في حال دعوة الزوج لهن.

ومناسبة الحديث تؤيد هذه الحكمة؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة عن صيام النفل لما اشتكى زوج امرأة عليها أنه يرغب بجماعها وهي تكثر الصوم فيتعطل حقه.

عن أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن عنده فقالت: زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت, ويفطرني إذا صمت, ولا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت؛ فإنها تقرأ بسورتين, وقد نهيتها، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس، قال: وأما قولها يفطرني إذا صمت؛ فإنها تنطلق تصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها، وأما قولها إني لا أصلي حتى تطلع الشمس؛ فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك, لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا استيقظت يا صفوان فصل. رواه أبو داود ( 2459 ). والحديث: صححه ابن حبان ( 4 / 354 ) ، والحافظ ابن حجر في ” الإصابة ” ( 3 / 441 )، والألباني في ” إرواء الغليل ” ( 7 / 65 ).

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

ومن حقوقه عليها‏: ‏أن لا تعمل عملًا يضيع عليه كمال الاستمتاع حتى لو كان ذلك تطوعًا بعبادة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:‏ ” ‏لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه‏ “.

” حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة ” ‏( ص 12 ).

* وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

لا يجوز للمرأة أن تصوم تطوعًا وزوجها شاهد إلا بإذنه؛ لأن له عليه حق العشرة والاستمتاع، فإذا صامت فإنها تمنعه من حقوقه، فلا يجوز لها ذلك، ولا يصح صومها تنفلًا إلا بإذنه‏.‏ ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 4 / 73 ، 74 ).

  1. القيام بحقوق الزوج، ورعاية المنزل، وتربية الأبناء واجبات على الزوجة، فقد يرى الزوج تعارضًا بين تلك الواجبات وصيامها للنفل، وهذا مشاهد من قبل النساء – بل وبعض الرجال – أنه إن صامت تكاسلت وفرَّطت في واجبات بيتها، ولذلك جعل الاستئذان في صيام النفل دون الواجب.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن:

رجل له زوجة، تصوم النهار وتقوم الليل، وكلما دعاها الرجل إلى فراشه تأبى عليه، وتقدم صلاة الليل وصيام النهار على طاعة الزوج‏: ‏فهل يجوز ذلك؟.

فأجاب:

‏         لا يحل لها ذلك باتفاق المسلمين، بل يجب عليها أن تطيعه إذا طلبها إلى الفراش، وذلك فرض واجب عليها‏،‏ وأما قيام الليل وصيام النهار فتطوع، فكيف تقدم مؤمنة للنافلة على الفريضة‏؟‏‏!‏ حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة‏: ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:‏ ” ‏لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه‏ “،‏‏ ورواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، ولفظهم‏:‏‏ ” ‏لا تصوم امرأة وزوجها شاهد يومًا من غير رمضان إلا بإذنه‏ “.

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم على المرأة أن تصوم تطوعًا إذا كان زوجها شاهدًا إلا بإذنه، فتمنع بالصوم بعض ما يجب له عليها‏:‏ فكيف يكون حالها إذ طلبها فامتنعت‏؟‏‏!‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم:‏‏ ” ‏إذا دعا الرجل المرأة إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح‏ “‏‏،‏ وفي لفظ‏:‏‏ ” ‏إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى تصبح‏ “‏‏. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 274 ).

  1. أن الزوج – في العادة – يخرج للعمل والتكسب، بخلاف المرأة التي عملها في بيتها، فلم يشرع استئذان الزوج لعدم الحاجة إليه، بخلاف المرأة التي تستأذن.

وعلى كل حال:

فأوامر الشرع ونواهيه كلها حكمة، ويجب على المسلم أن يقول سمعنا وأطعنا، والأصل اشتراك الرجال والنساء في الأحكام إلا ما فرَّق الله بينها لحكمة تتعلق بطبيعة خلقتها أو للابتلاء ليعلم المؤمن الصادق من غيره.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة