عطية الأب لأحد أبنائه متى تحل ومتى تحرم؟
السؤال
فضيلة الشيخ…
جدي لوالدي – رحمه الله – كان له ولدان وثلاث بنات، زوَّج عمتي الكبرى سنة (1950 م ) وأعطاها مبلغاً كبيرا وقتها – 160 جنيه – وهو ما يوازي فدانا من الأرض الزراعية وقتها لمساعدتها في زواجها.
سنة ( 1970 م ) تزوج والدي ولم يساعده في زواجه بأي مبلغ، وفي سنة (1972 م ) تزوجت عمتي الوسطى وساعدها بمبلغ (700 جنيه ) وهو ما يوازي تقريباً ثمن فدان من الأرض الزراعية.
وفي سنة ( 1973 م ) توفي عمي في الحرب مع اليهود ( نحسبه شهيدًا عند الله سبحانه وتعالى ) , وكان عمر جدي وقتها ( 73 سنة ) ، وفي سنة ( 1975 م ) تزوجت عمتي الصغرى وساعدها بمبلغ ( 700 جنيه ) وهو ما يوازي تقريبًا ثمن فدان من الأرض الزراعية، وفي سنة ( 1975 م ) أعطت الدولة لجدي مبلغًا وقدره ( 7000 جنيه ) كمكافأة أو كدية عن وفاة عمي في الحرب، في تلك الفترة كان والدي ووالدتي يعملان بمنطقة بعيدة عن مكان إقامة جدي وكان راتبهما في تلك المنطقة يزيد عن راتبهما في مكان إقامة جدي حوالي مرة ونصف، ولما مات عمي وبناء على رغبة جدي في وجود والدي بجواره لرعايته قام والدي على الفور بنقل عمله لمكان إقامة جدي، ويعلم الله أنني أحسب والدي كان بارًّا بجدي حتى وفاته سنة ( 1992 م ) .
في سنة ( 1975 م ) أعطى جدي لوالدي مبلغ الـ (7000 جنيه) التي حصل عليها جدي كمكافأة لوفاة عمي في الحرب وذلك لعدة أسباب كما قال ذلك جدي منها: 1. أنه لم يساعده في زواجه.
- تعويضاً له عن انخفاض مرتبه هو ووالدتي عند نقلهما بناء على رغبة جدي.
- ليقوم بعمل مشروع يساعده.
- ليكون بجواره تخفيفاً لحزنه على وفاة عمي.
- ليقوم برعاية أرض جدي والإشراف عليها حيث كانت مساحتها كبيرة.
أخذ والدي المبلغ والذي كان يوازي حوالي ( 10 أفدنة ) من الأرض الزراعية وقام بشراء ( 14.5 ) فدان وسدد من إيراد الأرض باقي ثمن تلك الأفدنة (14.5 ) بالإضافة لما كان يمتلك جدي (20 فدانًا ) كانت في حيازة جدي الفعلية؛ حيث كان هو المتصرف في إيراد كل تلك الأراضي مع ضعف إيراد الأراضي الزراعية وقتها، قام والدي برعاية جدي وجدتي حتى وفاتهما.
قام والدي بالتضحية بمنصب هام سنة ( 1983 م ) ليرعى جدي، قام جدي سنة ( 1984 م ) بكتابة البيت الذي يسكن به جدي باسم والدي، توفي جدي سنة (1992 م ) عن عمر ( 92 سنة ) ، تم توزيع باقي تركة جدي ( 20 فدانًا ) حسب نصيب الميراث الشرعي لكل فرد، لم تطالب أي من عماتي بتلك الأرض إلا بعد وفاة جدي بحوالي ( 9 سنوات ).
فضيلة الشيخ أفتونا فيما يلي:
أولًا: حكم الهبة التي أعطاها جدي لوالدي ( 7000 جنيها ) ، فلقد أفتاني بعض العلماء بجواز ذلك على أساس أنها هبة مسببة، وأفتاني بعض العلماء بعدم جواز ذلك؛ لأن جدي لم يهب لعماتي مثل أو ما يقارب ما وهبه لوالدي.
ثانيًا: إذا كانت الفتوى بعدم جواز ذلك فهل:
- يتم توزيع أصل المبلغ ( 7000 جنيهًا ) على الورثة.
- يتم حساب قيمة النقود ذهبًا بسعر وقتها وتوزيع كمية الذهب على الورثة.
- يتم توزيع جملة الأرض ( 14.5 فدانا ) بالتساوي.
- يتم توزيع جملة الأرض ( 14.5 فدانا ) حسب الميراث الشرعي لكل فرد.
- يتم توزيع الـ ( 10 أفدنة ) وهي أصل الأرض قبل سداد ثمن الباقي من الإيراد. 6. أن يقوم والدي بحساب ما يوازي مصاريف زواجه ومصاريف شراء شقة للسكن
وهو ما يوازي حوالي ( 2000 جنيه )؛ لأن جدي ذكر أن ذلك من أسباب الهبة ويقوم بخصمه من القيمة الأصلية للهبة.
- هل ذلك على سبيل الاستحباب أم الفرض؟
- هل يستفيد جدي من ذلك بعد وفاته؛ لأنني أعلم أنه فعل ذلك وهو يظن عدم مخالفة ذلك للشرع.
- وهل يستفيد في حالة افتراضية أنه كان يعلم الحكم ومات وهو مصر على ذلك؟
ثالثًا: حكم كتابة المنزل باسم والدي.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
اختلف العلماء في وجوب التسوية بين الأولاد في العطية، فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن التسوية بينهم في العطايا مستحبة, وليست واجبة, وذهب الحنابلة, وأبو يوسف من الحنفية, وهو قول ابن المبارك, وطاووس, وهو رواية عن الإمام مالك – رحمه الله -: إلى وجوب التسوية بين الأولاد في الهبة، فإن خص بعضهم بعطية, أو فاضل بينهم فيها أثم, ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إما رد ما فضل به البعض, وإما إتمام نصيب الآخر.
– والقول الثاني هو الأرجح.
ثانيًا:
واختلف العلماء في معنى التسوية بين الذكر والأنثى من الأولاد: فذهب جمهور الفقهاء إلى أن معنى التسوية بين الذكر والأنثى من الأولاد: العدل بينهم في العطية بدون تفضيل; لأن الأحاديث الواردة في ذلك لم تفرق بين الذكر والأنثى.
وذهب الحنابلة, والإمام محمد بن الحسن من الحنفية, وهو قول مرجوح عند الشافعية إلى أن المشروع في عطية الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم: أي للذكر مثل حظ الأنثيين; لأن الله سبحانه وتعالى قسم لهم في الإرث هكذا, وهو خير الحاكمين, وهو العدل المطلوب بين الأولاد في الهبات والعطايا.
وقول الجمهور هنا هو الأرجح، وإن لم يكن كذلك فهو أحوط.
– وانظر – في المسألتين – ” الموسوعة الفقهية ” ( 11 / 359 ، 360 ) ومنها نقلنا ما سبق.
ثالثًا:
والكلام السابق في وجوب العدل بين الأبناء إنما هو في العطية لا في النفقة، والعطية هي تمليك مال أو أرضٍ لأحد الأولاد دون باقي إخوته وأخواته، وليس المراد منه النفقة التي ينفقها الوالد على أولاده؛ إذ من المعلوم أن نفقة الصغير غير نفقة الكبير، ونفقة الذكَر غير نفقة الأنثى.
وليس المراد كذلك من الوجوب النفقة لسبب، ومعنى ذلك: أن من أنفق على أحدِ أولاده لمرضٍ أو تعليم أو زواج فإنه لا يلزمه إعطاء باقي أولاده قدر ما أنفق على أصحاب الحاجات السابق ذِكرها، إلا أن المطلوب منه والواجب عليه أن يعدل مع أولاده إذا ما اشتركوا في تلك الحال كأن يمرض آخر فيمتنع عن علاجه، أو يرغب واحد منهم بالتعليم أو الزواج فلا يعينه كما أعان غيره من أولاده.
وقد تختلف النفقات التي تكون لسببٍ تبعاً لاختلاف الزمان أو المكان أو طبيعة المرض والعلم والزواج، ولا يُلزم الأب بدفع التكاليف نفسها التي دفعها للأول؛ لما ذكرناه من اختلاف النفقات تبعًا للمكان أو الزمان.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
والحديث والآثار تدل على وجوب التعديل بينهم في غير التمليك أيضًا، وهو في ماله ومنفعته التي ملَّكهم والذي أباحهم كالمسكن والطعام.
ثم هنا نوعان:
نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك، فتعديله فيه: أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير.
ونوع تشترك حاجتهم إليه من عطية أو نفقة أو تزويج، فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه.
وينشأ من بينهما نوع ثالث وهو: أن ينفرد أحدهما بحاجة غير معتادة مثل أن يقضي عن أحدهما ديْنًا وجب عليه من أرش جناية، أو يعطي عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة ونحو ذلك، ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر، وتجهيز البنات بالنِّحَل أشبه، وقد يلحق بهذا، والأشبه أن يقال في هذا: أنه يكون بالمعروف، فإن زاد على المعروف: فهو من باب النِّحَل، ولو كان أحدهما محتاجًا دون الآخر: أنفق عليه قدر كفايته، وأما الزيادة: فمن النِّحَل. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 245 ، 346 ).
رابعًا:
ومن ظلم من الآباء أحد أولاده فإن الواجب عليه أن يتدارك ذلك قبل موته، ويصلح ما قد أفسده، إما بأن يُرجع ما أعطاه من العطية المحرَّمة أو بإعطاء الآخرين مثل ما أعطى الأول من غير زيادة ولا نقصان.
والإرجاع للعين المأخوذة ظلمًا: إن كانت باقية كما هي فإنها ترجع بعينها، وإن كانت قد بيعت أو تُصرِّف فيها: فإنه تُقدَّر قيمتها عند أخذها وتوضع في التركة.
فإن مات الوالد ولم يُرجع ما أعطاه ظلمًا: فإن الواجب على من أُعطي من أولاده تلك العطية المحرَّمة أن يجعلها في التركة ويقتسمها الورثة على حسب شرع الله تعالى، ويُرجى أن يكون ذلك تخفيفاً على الوالد وتكفيرًا لما فعله، ولا شك أنه آثم إن كان عالمًا بحرمة ما فعل، وليس بآثم إن كان جاهلًا أو أنه استفتى أحدًا من أهل العلم فأفتاه بجواز فعله.
خامسًا:
وما يفعله الابن مع أبيه من مساعدة في عمل أو سكنى بجانبه وتحمل إيجار بيتٍ، أو ترك وظيفةٍ مقابل خدمة والديه: فإنه إن كان فعل ذلك بنية التبرع المحض والبر بوالديه: فإنه لا يجوز له المطالبة بعوَضٍ عن ذلك، وأما إن كان فعل ذلك بقصد تأجير نفسه لوالديه والتكسب من تلك الأعمال: فله أن يأخذ عوَضاً عن ذلك، إلا فيما يتعلق بالبر المحض – كالإطعام والسقاية – فإن هذا من الواجبات ولا يحل له أخذ شيء مقابله.
ومثل هذا يقال للأب، فإن كان قد أعطى أحد أبنائه مالًا أو أرضًا مقابل خدمته وأعماله معه: فإنه لا حرج عليه في ذلك، على أن لا يكون في تقدير العمل محاباة، فإن أُعطي الولد أكثر مما يستحقه: فإنه يجب عليه رد الزائد لوالده في حال حياته أو جعله في التركة إن كان قد مات والده.
سادسًا:
ونرجو أن نكون أجبنا عن جميع تساؤلاتك فيما ذكرناه سابقًا، وإنما عممنا الكلام ليشمل غيرك، فقد كثرت مثل هذه المسائل في الأسَر المسلمة، فيكون مثل هذا الجواب شاملاً للجميع وليس لواحدٍ بعينه أو قضية لذاتها.
ويمكن إجمال الرد على قضيتك بالنقاط الآتية:
- ما أعان به جدُّك بعض أبنائه وبناته بالزواج لا يجوز للباقين أن يأخذوا مقابله، إلا أن يكون الآخرون قد احتاجوا وكان قادراً ولم يفعل.
- ما أُعطي لجدِّك بعد وفاة عمِّك: يجب أن يوزَّع على حسب الشرع بين ورثة عمك؛ لأنه دية وليس مكافأة لجدِّك.
- إن كان انتقال والدك ليكون بالقرب من جدِّك برًّا به وتبرعًا محضًا: فلا يجوز له استيفاء شيء مقابل هذا.
- ما اشتغل به والدك وقام به من أعمال له أن يأخذ مقابلها أجرة المثل إن كان فعل ذلك بقصد تأجير نفسه.
- إن أعطى جدُّكَ والدَك مالًا أو أرضًا مقابل خدمته والعمل عنده: فإنه يجوز له أن يأخذه على أن لا يكون أكثر مما يستحق.
- لا يجوز لجدِّك كتابة المنزل باسم والدك؛ لأنه قد أعطاه المال مقابل عمله، فالواجب على والدك جعل المنزل في التركة وتقسيمه على حسب الشرع.
- نرجو لجدك المغفرة والرحمة، ولوالدك الأجر والثواب على برِّه بأبيه، ونسأل الله تعالى أن يهديكم لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق.
والله أعلم.


