ما هو حكم التهجد في ليلة القدر دون الليالي الأخرى؟
السؤال
ما هو حكم التهجد في ليلة القدر دون الليالي الأخرى؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ورد الفضل العظيم في العبادة في ليلة القدر، فقد ذكر ربنا تبارك وتعالى أنها خير من ألف شهر، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من قامها إيمانَا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.
قال تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) [ القدر ].
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ” مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا, غفر له ما تقدم مِن ذنبه “. رواه البخاري (1802) ومسلم (760 ).
– إيمانًا: بفضلها وبمشروعية العمل فيها.
– واحتسابًا: إخلاصًا للنية لله تعالى.
ثانيًا:
اختلف العلماء في تحديد ليلة القدر على أقوال كثيرة، حتى وصلت الأقوال فيها إلى أكثر من أربعين قولاً كما في ” فتح الباري “، وأقرب الأقوال للصواب أنها في وتر العشر الأخير من رمضان.
عن عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان “. رواه البخاري ( 1913 ) – واللفظ له – ومسلم ( 1169 ).
والحديث: بوَّب عليه البخاري قوله: ” باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر “.
والحكمة من إخفائها هي تنشيط المسلم لبذل الجهد في العبادة والدعاء والذكر في العشر الأخير كلها، وهي الحكمة ذاتها في عدم تحديد ساعة الإجابة يوم الجمعة، وعدم تحديد الأسماء التسعة والتسعين لله تعالى والتي قال صلى الله عليه وسلم فيها: ” من أحصاها دخل الجنة “.
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قوله – أي: الإمام البخاري -: ( باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر ): في هذه الترجمة إشارة إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير منه، ثم في أوتاره، لا في ليلة منه بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها. ” فتح الباري ” ( 4 / 260 ).
* وقال:
قال العلماء: الحكمة من إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها، كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة.
” فتح الباري ” ( 4 / 266 ).
ثالثًا:
وعليه: فلا يمكن لأحدٍ أن يجزم بليلة بعينها أنها ليلة القدر، وخاصة إذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخبر أمته بها ثم أخبرهم أن الله رفع العلم بها.
عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: ” إني خرجت لأخبركم بليلة القدر وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم التمسوها في السبع والتسع والخمس “. رواه البخاري ( 49 ).
* قال علماء اللجنة الدائمة:
أما تخصيص ليلة من رمضان بأنها ليلة القدر: فهذا يحتاج إلى دليل يعينها دون غيرها، ولكن أوتار العشر الأواخر أحرى من غيرها والليلة السابعة والعشرون هي أحرى الليالي بليلة القدر؛ لما جاء في ذلك من الأحاديث الدالة على ما ذكرنا.
” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 10 / 413 ).
لذا لا نرى أن يتعاهد المسلمون ليلة بعينها على أنها ليلة القدر لما في ذلك من الجزم بما لا يمكن الجزم به؛ ولما في ذلك من تفويت الخير على أنفسهم، فقد تكون في الواحد والعشرين أو الثالث والعشرين، وقد تكون في التاسع والعشرين، فإذا قاموا ليلة السابع والعشرين وحدها فيكون قد ضاع عليهم خير كثير، ولم يصيبوا تلك الليلة المباركة، وقد رأينا بأنفسنا خلال السنوات الفائتة كيف أنها كانت تأتي في كل سنة في ليالي مختلفة، فعلى المسلم أن يبذل جهده في الطاعة والعبادة في رمضان كله، وفي العشر الأواخر أكثر، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدَّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله “. رواه البخاري ( 1920 ) ومسلم ( 1174 ).
والله أعلم.


