اللحن في القراءة في الصلاة، وأحق الناس بالإمامة، ومقدار ما يقرأ في التراويح.

السؤال

نحن نصلي في مركز إسلامي في أمريكا، وإمامنا ينطق الطاء ضادًا يقرأ من مواضع متفرقة من القرآن في صلاة التراويح في كل ليلة, وفينا من يحسن القراءة ويحفظ جزءًا كبيرًا من القرآن.

ما حكم إمامة الموصوف؟ وما حكم اختيار مواضع متفرقة من سور القرآن للتراويح؟ وما حكم المأموم الأحسن حفظًا وقراءة عند عدم الإفصاح عن إجادته وحفظه للقرآن؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

اللحن في القراءة في الصلاة منه ما يبطلها، ومنه ما لا يبطلها، فالذي يبطلها هو اللحن الذي يغيِّر المعنى نحو قول القارئ ” أنعمتُ عليهم “، والذي لا يبطلها نحو قوله: ” ربَّ العالمين ” – بفتح الباء -؛ لأن هذه تغيير حركة الباء هنا لا يغيِّر المعنى، وليس معنى هذا أننا نجيز القراءة باللحن، بل لا بدَّ من تعليم المصلي صحة المخارج، والكلام هنا عن صحة الإمامة، فالإمامة صحيحة، وغيره ممن يتقن القراءة أولى بالإمامة منه.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” أو يبدل حرفاً ” أي: يُبدل حرفاً بحرفٍ، وهو الألتغُ، مثل: أنْ يُبدِلَ الرَّاءَ باللام، أي: يجعلَ الرَّاءَ لامًا فيقول: ” الحمدُ لله لَبِّ العالمين ” فهذا أُمِّيٌّ –  والأمي هو الذي لا يحسن قراءة الفاتحة لا غيبًا ولا من المصحف -؛ لأنه أبدلَ حرفًا مِن الفاتحة بغيرِه.

ويُستثنى مِن هذه المسألةِ: إبدالُ الضَّادِ ظاءً فإنَّه معفوٌّ عنه على القولِ الرَّاجحِ وهو المذهبُ، وذلك لخَفَاءِ الفَرْقِ بينهما، ولا سيَّما إذا كان عاميًّا، فإنَّ العاميَّ لا يكادُ يُفرِّقُ بين الضَّادِ والظَّاءِ، فإذا قال: ” غير المغظوب عليهم ولا الظالين ” فقد أبدلَ الضَّادَ وجعلها ظاءً، فهذا يُعفى عنه لمشقَّةِ التَّحرُّز منه، وعُسْرِ الفَرْقِ بينهما لا سيَّما مِن العوامِ.

فالإِبدال كما يلي:

  1. 1. إبدالُ حَرْفٍ بحَرْفٍ لا يماثلُه، فهذا أُمِّيٌّ.
  2. 2. إبدالُ حَرْفٍ بما يقارِبُه، مثل: الضَّاد بالظَّاءِ، فهذا معفوٌّ عنه.
  3. 3. إبدالُ الصَّادِ سينا، مثل: السراط والصراط، فهذا جائزٌ بل ينبغي أنْ يقرأَ بها أحياناً، لأنها قِراءةٌ سبعيَّةٌ، والقِراءة السبعيَّةُ ينبغي للإِنسانِ أنْ يقرأَ بها أحيانا، لكن بشرط أن لا يكون أمامَ العامَّةِ؛ لأنك لو قرأتَ أمامَ العامَّةِ بما لا يعرفون لأنكروا ذلك، وَشَوَّشْتَ عليهم.

قوله: ” أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى ” أي: يَلْحَنَ في الفاتحةِ لحنًا يُحيلُ المعنى.

واللَّحنُ: تغييرُ الحركات، سواءٌ كان تغييرا صرفيًّا أو نحويًّا، فإن كان يغيِّرُ المعنى: فإن المُغيِّرَ أُمِّيٌّ، وإنْ كان لا يغيِّرُه فليس بأُمِّيٍّ، فإذ قال: ” الحمد لله ربَّ العالمين ” بفتح الباء: فاللَّحنُ هذا لا يُحيلُ المعنى، وعلى هذا؛ فليس بأُمِّيٍّ فيجوز أن يكون إماماً بمَن هو قارئٌ، وإذا قال: ” أَهدنا الصراط المستقيم ” بفتح الهمزة فهذا يُحيل المعنى؛ لأن ” أهدنا ” مِن الإِهداء، أي: إعطاء الهديَّة: ( اهدنا ) [ الفاتحة ] بهمزة الوصل مِن الهدايةِ، وهي الدّلالة والتوفيق، ولو قال: ” إياكِ نعبد ” بكسر الكاف: فهذه إحالةٌ شديدةٌ فهو أُمِّيٌّ، ولو قال: ” صراط الذين أنعمتُ عليهم ” بضم التاء, فهذا يُحيلُ المعنى أيضًا.

ولو قال: ” إياكَ نعبَد ” بفتح الباء, فهذا لا يُحيلُ المعنى، وكذا: ” إياك نستعينَ ” بفتح النون الثانية: فهذا لا يُحيلُ المعنى، وليس معنى ذلك جوازُ قِراءةِ الفاتحةِ ملحونةً؛ فإنَّه لا يجوز أنْ يَلْحَنَ ولو كان لا يُحيلُ المعنى، لكن المرادُ صِحَّةُ الإِمامةِ.

” الشرح الممتع ” ( 4 / 246 – 248 ).

ثانيًا:

لا يجوز لغير المتقن للقراءة أن يتقدم للإمامة، ولا يجوز للمتقن أن يُخفي نفسه ليتقدَّم غيره ممن لا يحسن القراءة، وقد ذهب بعض الأئمة إلى عدم صحة ائتمام القارئ بالأمي.

والواجب على الأمي أن يصلح قراءته فإن قدر ولم يفعل: فصلاته باطلة إن كان يغيِّر المعنى.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين:

إذا صَلَّى أُمِّيٌّ لا يَعرفُ الفاتحةَ بأُمِّيٍّ مثله: فصلاتُه صحيحةٌ لمساواتِه له في النَّقْصِ، ولو صَلَّى أُمِّيٌّ بقارئ: فإنَّه لا يَصحُّ، وهذا هو المذهبُ.

وتعليل ذلك: أنَّ المأمومَ أعلى حالاً مِن الإِمامِ، فكيف يأتمُّ الأعلى بالأدنى.

والقول الثاني – وهو رواية عن أحمد -: أنه يَصحُّ أن يكون الأُمِّيُّ إمامًا للقارئ، لكن ينبغي أنْ نتجنَّبَها؛ لأنَّ فيها شيئًا مِن المخالفةِ؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ ” , ومراعاةً للخِلافِ.

قوله: ” وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته ” أي: إنْ قَدِرَ الأُمِّيُّ على إصلاح اللَّحنِ الذي يُحيلُ المعنى ولم يُصلِحْهُ: فإنَّ صلاتَه لا تَصِحُّ، وإن لم يَقْدِرْ: فصلاتُه صحيحةٌ دون إمامتِه إلا بمثلِه.

ولكن الصحيحُ: أنَّها تصحُّ إمامتُه في هذه الحالِ؛ لأنَّه معذورٌ لعجزِه عن إقامةِ الفاتحةِ، وقد قال الله تعالى: ( فاتقوا الله ما استطعتم ) , وقال: ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) ، ويوجد في بعضِ الباديةِ مَن لا يستطيعُ أنْ ينطِقَ بالفاتحة على وَجْهٍ صحيحٍ، فرُبَّما تسمعُه يقرأ ” أَهدنا ” ولا يمكن أنْ يقرأَ إلا ما كان قد اعتادَه، والعاجزُ عن إصلاح اللَّحنِ: صلاتُه صحيحةٌ، وأما مَن كان قادرًا: فصلاتُه غيرُ صحيحةٍ، كما قال المؤلِّف، إذا كان يُحيلُ المعنى. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 248 ، 249 ).

ثالثًا:

ولا ينبغي تقديم من لا يتقن القراءة ولو كان حافظًا، بل الذي يقدَّم في الإمامة هو من يحسن القراءة وذلك بإخراج الحروف من مخارجها، وكذا أن يكون صاحب فقه لأحكام الصلاة.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ” الأولى بالإِمامة الأقرأ العالم فقه صلاته “, هل المرادُ بالأقرأ الأجودُ قِراءةً، وهو الذي تكون قراءتُه تامَّةً، يُخرِجُ الحروفَ مِن مخارِجِها، ويأتي بها على أكملِ وجهٍ، أو المرادُ بالأقرأ الأكثرُ قراءةً؟.

الجواب:

المراد: الأجودُ قِراءةً، أي: الذي يقرؤه قراءةً مجوَّدةً، وليس المراد التجويد الذي يُعرف الآن بما فيه مِن الغنَّةِ والمدَّاتِ ونحوها، فليس بشرطٍ أن يتغنَّى بالقرآن، وأن يحسِّنَ به صوتَه، وإن كان الأحسنُ صوتاً أَولى، لكنه ليس بشرط.

وقوله: ” العالم فقه صلاته ” أي: الذي يعلم فِقْهَ الصَّلاةِ، بحيث لو طرأَ عليه عارضٌ في صلاتِهِ مِن سهوٍ أو غيرِه تمكَّنَ مِن تطبيقِهِ على الأحكامِ الشرعيَّةِ.

فلو وُجِدَ أقرأ ولكن لا يَعلمُ فِقْهَ الصَّلاةِ، فلا يَعرفُ مِن أحكامِ الصَّلاةِ إلا ما يعرِفُهُ عامَّةُ الناسِ مِن القراءةِ والرُّكوعِ والسُّجودِ: فهو أَولَى مِن العالمِ فِقْه صلاتِهِ.

ودليلُ ذلك: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ” يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهُم لكتابِ اللهِ “.

وذهبَ بعضُ العلماءِ إلى خِلافِ ما يفيده كلامُ المؤلِّفِ، وهو أَنَّه إذا اجتمعَ أقرأُ وقارىءٌ فَقِيهٌ: قُدِّمَ القارىءُ الفقيهُ على الأقرأ غير الأفقه.

وأجابوا عن الحديث: بأنَّ الأقرأَ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابةِ هو الأفقهُ؛ لأنَّ الصحابةَ كانوا لا يقرؤون عشرَ آياتٍ حتى يتعلَّمُوها؛ وما فيها مِن العِلْمِ والعمل.

ومِن المعلومِ أَنَّه إذا اجتمعَ شخصان، أحدِهما أجودُ قِراءةً والثاني قارىءٌ دونه في الإجادة، وأعلمُ منه بفقهِ أحكامِ الصَّلاةِ، فلا شَكَّ أنَّ الثاني أقوى في الصَّلاةِ مِن الأولِ، أقوى في أداء العملِ؛ لأنَّ ذلك الأقرأَ رُبَّما يُسرعُ في الرُّكوعِ أو في القيام بعدَ الرُّكوعِ، ورُبَّما يطرأُ عليه سهوٌ ولا يدري كيف يتصرَّف، والعالمُ فِقْهَ صلاتِهِ يُدركُ هذا كلَّه، غاية ما فيه أنه أدنى منه جَودة في القِراءةِ، وهذا القول هو الرَّاجحُ.

وهذا في ابتداء الإمامة، أي: لو حَضَرَ جماعةٌ، وأرادوا أن يقدِّموا أحدَهم، أما إذا كان للمسجدِ إمامٌ راتبٌ فهو أَولى بكلِّ حالٍ ما دام لا يوجدُ فيه مانعٌ يمنعُ إمامتَه.

قوله: ” ثم الأفقه ” أي: إذا اجتمعَ قارئان متساويان في القِراءةِ لكن أحدُهما أَفْقَهُ: فإنَّه يقدِّمُ الأفقهَ، وهذا لا إشكالَ فيه.

والدَّليلُ على أنَّ الأفقه يلي الأقرأ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” يؤم القوم أقرأهم لكتابِ الله، فإنْ كانوا في القِراءةِ سواءً فأعلَمُهُم بالسُّنَّةِ … “.

” الشرح الممتع ” ( 4 / 205 ، 206 ).

رابعًا:

وأما القراءة في التراويح: فالأمر فيها واسع، ويجب مراعاة حال المأمومين نشاطًا وضعفًا، ولا يجوز الإنكار على الأئمة إذا أطالوا في القراءة؛ فقد يكون الإمام قد راعى حال أغلب الناس، ويمكن لهذا أن يذهب لمسجد آخر لا يطيل، وبخاصة أن أمر الإطالة نسبي.

ولا يجوز أن يكون الإمامُ منفِّرًا للناس فيطيل عليهم ويظن أنه إن لم يفعل ذلك فقد أساء! بل الصواب له أن يشجِّع الناس على الصلاة ولو بالتقصير شريطة أن لا يخلَّ بالأركان، ولا يبتدع قراءة سورة معينة في كل ركعة ثانية – مثلًا -، فلأن يصلي الناس صلاة قصيرة تامَّة خير لهم من ترك الصلاة.

قال أبو داود: سئل أحمد بن حنبل عن الرجل يقرأ القرآن مرتين في رمضان يؤم الناس؟ قال: هذا عندي على قدر نشاط القوم، وإن فيهم العمَّال.

قال ابن رجب الحنبلي: ” وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم، وهذا قاله أيضًا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم “. ” لطائف المعارف ” ( ص 18 ).

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما رأيكم – حفظكم الله ونفع بعلومكم – فيما يفعله بعض الأئمة من تخصيص قدر معين من القرآن لكل ركعة ولكل ليلة؟.

فأجاب:

لا أعلم في هذا شيئًا؛ لأن الأمر يرجع إلى اجتهاد الإمام, فإذا رأى أن من المصلحة أن يزيد في بعض الليالي أو بعض الركعات لأنه ينشط, ورأى من نفسه قوة في ذلك, ورأى من نفسه تلذذًا بالقراءة فزاد بعض الآيات لينتفع وينتفع من خلفه, فإنه إذا حسن صوته وطابت نفسه بالقراءة وخشع فيها ينتفع هو ومن ورائه, فإذا زاد بعض الآيات في بعض الركعات أو في بعض الليالي فلا نعلم فيه بأسًا، والأمر واسع بحمد الله تعالى.” فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ” ( 11 / 335 ، 336 ).

 

 

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل ينبغي للإمام مراعاة حال الضعفاء من كبار السن ونحوهم في صلاة التراويح؟.

فأجاب:

هذا أمر مطلوب في جميع الصلوات، في التراويح وفي الفرائض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” أيكم أمَّ الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والصغير وذا الحاجة “، فالإمام يراعي المأمومين ويرفق بهم في قيام رمضان وفي العشر الأخيرة، وليس الناس سواء، فالناس يختلفون، فينبغي له أن يراعي أحوالهم ويشجعهم على المجيء وعلى الحضور, فإنه متى أطال عليهم شق عليهم, ونفَّرهم من الحضور، فينبغي له أن يراعي ما يشجعهم على الحضور ويرغبهم في الصلاة ولو بالاختصار وعدم التطويل، فصلاة يخشع فيها الناس ويطمئنون فيها ولو قليلًا خير من صلاة يحصل فيها عدم الخشوع ويحصل فيها الملل والكسل.

” فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ” ( 11 / 336 ، 337 ).

– وأما ضابط عدم التطويل في الصلاة فقد بيَّنه الشيخ عبد العزيز بن باز، فقد سئل – رحمه الله -: ما الضابط في عدم التطويل, فبعض الناس يشكون من التطويل؟.

فأجاب:

العبرة بالأكثرية والضعفاء، فإذا كان الأكثرية يرغبون في الإطالة بعض الشيء وليس فيهم من يراعى من الضعفة والمرضى أو كبار السن فإنه لا حرج في ذلك، وإذا كان فيهم الضعيف من المرضى أو من كبار السن فينبغي للإمام أن ينظر إلى مصلحتهم.

ولهذا جاء في حديث عثمان بن أبي العاص قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ” اقتد بأضعفهم “، وفي الحديث الآخر: ” فإن وراءه الضعيف والكبير ” – كما تقدم ، فالمقصود أنه يراعي الضعفاء من جهة تخفيف القراءة والركوع والسجود, وإذا كانوا متقاربين يراعي الأكثرية. ” فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ” ( 11 / 337 ، 338).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة