اللحن في القراءة وصلاة التراويح بين البيت والمسجد
السؤال
لقد اجتمعت أنا وأعضاء المركز الإسلامي في مدينتنا وقررنا أن نحضر أحد الحفاظ لكتاب الله ليؤم في صلاة التراويح، شريطة أن يكون متقنًا لحفظه وتلاوته, ناطقًا للحروف على وجهها الصحيح, وكلف إحضاره مبلغًا كبيرًا، فلما قدم أعجب الناس به إعجابًا عظيماً لسرعته وحسن صوته، ولكن ظهرت المشكلة التي كنت أخشاها, فالرجل يظهر في قراءته كثيرًا من اللحن الجلي كعدم النطق الصحيح لثلاثة من الحروف، وتغيير عدد طفيف من الحركات من جراء السرعة، ولكن إحقاقًا للحق: فإن جميع هذه الأخطاء تكاد تنعدم عند قراءته للفاتحة.
المشكلة أن إعفاءه من مهمته قد يؤدي إلى فتنة بيننا أعضاء المركز الإسلامي، لذلك ما هو المخرج؟ وبما أنني أفتقد الخشوع في صلاتي: فإنني أوثر البقاء في بيتي والصلاة وحيدًا أو مع مجموعة من الرفقة التي تعاني نفس مشكلتي.
فما نصيحتكم؟ وهل ندعه يرأس باقي الصلوات المفروضة؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
قراءة القرآن باللحن ممنوعة من حيث الأصل، في الصلاة وخارجها، ومن وقع منه اللحن فهذا لا بد من نصحه بالرفق واللين ليصوِّب خطأه.
واللحن في الصلاة منه ما يبطلها ومنه ما لا يبطلها، فاللحن الجليّ يبطل الصلاة في الفاتحة فقط عند جماهير العلماء، بخلاف غيرها، وسبب تفريقهم بين الفاتحة وغيرها لكونها ركنٌ في الصلاة، ولهذا وجبت قراءتها دون غيرها، ولا تصح الصلاة من غير قراءتها.
وما دام إمامكم لا يلحن في الفاتحة: فلا نرى مسوِّغًا للطعن في صلاته أو هجر المسجد من أجل قراءته، ويسعكم ما وسع غيركم من المصلين إلا أنه يجب عليكم نصحه وتذكيره بالرفق واللين.
* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –:
إذا كان الإمام يلحن في قراءة الفاتحة فهل تبطل صلاة مَن خلفه مِن المأمومين؟.
فأجاب:
إذا كان الإمام يلحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى وجب تنبيهه والفتح عليه، فإن أعاد القراءة مستقيمة فالحمد لله, وإلا لم تجز الصلاة خلفه, ووجب على الجهة المسئولة عن الإمامة عزله، واللحن الذي يحيل المعنى مثل أن يقرأ ( أنْعَمْتَ علَيْهِم ) بكسر التاء أو ضمها أو ( إيَّاكَ نعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعين ) بكسر الكاف.
أما اللحن الذي لا يحيل المعنى مثل أن يقرأ ( ربِّ العَالَمين ) أو ( الرحمن ) بالفتح أو الضم فإنه لا يقدح في الصلاة.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 99 ).
* وسئل الشيخ – رحمه الله – أيضًا -:
إمام يلحن في القرآن، وأحيانًا يزيد وينقص في أحرف الآيات القرآنية، ما حكم الصلاة خلفه؟.
فأجاب:
إذا كان لحنه لا يحيل المعنى فلا حرج في الصلاة خلفه مثل نصب ” رب ” أو رفعها في ( الحمد لله رب العالمين ) ، وهكذا نصب الرحمن أو رفعه ونحو ذلك، أما إذا كان يحيل المعنى فلا يصلى خلفه إذا لم ينتفع بالتعليم والفتح عليه، مثل أن يقرأ ( إيَّاكَ نعْبُدُ ) بكسر الكاف، ومثل أن يقرأ ( أنعمت ) بكسر التاء أو ضمها, فإن قبل التعليم وأصلح قراءته بالفتح عليه صحت صلاته وقراءته، والمشروع في جميع الأحوال للمسلم أن يعلم أخاه في الصلاة وخارجها؛ لأن المسلم أخو المسلم, يرشده إذا غلط, ويعلمه إذا جهل, ويفتح عليه إذا ارتج عليه القرآن.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 98 ، 99 ).
ثانيًا:
وقولك: إنه لا يحسن نطق بعض الحروف: فقد يكون إبداله لبعض الحروف بحروفٍ أخرى من المعفو عنه، وقد يكون من أوجه القراءات، وعليه: فلا إنكار في الحالتين.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
قوله: ” أو يبدِّل حرفًا ” أي: يُبدل حرفا بحرفٍ، وهو الألتغُ، مثل: أنْ يُبدِلَ الرَّاءَ باللام، أي: يجعلَ الرَّاءَ لاماً فيقول: ” الحمدُ لله لبِّ العالمين ” فهذا أُمِّيٌّ – والأمي هو الذي لا يحسن قراءة الفاتحة لا غيباً ولا من المصحف -؛ لأنه أبدلَ حرفًا مِن الفاتحة بغيرِه.
ويُستثنى مِن هذه المسألةِ: إبدالُ الضَّادِ ظاءً فإنَّه معفوٌّ عنه على القولِ الرَّاجحِ وهو المذهبُ، وذلك لخَفَاءِ الفَرْقِ بينهما، ولا سيَّما إذا كان عاميًّا، فإنَّ العاميَّ لا يكادُ يُفرِّقُ بين الضَّادِ والظَّاءِ، فإذا قال: ” غير المغظوب عليهم ولا الظالين ” فقد أبدلَ الضَّادَ وجعلها ظاءً، فهذا يُعفى عنه لمشقَّةِ التَّحرُّز منه، وعُسْرِ الفَرْقِ بينهما لا سيَّما مِن العوامِ.
فالإِبدال كما يلي:
- 1. إبدالُ حَرْفٍ بحَرْفٍ لا يماثلُه، فهذا أُمِّيٌّ.
- 2. إبدالُ حَرْفٍ بما يقارِبُه، مثل: الضَّاد بالظَّاءِ، فهذا معفوٌّ عنه.
- 3. إبدالُ الصَّادِ سيناً، مثل: السراط والصراط، فهذا جائزٌ بل ينبغي أنْ يقرأَ بها أحياناً؛ لأنها قِراءةٌ سبعيَّةٌ، والقِراءة السبعيَّةُ ينبغي للإِنسانِ أنْ يقرأَ بها أحيانًا، لكن بشرط أن لا يكون أمامَ العامَّةِ؛ لأنك لو قرأتَ أمامَ العامَّةِ بما لا يعرفون لأنكروا ذلك، وَشَوَّشْتَ عليهم. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 246 ، 247 ).
ثالثًا:
وأما صلاتك للتراويح في البيت: فهو أفضل إذا كان هذا أدعى للخشوع، وكان في الصلاة إطالة عن صلاة المسجد، وأوقعت صلاتك في آخر الليل، ولم تحدث فتنة بسبب فعلك هذا، فإذا تحققت هذه الأمور فلا مانع من صلاتك للتراويح في البيت بل هو أفضل.
عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة – قال: حسبت أنه قال: من حصير – في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلَّى بصلاته ناسٌ من أصحابه, فلما علم بهم جعل يقعد, فخرج إليهم، فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم, فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة “. رواه البخاري ( 698 ) ومسلم ( 781 ).
* قال الحافظ ابن حجر:
ظاهره أنه يشمل جميع النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد كركعتي التحية، كذا قال بعض أئمتنا.
ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: ما يشرع في البيت وفي المسجد معًا فلا تدخل تحية المسجد؛ لأنها لا تشرع في البيت، وأن يكون المراد بالمكتوبة ما تشرع فيه الجماعة. ” فتح الباري ” ( 2 / 215 ).
والاحتمال الذي ذكره الحافظ أقرب إلى الصواب.
* وقال ابن قدامة:
والتطوع في البيت أفضل … ولأن الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء، وهو من عمل السر، وفعله في المسجد علانية، والسر أفضل.
” المغني ” ( 1 / 442 ).
والخلاصة:
يجب التفريق بين لحن الإمام في الفاتحة وفي غيرها، فلحنه في الفاتحة بما يغير المعنى يبطل الصلاة وبما لا يغيِّر المعنى لا يبطلها، وفي كلا الحالتين يجب عليكم نصحه وتذكيره، وإمامكم خلت صلاته من اللحن فيها، وأما في غيرها فعلى ما ذكرناه لك من التفريق بين أنواع الإبدال في الحروف، ولا مانع من صلاتك وحدك أو مع مجموعة في البيت إذا كان ذلك من غير فتنة في المركز بينكم وبين المصلين، وكانت الصلاة في آخر الليل، وفيها من الإطالة والخشوع ما ليس في صلاة المسجد.
ونرجو منكم استعمال الحكمة في النصيحة، وبذل النصح للمخالفين بالرفق واللين، ونرجو أن لا تكونوا سبب فرقة بين المسلمين، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما يحب ويرضى.
والله أعلم.


