ما هما القلتان الواردة في كتب الفقه؟ وما مقدارهما؟
السؤال
ما معنى القلتان في الفقه؟ وما مقدارهما؟
الجواب
الحمد لله
ورد لفظ ” القلتين ” في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبَث ” – وفي لفظ: ” لم ينجسه شيء ” -. رواه الترمذي ( 67 ) وأبو داود ( 63 ) والنسائي (52 ) وابن ماجه ( 517 ).
وهو حديث مختلف فيه كثيرا، والأصح فيه أنه موقوف على عبد الله بن عمر من قوله، كما رجحه الأئمة: المزي وابن تيمية وابن القيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 35 ).
وقال ابن القيم:
ورجَّح شيخا الإسلام: أبو الحجاج المزي، وأبو العباس بن تيمية وقفه، ورجح البيهقي في ” سننه ” وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب.
قال شيخنا أبو العباس أي: ابن تيمية -: وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه، فنقل ابنه ذلك عنه.
قلت: ويدل على وقفه أيضًا: أن مجاهدًا – وهو العلَم المشهور الثبت – إنما رواه عنه موقوفًا، واختلف فيه على عبيد الله وقفًا ورفعًا.
” شرح مختصر سنن أبي داود ” ( 1 / 78 ).
وكما اختلف العلماء – رحمهم الله – في صحة الحديث فقد اختلفوا في تقدير القلتين، ولم يأتِ نصٌّ في تحديد مقدار القلتين.
وقد ذكر ابن القيم – رحمه الله – وجوهًا كثيرة في الطعن في الحديث، ومنها عدم تحديد القلتين مع شدة الحاجة لمعرفة ذلك.
قال ابن القيم:
الرابع: أن حاجة الأمة – حضرها وبدوها – على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فإن الناس لا يكتالون الماء ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما ولا عرضهما ولا عمقهما، فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب وتكليف ما لا يطاق؟.
فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان، قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية؛ فإنها مضبوطة لا يزاد عليها ولا ينقص منها كعدد الجلدات ونصب الزكوات وعدد الركعات وسائر الحدود الشرعية.
الخامس: أن خواص العلماء إلى اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين، فمن قائل ألف رطل بالعراقي، ومن قائل ستمائة رطل، ومن قائل خمسمائة، ومن قائل أربعمائة، وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديدًا، فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين واضطربت أقوالهم في ذلك فما الظن بسائر الأمة؟ ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها.
السادس: أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًّا، منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس وإذا بال فيه لم ينجسه، ومنها: أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قلتين إلا رطلًا مثلًا أن ينجس الماء ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه، ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة, فمحال أن يجيء شرع بتنجس الأول وطهارة الثاني, وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلًا فتنجسها، إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها …
” حاشية تهذيب سنن أبي داود ” ( 1 / 87 ).
والخلاصة:
أن الحديث ضعيف، وأنه لا يُعلم مقدار القلتين حتى عند من صححه.
والله أعلم.


