ما هو ضابط البدعة الإضافية؟
السؤال
ما هو ضابط البدعة الإضافية؟ وهل كل ما لم يثبت فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم من عبادة في مكان ما أو زمن ما أو طريقة معينة يعتبر من البدع؟ وهذه بعض الحالات: المواظبة على قراءة الكهف في يوم الجمعة قبل صلاة الجمعة بالتحديد – ولكن بدون أن ينوي التعبد بتحديد الوقت -، وقراءة جزء في كل يوم من صلاة التراويح، وقراءة القرآن جماعة بصوت واحد، وهل هناك فرق بين نية التعبد وغيرها – كنية التعلم – في البدع الإضافية؟ وما هو الدليل على ذلك؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الأصل في باب العبادات هو التوقيف والتلقي عن الشرع كما قرر ذلك أهل العلم، وكل من أحدث عبادة تقرب فيها إلى الله تعالى فقد ابتدع في الدين، ولم يقبل الله تعالى منه عبادته، وقد صح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ” رواه البخاري – معلقًا – ومسلم ( 1718 ).
* وقال الإمام مالك – رحمه الله -:
من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [ المائدة / من الآية 3 ] ، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا.
وبالنظر فيما أحدثه الناس من بدعٍ قسَّم بعض أهل العلم البدعة إلى بدعة حقيقية وبدعة إضافية، والبدعة الحقيقية: هي التي لم يدل عليها دليل شرعي, لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم, لا في الجملة ولا في التفصيل، كبدعة المولد وترك الزواج رهبانية وغيرها.
– والبدعة الإضافية: هي ما كان له أصل في الشرع، لكن خالف صاحبها في فعلها من حيث: (1) الكم (2) الكيف (3) الزمان (4) المكان (5) السبب (6) الجنس.
– والمعنى: أن هذه الأوصاف متى لم يرد باعتبارها دليل شرعي تكون البدعة العبادة بذلك بدعة إضافية.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 8 / 32 ، 33 ):
تنقسم البدعة من حيث قربها من الأدلة أو بعدها عنها إلى حقيقية وإضافية.
البدعة الحقيقية:
هي التي لم يدل عليها دليل شرعي, لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم, لا في الجملة ولا في التفصيل, ولهذا سميت بدعة حقيقية; لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق, وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع; إذ هو مدع أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة, ولكن ثبت أن هذه الدعوى غير صحيحة, لا في نفس الأمر ولا بحسب الظاهر, أما بحسب نفس الأمر فبالعرض, وأما بحسب الظاهر فإن أدلته شبه وليست بأدلة, ومن أمثلتها: التقرب إلى الله تعالى بالرهبانية وترك الزواج مع وجود الداعي إليه وفقد المانع الشرعي, كرهبانية النصارى المذكورة في قوله تعالى: ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله )؛ فهذه كانت قبل الإسلام, أما في الإسلام فقد نسخت في شريعتنا بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: ” فمن رغب عن سنتي فليس مني “، ومنها: أن يفعل المسلم مثل ما يفعل أهل الهند في تعذيب النفس بأنواع العذاب الشنيع والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب وتقشعر منها الجلود, مثل الإحراق بالنار على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العليا والقربى من الله سبحانه في زعمهم.
البدعة الإضافية:
وهي التي لها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلق, فلا تكون من تلك الجهة بدعة, والثانية ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، ولما كان العمل له شائبتان, ولم يتخلص لأحد الطرفين, وضعت له هذه التسمية; لأنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لاستنادها إلى دليل, وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لاستنادها إلى شبهة لا إلى دليل, أو لأنها غير مستندة إلى شيء, وهذا النوع من البدع هو مثار الخلاف بين المتكلمين في البدع والسنن, وله أمثلة كثيرة, منها: صلاة الرغائب, وهي: اثنتا عشرة ركعة في ليلة الجمعة الأولى من رجب بكيفية مخصوصة, وقد قال العلماء: إنها بدعة قبيحة منكرة، وكذا صلاة ليلة النصف من شعبان, وهي: مائة ركعة بكيفية خاصة، وصلاة بر الوالدين.
ووجه كونها بدعة إضافية: أنها مشروعة, باعتبار النظر إلى أصل الصلاة؛ لحديث رواه الطبراني في الأوسط ” الصلاة خير موضوع “, وغير مشروعة باعتبار ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة، فهي مشروعة باعتبار ذاتها, مبتدعة باعتبار ما عرض لها. انتهى.
* وقال الشاطبي – رحمه الله – وهو الذي سماها بهذا الاسم -:
ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية أن يكون أصل العبادة مشروعًا إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل توهماً أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حد لها، ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع بوقت دون وقت، ولا حد فيه زماناً دون زمان، ما عدا ما نهي عن صيامه على الخصوص كالعيدين، وندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول، فإذا خص منه يومًا من الجمعة بعينه، أو أيامًا من الشهر بأعيانها – لا من جهة ما عينه الشارع – فإن ذلك ظاهر بأنه من جهة اختيار المكلف، كيوم الأربعاء مثلًا في الجمعة، والسابع والثامن في الشهر، وما أشبه ذلك، بحيث لا يقصد بذلك وجهًا بعينه مما لا ينثني عنه. فإذا قيل له: لم خصصت تلك الأيام دون غيرها؟ لم يكن له بذلك حجة غير التصميم، أو يقول: إن الشيخ الفلاني مات فيه أو ما أشبه ذلك، فلا شك أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيَّاماً بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلف بدعة، إذ هي تشريع بغير مستند.
ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصًا، كتخصيص اليوم بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط، كان تشريعًا زائدا.
ولا حجة له في أن يقول: إن هذا الزمان ثبت فضله على غيره فيحسن فيه إيقاع العبادات؛ لأنا نقول: هذا الحسن هل ثبت له أصل أم لا؟ فإن ثبت فهو مسألتنا كما ثبت الفضل في قيام ليالي رمضان، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام الاثنين والخميس، فإن لم يثبت فما مستندك فيه العقل لا يحسن ولا يقبح ولا شرع يستند إليه؟ فلم يبق إلا أنه ابتداع في التخصيص، كإحداث الخطب وتحري ختم القرآن في بعض ليالي رمضان. ” الاعتصام ” ( 1 / 485 ، 486 ).
وذكر – رحمه الله – أمثلة كثيرة على البدعة الإضافية، ومنها:
– تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة.
– ومن ذلك: قراءة القرآن بهيئة الاجتماع عشية عرفة في المسجد للدعاء تشبهًا بأهل عرفة.
– ومن ذلك: الأذان والإقامة في العيدين، فقد نقل ابن عبد البر اتفاق الفقهاء على أن لا أذان ولا إقامة فيهما، ولا في شيء من الصلوات المسنونات والنوافل، وإنما الأذان للمكتوبات، وعلى هذا مضى عمل الخلفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وجماعة الصحابة – رضي الله عنهم -، وعلماء التابعين، وفقهاء الأمصار.
ثانيًا:
وبما سبق من التفصيل العلمي يُعرف الجواب عن الحالات التي جاء ذكرها في السؤال، فقراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها مشروع، ولم يأتِ تخصيص وقت معين لقراءتها فيه، فلا يجوز التعبد لله بوقت معيَّن تُقرأ فيه هذه السورة.
ولا نعلم بأسًا من قراءة جزء من القرآن كل ليلة في صلاة التراويح، ومقدار القراءة أمره واسع، وهو أمر للترتيب لا للتعبد بالتحديد.
وقراءة القرآن بصوت جماعي لا يجوز إلا أن يراد به التعليم، فإن كان ثمة من يعلم طلبة فيرددون وراءه بصوت واحد فيجوز، وأما إن قُصد به التعبد فلا يجوز، وهو من البدع الإضافية؛ لأن قراءة القرآن مشروعة في أصلها، وقد خالفوا هنا في الكيفية.
وإذا التزم المسلم حضور درس في وقت معيَّن فلا يعني هذا وقوعه في ” البدعة الإضافية “؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيصه يومًا للنساء يعلمهن ويعظهن؛ ولأن المسلم لا يقصد التعبد لله بما يحدده من وقت.
عن أبي سعيد الخدري قال: قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلَبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن, فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار، فقالت امرأة: واثنتين؟ فقال: واثنتين. رواه البخاري ( 102 ) وبوَّب عليه: باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، ومسلم ( 2634 ).
وقد جعل بعض أهل البدع الاحتفال بالموالد البدعية والاجتماع للعبادة مثل تحديد يوم للدرس والموعظة، وقد ردَّ الشيخ ابن عثيمين على مثل هذه الشبهة.
والله أعلم.


