حكم خطبة الجمعة بغير اللغة العربية
السؤال
هل تشرع الخطبة بلغة غير اللغة العربية في مكان أغلبيته لا يتكلمون العربية؟ وما هو الدليل على ذلك؟
الجواب
الحمد لله
اشترط بعض أهل العلم أن تكون خطبة الجمعة باللغة العربية، وقالوا: إنه ذِكر مفروض كالتشهد فوجب أن يكون باللغة العربية.
وذهب آخرون إلى جواز خطبة الجمعة بغير العربية متى كان المصلون لا يفهمون العربية ولا يحسنونها؛ لأن المقصود من خطبة الجمعة هو الوعظ والإرشاد وذلك حاصل بكل لسان، لكن على من لا يُحسن اللغة العربية أن يجتهد في تعلم العربية خروجًا من الخلاف.
* قال النووي – رحمه الله -:
هل يشترط كون الخطبة بالعربية؟
فيه طريقان:
أصحهما – وبه قطع الجمهور -: يشترط؛ لأنه ذِكر مفروض فشرط فيه العربية كالتشهد وتكبيرة الإحرام مع قوله صلى اللّه عليه وسلم: ” صلوا كما رأيتموني أصلي “, وكان يخطب بالعربية.
والثاني: فيه وجهان حكاهما جماعة منهم المتولى أحدهما: هذا، والثاني: مستحب ولا يشترط؛ لأن المقصود الوعظ وهو حاصل بكل اللغات.
قال أصحابنا: فإذا قلنا بالاشتراط فلم يكن فيهم من يحسن العربية: جاز أن يخطب بلسانه مدة التعلم، وكذا إن تعلم واحد منهم التكبير، فإن مضى زمن التعلم ولم يتعلم أحد منهم عصوْا بذلك ويصلون الظهر أربعًا ولا تنعقد لهم جمعة.
” المجموع ” ( 4 / 440 ).
* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
هل يجوز تفسير خطبة الجمعة للناس إذا كانوا عجميين ليفهموا معناها؟.
فأجاب:
نعم، يجوز ذلك فيخطب بالعربية ويفسر الخطبة باللغة التي يفهمها المستمعون؛ لأن المقصود وعظهم وتذكيرهم وتعليمهم أحكام الشريعة ولا يحصل ذلك إلا بالترجمة. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 370 ).
* وفي فتوى مفصَّلة حول الموضوع قال الشيخ – رحمه الله -:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد تنازع العلماء – رحمهم الله – في جواز ترجمة الخطب المنبرية في يوم الجمعة والعيدين إلى اللغات العجمية، فمنع ذلك جمع من أهل العلم رغبة منهم – رضي الله عنهم – في بقاء اللغة العربية والمحافظة عليها والسير على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه – رضي الله عنهم – في إلقاء الخطب باللغة العربية في بلاد العجم وغيرها وتشجيعًا للناس على تعلم اللغة العربية والعناية بها.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى جواز ترجمة الخطب باللغة العجمية إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يعرفون اللغة العربية، نظرًا للمعنى الذي من أجله شرع الله الخطبة وهو تفهيم الناس ما شرعه الله لهم من الأحكام وما نهاهم عنه من المعاصي والآثام، وإرشادهم إلى الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة وتحذيرهم من خلافها، ولا شك أن مراعاة المعاني والمقاصد أولى وأوجب من مراعاة الألفاظ والرسوم ولا سيما إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يهتمون باللغة العربية ولا تؤثر فيهم خطبة الخطيب باللغة العربية تسابقًا إلى تعلمها وحرصًا عليها.
فالمقصود حينئذ لم يحصل والمطلوب بالبقاء على اللغة العربية لم يتحقق، وبذلك يظهر للمتأمل أن القول بجواز ترجمة الخطب باللغات السائدة بين المخاطبين الذين يعقلون بها الكلام ويفهمون بها المراد أولى وأحق بالاتباع، ولا سيما إذا كان عدم الترجمة يفضي إلى النزاع والخصام، فلا شك أن الترجمة والحالة هذه متعينة لحصول المصلحة بها وزوال المفسدة، وإذا كان في المخاطبين من يعرف اللغة العربية فالمشروع للخطيب أن يجمع بين اللغتين فيخطب باللغة العربية ويترجمها باللغة الأخرى التي يفهمها الآخرون، وبذلك يجمع بين المصلحتين وتنتفي المضرة كلها وينقطع النزاع بين المخاطبين.
ويدل على ذلك من الشرع المطهر أدلة كثيرة منها: ما تقدم وهو أن المقصود من الخطبة نفع المخاطبين وتذكيرهم بحق الله ودعوتهم إليه وتحذيرهم مما نهى الله عنه ولا يحصل ذلك إلا بلغتهم، ومنها: أن الله سبحانه إنما أرسل الرسل عليهم السلام بألسنة قومهم ليفهموهم مراد الله سبحانه بلغاتهم كما قال عز وجل: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) [ إبراهيم / من الآية 4 ] ، وقال عز وجل: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) [ إبراهيم / الآية 1 ] .
وكيف يمكن إخراجهم به من الظلمات إلى النور وهم لا يعرفون معناه ولا يفهمون مراد الله منه، فعلم أنه لا بد من ترجمة تبين المراد وتوضح لهم حق الله سبحانه إذا لم يتيسر لهم تعلم لغته والعناية بها، ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود ليكاتبهم بها ويقيم عليهم الحجة، كما يقرأ كتبهم إذا وردت ويوضح للنبي صلى الله عليه وسلم مرادهم ومن ذلك أن الصحابة – رضي الله عنهم – لما غزوا بلاد العجم من فارس والروم لم يقاتلوهم حتى دعوهم إلى الإسلام بواسطة المترجمين، ولما فتحوا البلاد العجمية دعوا الناس إلى الله سبحانه باللغة العربية وأمروا الناس بتعلمها, ومن جهلها منهم دعوه بلغته وأفهموه المراد باللغة التي يفهمها, فقامت بذلك الحجة, وانقطعت المعذرة, ولا شك أن هذا السبيل لا بد منه ولا سيما في آخر الزمان وعند غربة الإسلام وتمسك كل قبيل بلغته.
فإن الحاجة للترجمة ضرورية ولا يتم للداعي دعوة إلا بذلك.
وأسأل الله أن يوفق المسلمين أينما كانوا للفقه في دينه, والتمسك بشريعته, والاستقامة عليها, وأن يصلح ولاة أمرهم, وأن ينصر دينه, ويخذل أعداءه, إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وصلى الله على عبده ورسوله محمد, وآله وصحبه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 372 – 375 ).
* وقال الشيخ عبد الرحمن البراك:
اللغة العربية هي لغة القرآن والسنة، فينبغي للمسلمين أن يتعلموها؛ لأن فهم اللسان العربي من أعظم الأسباب المعينة على فهم القرآن وفهم السنة، والعبادات الشرعية القولية منها ما يجب أن يكون باللسان العربي؛ كالقرآن في الصلاة وخارج الصلاة، فإن ترجمة القرآن لا تقوم مقامه ولا تعد قرآناً بل هي نوع من التفسير، وهكذا ينبغي أن تكون الأذكار باللغة العربية، مثل أذكار الصلاة من التسبيح والتكبير وألفاظ التشهد، وأما الدعاء فإن كان بالعربية كان أوْلى، ويجوز أن يكون بغير العربية، ولا ينبغي لمن يحسن اللغة العربية أن يعدل عنها إلى غيرها، ومن العبادات القولية خطبة الجمعة، فإذا كان الخطيب يحسن اللغة العربية والمستمعون كذلك، فيجب أن يخطب باللغة العربية، وإذا كان المستمعون لا يحسنون اللغة العربية فينبغي أن يخطب باللغة التي يفهم بها المخاطبون، ويتلو الآيات بنصها ويفسرها باللغة التي يخطب بها، هذا إذا كان الخطيب يحسن لغة جمهور المستمعين، وأما إن كان لا يحسن لغة المستمعين، أو كان المذهب الذي يتمذهب به لا تجوز فيه الخطبة إلا باللغة العربية: فلا ينبغي أن تكرر الخطبة قبل الصلاة، ولكن يخطب قبل الصلاة باللغة العربية، وبعد الصلاة يقوم من يترجمها للمستمعين باللغة التي يفهمونها لتحصل الفائدة، وليس ذلك بواجب، وإذا كان المستمعون لا يحسنون العربية: فلا ينبغي أن يخطب عليهم باللغة العربية؛ لأنه لا معنى لإلقاء الخطبة على قوم أكثرهم لا يفقه لما يسمع شيئًا، والمقصود من الخطبة إيصال معاني الكلام من المواعظ وبيان الأحكام والأوامر والنواهي إلى الحاضرين، وما ذكره السائل من الخطبة مرتين هو من اجتهاد الإمام والمحبين للخير والدعوة إلى الله، فيؤجرون على هذا الاجتهاد، ولكن الصواب عندي أنه يغني عن ذلك ترجمة الخطبة بعد الصلاة إذا تيسر ذلك، وشرط تقدم خطبتين لصلاة الجمعة يحصل بما ألقاه الإمام قبل الصلاة، ولو كان بغير اللسان الذي يدركه أكثر المستمعين، فإنه لا بد أن يكون في المستمعين من يحسن اللسان العربي وتحصل له الفائدة، ويشترك الجميع بأجر الحضور والرغبة في معرفة أحكام الدين ، والله تعالى يقول: ( اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) [ التغابن / من الآية 16 ], ويقول: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة / من الآية286 ]، والله أعلم.
” من موقع المسلم نت “.
* وقال علماء اللجنة الدائمة:
لم يثبت في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه يشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة العربية، وإنما كان صلى الله عليه وسلم يخطب باللغة العربية في الجمعة وغيرها؛ لأنها لغته ولغة قومه، فوعظ من يخطب فيهم وأرشدهم وذكرهم بلغتهم التي يفهمونها، لكنه أرسل إلى الملوك وعظماء الأمم كتبًا باللغة العربية، وهو يعلم أن لغتهم غير اللغة العربية، ويعلم أنهم سيترجمونها إلى لغتهم ليعرفوا ما فيها .
وعلى هذا يجوز لخطيب الجمعة في البلاد التي لا يعرف أهلها أو السواد الأعظم من سكانها اللغة العربية أن يخطب باللغة العربية ثم يترجمها إلى لغة بلاده؛ ليفهموا ما نصحهم وذكرهم به، فيستفيدوا من خطبته، وله أن يخطب خطبة الجمعة بلغة بلاده مع أنها غير عربية، وبذلك يتم الإرشاد والتعليم والوعظ والتذكير ويتحقق المقصود من الخطبة، غير أن أداء الخطبة باللغة العربية ثم ترجمتها إلى المستمعين أولى، جمعًا بين الاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه وكتبه، وبين تحقيق المقصود من الخطبة خروجاً من الخلاف في ذلك.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 253 ، 254 ).
* وسئلوا:
إننا مبتعثون من المملكة العربية السعودية، وإننا نصلي صلاة الجمعة في مكان أعددناه لصلاة الجمعة فقط، وليس بمسجد، وأن الأغلبية من المصلين يتكلمون العربية، ويوجد قلة قليلة لا يتكلمون العربية، وهم مسلمون، ويصلون معنا كذلك، وأننا اختلفنا فيما بيننا: هل تكون الخطبة بالعربية، أم بالإنجليزية؟ علماً أننا في الوقت الحاضر الخطبة تلقى بالعربية، ثم تترجم إلى الإنجليزية كمقاطع، أي: يخطب السطرين الأولين بالعربية ثم يترجمها إلى الإنجليزية؛ لذا نرجو من فضيلتكم التكرم بالإجابة جزاكم الله خيرًا؛ لأننا في أمس الحاجة لمعرفة الحل.
فأجاب:
إذا كان الواقع كما ذكر: فالخطبة تلقى باللغة العربية وتترجم للأقلية بلغتهم إنجليزية أو غيرها، ويراعى ما هو أصلح للمستمعين في الترجمة من تجزئتها عقب كل مقطع من الخطبة أو تأخير الترجمة حتى ينتهي من الخطبة فيفعل ما هو الأنفع للمستمع.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 254 ، 255 ).
والله أعلم.


