هل تجوز العمليات الفدائية التي يقتل فيها المجاهد نفسه؟
السؤال
– أرجو منكم عدم تأجيل الرد على هذا السؤال؛ لأنه خطير بمعنى الكلمة.
أنا فلسطيني وأرغب بصراحة بتفجير نفسي كاستشهادي فداءا للأقصى الشريف أنا ومن هم في مثل سني من أقراني، ولكن صراحة نظراً لأنه تم التشكيك في هذا الموضوع فأرجو منكم الرد على رسالتي هذه بمدى كون هذا العمل يدخل ضمن سبل الشهادة أم لا؟.
أرجو منكم الدقة التامة في الإجابة جزاكم الله خيرا، علمًا بأن ما تجيبون به سيحاسبكم الله على الفتوى به إن لم يكن صحيحًا، لا أقصد الإهانة أو الإخافة ولكن لأبين أن أرواحًا ستتوقف على هذه الفتوى إن لم أكن أبالغ.
وفي الختام تقبلوا مني فائق الشكر والامتنان، وجزاكم الله عنا كل خير سواء أجبتم أم لا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
القتال القائم بين المسلمين في فلسطين واليهود جهاد شرعي.
* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –:
ما تقول الشريعة الإسلامية في جهاد الفلسطينيين الحالي، هل هو جهاد في سبيل الله، أم جهاد في سبيل الأرض والحرية؟ وهل يعتبر الجهاد من أجل تخليص الأرض جهاداً في سبيل الله؟.
فأجاب:
لقد ثبت بشهادة العدول الثقات أن الانتفاضة الفلسطينية والقائمين بها من خواص المسلمين هناك، وأن جهادهم إسلامي؛ لأنهم مظلومون من اليهود، ولأن الواجب عليهم الدفاع عن دينهم وأنفسهم وأهليهم وأولادهم وإخراج عدوهم من أرضهم بكل ما استطاعوا من قوة.
وقد أخبرنا الثقات الذين خالطوهم في جهادهم وشاركوهم في ذلك عن حماسهم الإسلامي وحرصهم على تطبيق الشريعة الإسلامية فيما بينهم، فالواجب على الدول الإسلامية وعلى بقية المسلمين تأييدهم ودعمهم ليتخلصوا من عدوهم، وليرجعوا إلى بلادهم، عملًا بقول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) [ التوبة / الآية 123 ] ، وقوله سبحانه: ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ التوبة / الآية 41 ] ، وقوله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) [ الصف / من الآية10 – 13 ] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم “؛ ولأنهم مظلومون، فالواجب على إخوانهم المسلمين نصرهم على من ظلمهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه “, متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا قالوا: يا رسول الله نصرته مظلوماً فكيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه “، والأحاديث في وجوب الجهاد في سبيل الله ونصر المظلوم وردع الظالم كثيرة جدًّا.
فنسأل الله أن ينصر إخواننا المجاهدين في سبيل الله في فلسطين وفي غيرها على عدوهم، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يوفق المسلمين جميعًا لمساعدتهم والوقوف في صفهم ضد عدوهم، وأن يخذل أعداء الإسلام أينما كانوا وينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، إنه سميع قريب.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 4 / 295 ، 296 ).
ثانيا:
وعلى المجاهدين في كل مكان الالتزام بأحكام الشرع في جهادهم، فلا يحل لهم مخالفة الشرع بقتل الأطفال والنساء والشيوخ غير المحاربين، كما لا يحل لهم التمثيل بجثث الكفار.
والمسألة المطروحة في السؤال فيها أقوال ثلاثة: فالجمهور على جوازها وأنها من الجهاد المشروع، وهو قول الشيخ عبد الله بن حميد, وعبد الله بن منيع، وعبد الله البسام, وغيرهم، والقول الثاني بالمنع منها، وهو قول الشيخين ابن باز وابن عثيمين، والقول الثالث هو الجواز بشروط وضوابط، وهو قول الشيخ الألباني – رحمه الله -.
والذي نراه في المسألة المطروحة في السؤال أن مباشرة قتل المسلم لنفسه حتى لو كان في مقابلها قتل بعض أعداء الله مما ينبغي تركها والبحث عن سبل أخرى لإيلام العدو وقتله دون الحاجة لمباشرة قتل النفس.
ونحن ذكرنا أن لأهل العلم المعاصرين أقوالًا بالجواز، وأنها من الجهاد المشروع، ونقول لإخواننا هناك إذا كنتم تثقون بأحدٍ من أهل العلم واستفتيتموه فأفتاكم بالجواز فلا حرج عليكم من الأخذ بفتواه، لكن لا يحل لكم الانتقاص من العلماء الذين منعوا من هذا أو وضعوا ضوابط شرعية للجواز، فهم لم يمنعوكم من الجهاد لكنهم ذكروا ما يدينون الله به، وليس في دين الله محاباة أو مجاملة على حساب الشرع، فلا تفرحوا أعداء الله من اليهود وغيرهم بالوقيعة في أهل العلم الذين يرون خلاف ما تسمعونه من علمائكم ومفتيكم.
ولبعض العلماء قول بالجواز بشروط منها: إخلاص النية لله، لا بقصد الانتقام والثأر والسمعة، وأن يكون ذلك بإذن قائد الحرب، وأن يكون هذا الفعل يسبِّب إيلامًا للعدو ونكاية.
* سئل الشيخ الألباني – رحمه الله -:
بالنسبة للعمليات العسكرية الحديثة، فيه قوات تسمى بالكوماندوز، فيكون فيه قوات للعدو تضايق المسلمين، فيضعون فرقة انتحارية تضع القنابل ويدخلون على دبابات العدو، ويكون هناك قتل … فهل يعد هذا انتحارًا؟.
فأجاب:
لا يعد هذا انتحارًا؛ لأن الانتحار هو أن يقتل المسلم نفسه خلاصًا من هذه الحياة التعيسة، أما هذه الصورة التي أنت تسأل عنها: فهذا ليس انتحارًا، بل هذا جهادٌ في سبيل الله، إلا أن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها، وهي أن هذا العمل لا ينبغي أن يكون فرديًّا أو شخصيًّا، إنما يكون هذا بأمر قائد الجيش، فإذا كان قائد الجيش يستغني عن هذا الفدائي، ويرى أن في خسارته ربح كبير من جهة أخرى، وهو إفناء عدد كبير من المشركين والكفار، فالرأي رأيه ويجب طاعته، حتى لو لم يرض هذا الإنسان فعليه طاعته.
الانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام؛ لأنه ما يفعله إلا غضبان على ربه ولم يرض بقضاء الله، أما هذا فليس انتحاراً، كما كان يفعله الصحابة، يهجم على جماعة ( كردوس ) من الكفار بسيفه، ويعمل فيهم بالسيف حتى يأتيه الموت صابرًا، لأنه يعلم أن مآله الجنة، فشتان بين من يقتل نفسه بهذه الطريقة الجهادية وبين من يتخلص من حياته بالانتحار، أو يركب رأسه ويجتهد بنفسه، فهذا يدخل في باب إلقاء النفس في التهلكة. ” سلسلة الهدى والنور ” ( شريط رقم 134 ).
* وفي موضع آخر ذكر الشيخ – رحمه الله – حديثًا وذكر ما يستدل به عليه، فقال:
عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًّا عظيمًا من الروم, فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر, وعلى أهل مصر عقبة بن عامر, وعلى الجماعة فضالة بن عبيد, فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم, فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة, فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل, وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه, فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت, وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه, فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها, فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ), فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو, فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. رواه الترمذي ( 2972 ) – واللفظ له -، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأبو داود ( 2512 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح موارد الظمآن ” ( 2 / 119 ) – وهو من أواخر كتبه – وقال:
وهذا ما أصاب المسلمين اليوم، فشُغلوا بإصلاح أموالهم وتنميتها عن الاهتمام بدينهم والدفاع عن بلادهم، وقد غزاها أذل الناس، فصدَق فيهم قول نبيهم صلى الله عليه وسلم: ” إذا تبايعتم بالعينة … ” الحديث، وفيه: ” وتركتم الجهاد في سبيل الله: سلَّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم “.
وفي الحديث ما يدل على ما يُعرف اليوم بـ ” العمليَّات الانتحاريَّة ” التي يقوم بها بعض الشباب المسلم ضد أعداء الله، ولكن لذلك شروط، من أهمِّها أن يكون القائم بها قاصدًا وجه الله، والانتصار لدين الله، لا رياءً، ولا سمعةً، ولا شجاعةً، ولا يأسًا من الحياة. انتهى .
* والخلاصة:
أن الأقوال في هذه المسألة ثلاثة – كما سبق -، ومن رأى الخروج من الخلاف بترك هذا الفعل وبحث عن طرق أخرى للنكاية بالعدو – وما أكثرها – فهو أحسن، ومن استفتى من يثق بدينه وعلمه فأفتاه بأحد الأقوال الثلاثة وجب عليه التزامه إلا أن يتبين له ضعف قوله وقوة قول آخر من غير اتباع هوى، ولا يجوز التثريب والطعن في العلماء الذين اختلفوا في هذه المسألة، وهذا الطعن يُفرح العدو فليبتعد عنه العاقل، وبخاصة أولئك الذين نرى تميعهم مع فرق وأحزاب الضلال، ونرى تميعهم تجاه المخالفين في العقيدة، فهذه المسألة من النوازل، وهي أولى بإعذار المخالف.
والله أعلم.


