هل يجوز له الأخذ من لحيته حتى لا يتعرض للأذى؟
السؤال
سيتزوج صديقي في إحدى الدول الإسلامية، وهو مستقيم ويتبع السنة ( يعفي لحيته ) ولله الحمد، وأسأل الله الهداية للجميع، والدولة التي سيسافر إليها تحتجز الأشخاص الملتحين – خصوصًا الذين تكون لهم أصول باكستانية – في المطار ثم تقوم الشرطة السرية بمتابعتهم، وصديقي لا يريد أن يسبب صعوبات لعائلة زوجته، حيث من المتوقع أن تتم متابعتهم ويتعرضون لمضايقات من قبل الحكومة، لذلك فإنه يرغب في تهذيب لحيته قليلًا لهذه المناسبة فقط ثم يطلقها مرة أخرى، وهو لم يكن ليقصر لحيته لولا الأسباب المذكورة.
الجواب
الحمد لله
إعفاء اللحية واجب شرعي، وحلقها محرم، وحرمتها محل اتفاق بين العلماء.
* قال ابن حزم:
واتفقوا على أن حلق اللحية مثلة لا يجوز.
” المحلى ” ( 2 / 189 ).
وأما حلقها خوفًا من الاعتقال أو تعرض معفيها للأذى: فإن هذا الخوف ليس على درجة واحدة، فمنه ما يكون ظنًّا راجحًا، ومنه ما يكون ظنًّا مرجوحًا، ومنه ما يستوي طرفاه، ومنه ما يكون وهمًا.
والأظهر أنه لا يجوز له حلق لحيته أو تخفيفها إلا في حالة وقوع الأذى وفي حالة الظن الراجح، ولا يجوز فيما عداه.
ويدخل هذا الفعل في باب الضرورة، قال تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) [ البقرة / من الآية 173 ] ، أو في باب الإكراه، قال تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ النحل / الآية 106 ].
ويجب أن يكون الأذى الذي يمكن أن يلحقه مما لا يمكن تحمله، لا مجرد المضايقة والسؤال والتحقيق، فإن هذه الأمور لا يسلم منها حالق اللحية، وهي لا تجيز لصاحبها الوقوع في الإثم.
وللإكراه شروط لا بدَّ من تحققها حتى يجوز للمسلم أن يترخص بفعل الحرام أو قوله إذا حصل له، ومعرفتها أمر هام لادعاء كثيرين أنهم مكرَهين وليس كذلك.
* قال ابن قدامة:
– ومن شرط الإكراه ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون من قادرٍ بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه، وحكي عن الشعبي: إن أكرهه اللص لم يقع طلاقه وإن أكرهه السلطان وقع، قال ابن عيينة: لأن اللص يقتله.
وعموم ما ذكرناه في دليل الإكراه يتناول الجميع، والذين أكرهوا عماراً لم يكونوا لصوصاً, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: ” إن عادوا فعُد “؛ ولأنه إكراه فمنع وقوع الطلاق كإكراه اللصوص.
الثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه.
الثالث: أن يكون مما يستضر به ضررا كثيرا, كالقتل والضرب الشديد، والقيد, والحبس الطويل، فأما الشتم والسب فليس بإكراه رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير.
فأما الضرر اليسير فإن كان في حق من لا يبالي به: فليس بإكراه، وإن كان في بعض ذوي المروءات على وجه يكون إخراقًا بصاحبه, وغضًّا له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غيره، وإن توعد بتعذيب ولده: فقد قيل: ليس بإكراه؛ لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى: أن يكون إكراها؛ لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه, فكذلك هذا. ” المغني ” ( 7 / 292 ).
وقال بعض الفقهاء: إن جواز ارتكاب المحرم – ما عدا القتل – أو الكفر إنما هو بعد وقوع الأذى لا قبله، ولم يعدوا الوعيد من باب الإكراه.
والصواب: أن التهديد مِن قادرٍ على الفعل له حكم الإكراه، وبخاصة إذا سبق تكرر مثل هذه الحوادث، وهو قول الإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
* قال ابن قدامة:
والرواية الثانية: أن الوعيد بمفرده إكراه، قال في رواية ابن منصور: حد الإكراه إذا خاف القتل, أو ضربًا شديدًا وهذا قول أكثر الفقهاء, وبه يقول أبو حنيفة والشافعي؛ لأن الإكراه لا يكون إلا بالوعيد؛ فإن الماضي من العقوبة لا يندفع بفعل ما أكره عليه, ولا يخشى من وقوعه وإنما أبيح له فعل المكره عليه دفعًا لما يتوعده به من العقوبة فيما بعد, وهو في الموضعين واحد, ولأنه متى توعده بالقتل وعلم أنه يقتله فلم يبح له الفعل أفضى إلى قتله وإلقائه بيده إلى التهلكة ولا يفيد ثبوت الرخصة بالإكراه شيئًا. ” المغني ” ( 7 / 292 ).
ويجب التنبه إلى أنه يجب أن يكون السفر إلى ذلك البلد ضروريًّا، فإن لم يكن كذلك فلا يجوز له ارتكاب المحرم من أجل دخوله له، وليس رؤية الأهل والأقارب أو العمل في تلك البلاد من الضرورات التي تجيز الذهاب إليها، وكثير من الأسر تلتقي في دول أخرى أو في الحج والعمرة، فليس ثمة ضرورة عند كثيرين في ذهابهم لتلك البلدان التي يقع فيها الأذى والضرر على أهل العلم والدين والاستقامة.
وإذا كان الأذى يُدفع بتخفيف اللحية فلا يحلقها بل يكتفي بالتخفيف، فالحلق أشد من التخفيف.
على أننا نقول إنه لم تعد الدول تأخذ الناس على أشكالهم، بل على أسمائهم، ومن كانت صورته بلحية وفي الواقع بدونها كان أدعى للتهمة، فليُعلم هذا؛ ليُعلم أن كثيراً من الناس ليس عندهم إلا الوهم والشك، وبخاصة أن السائل يقول إن صاحبه سيعفي لحيته بعد أن يصل لبيته! وهذا يؤكد ما قلناه، وهو أن الأذى قد يكون متوهمًا، وقد يكون مجرد كلام وسؤال دون تعريض صاحب اللحية للضرب والضرر.
والله أعلم.


