هجر تارك الصلاة القريب، هل فيه قطيعة رحم؟
السؤال
إذا كان لي أخ لا يصلي وقد قاطعته منذ سنة ونصف, فهل أكون قاطع رحم؟.
الجواب
الحمد لله
الهجر ليس مقصودًا لذاته، بل يشرع الهجر من أجل تأديب غيره، ومن أجل انتفاع المهجور ليترك بدعته ومعصيته، فإن كان الهاجر ضعيفًا ولا يستفيد المهجور شيئًا بل يزداد شره وطغيانه: كان التأليف أنفع من الهجر، وقد كان هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الهجر الشرعي نوعان: ( أحدهما ) بمعنى الترك للمنكرات، و( الثاني ): بمعنى العقوبة عليها.
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) [ الأنعام / الآية 86 ] ، وقوله تعالى: ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ) [ النساء / من الآية 140 ].
فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة, مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك، بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم، أو حضر بغير اختياره …
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، فيهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا – حتى أنزل الله توبتهم – حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير، وإن كان منافقاً، فهنا الهجر بمنزلة التعزير
والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات: كتارك الصلاة؛ والزكاة؛ والتظاهر بالمظالم والفواحش؛ والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع …
وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور، وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله.
فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته: كان مشروعا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته: لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر.
والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوماً ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلِّفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال، والمصالح.
وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر في البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين، وغيرهم.
وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه.
” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 203 – 207 ).
وترك الصلاة كفر أكبر، وليس للمسلم أن يتخذ مَن ترك الصلاة أو فعل شيئًا من أنواع الكفر خليلًا يؤاكله ويشاربه وكأنه لم يفعل شيئًا، وهجره واجب في الأصل لكن مع النصيحة والدعوة حتى يتوب إلى الله سبحانه مما هو عليه من الكفر, إلا إذا دعت المصلحة الشرعية لعدم الهجر، بل التأليف – كما سبق في كلام ابن تيمية – ليتمكن من دعوته لعله يستجيب للحق ويدع ما هو عليه من الباطل.
وقد أفتى علماؤنا بهجر من يترك الصلاة جماعة فكيف من بتركها بالكلية.
* سئل علماء اللجنة الدائمة:
هل يجوز أن نقاطع رجلًا لا يأتي للصلاة جماعة؟ وهل تجوز الصلاة في البيت الذي بجوار المسجد وترك الجماعة، هل ذلك مقبول أم لا؟.
فأجابوا:
الأصل: أن صلاة الجماعة في المساجد واجبة على الرجال، فمن ترك فعلها جماعة في المسجد بدون عذر شرعي: فإن من علم عنه ينصحه، فإن لم يقبل شرع هجره.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عبد الرزاق عفيفي، عبد الله بن غديان، عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 7 / 308 ).
* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –:
أخي الأكبر لا يؤدي الصلاة هل أصله أم لا – علمًا بأنه أخي من أبي فقط -؟.
فأجاب:
الذي يترك الصلاة متعمدًا كافر كفرًا أكبر في أصح قولي العلماء، إذا كان مقرًّا بوجوبها، فإن كان جاحداً لوجوبها فهو كافر عند جميع أهل العلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله “. خرجه الإمام أحمد، والترمذي بإسناد صحيح، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ” بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة “. خرجه مسلم في صحيحه، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر “. أخرجه الإمام أحمد، وأهل السنن بإسناد صحيح؛ ولأن الجاحد لوجوبها مكذب لله ولرسوله ولإجماع أهل العلم والإيمان، فكان كفره أكبر وأعظم من كفر تاركها تهاونًا.
وعلى كلا الحالين: فالواجب على ولاة الأمور من المسلمين أن يستتيبوا تارك الصلاة فإن تاب وإلا قتل؛ للأدلة الواردة في ذلك، والواجب هجر تارك الصلاة، ومقاطعته، وعدم إجابة دعوته حتى يتوب إلى الله من ذلك، مع وجوب مناصحته ودعوته إلى الحق، وتحذيره من العقوبات المترتبة على ترك الصلاة في الدنيا والآخرة؛ لعله يتوب فيتوب الله عليه. ” فتاوى ابن باز ” ( 10 / 266 ).
والخلاصة:
أن هجرك لأخيك تارك الصلاة واجب في الأصل، فإذا كان يعلم الحكم الشرعي في فعله ويمكن أن يؤثر فيه هجرك: فاهجره، وإلا فاسلك طريق التأليف لقلبه، ولا تعجز عن إيصال الخير له ولو من غير طريقك، إنقاذًا له من النار، وتخليصاً له من الإثم.
والله أعلم.


