حكم كتابة ( ص ) و ( صلعم )، وهل يجوز كشف وجه المرأة من أجل طلب العلم؟.

السؤال

لقد اطلعت على كافة موضوعات إباحة سفور المرأة عن وجهها ولكني لم أجد طلبي، فلقد سمعت ذات مرة من التلفاز قول أحدهم أنه يجوز للفتاة أو المرأة الكشف عن وجهها في سبيل طلب العلم – لا أذكر على أي مذهب -, وعندما قيل له عن الحديث في السيدة أسماء قال: إن الرسول ( ص ) قال: ” اختلاف فقهاء أمتي رحمة “, وخاصة أنني أستصعب نقلتي النوعية من السفور إلى الحجاب والجلباب، فدلني على الصواب لأتبعه.

الجواب

الحمد لله

أولا:

المشروع هو أن نكتب جملة ” صلى الله عليه وسلم “، ولا يجوز الاكتفاء باختصاراتها سواء المخلة مثل ” صلعم “, أو غير المخلة مثل ” ص “، ويمكن للكاتب أن يقولها بلسانه دون الحاجة لكتابتها, ولا لكتابة اختصاراتها.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

” وبما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة في الصلوات في التشهد، ومشروعة في الخطب والأدعية والاستغفار، وبعد الأذان وعند دخول المسجد والخروج منه وعند ذكره وفي مواضع أخرى: فهي تتأكد عند كتابة اسمه في كتاب أو مؤلف أو رسالة أو مقال أو نحو ذلك لما تقدم من الأدلة.

والمشروع أن تكتب كاملةً تحقيقًا لما أمرنا الله تعالى به، وليتذكرها القارئ عند مروره عليها ولا ينبغي عند الكتابة الاقتصار في الصلاة على رسول الله على كلمة ( ص ) أو ( صلعم ) وما أشبهها من الرموز التي قد يستعملها بعض الكتبة والمؤلفين؛ لما في ذلك من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله: (صلُّوا عليهِ وسلِّموا تسْليمًا ) [ الأحزاب / من الآية 56 ]، مع أنه لا يتم بها المقصود وتنعدم الأفضلية الموجودة في كتابة ( صلى الله عليه وسلم ) كاملة.

وقد لا ينتبه لها القارئ أو لا يفهم المراد بها، علمًا بأن الرمز لها قد كرهه أهل العلم وحذروا منه.

* فقد قال ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح في النوع الخامس والعشرين من كتابه:

” الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده ” قال ما نصه: التاسع: أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره؛ فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك فقد حرم حظًا عظيمًا. وقد رأينا لأهل ذلك منامات صالحة، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء يثبته لا كلام يرويه, فلذلك لا يتقيد فيه بالرواية. ولا يقتصر فيه على ما في الأصل.

وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه نحو عز وجل وتبارك وتعالى، وما ضاهى ذلك، إلى أن قال: ( ثم ليتجنب في إثباتها نقصين: أحدهما: أن يكتبها منقوصة صورة رامزاً إليها بحرفين أو نحو ذلك، والثاني: أن يكتبها منقوصة معنى بألا يكتب ( وسلم ).

وروي عن حمزة الكناني – رحمه الله تعالى – أنه كان يقول: ”  كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أكتب ( وسلم ), فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: ما لك لا تتم الصلاة عليَّ؟ قال: فما كتبت بعد ذلك صلى الله عليه إلا كتبت ( وسلم ) … إلى أن قال ابن الصلاح: قلت: ويكره أيضًا الاقتصار على قوله: ( عليه  السلام ) “. والله أعلم.

– انتهى المقصود من كلامه – رحمه الله تعالى – ملخصا.

* وقال العلامة السخاوي – رحمه الله تعالى – في كتابه فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي ما نصه:

” واجتنب أيها الكاتب ( الرمز لها ) أي الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطك بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة – صورة – كما يفعله ( الكتاني ) والجهلة من أبناء العجم غالبًا وعوام الطلبة، فيكتبون بدلًا من صلى الله عليه وسلم ( ص ) أو ( صم ) أو ( صلعم ), فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلاف الأولى “.

* وقال السيوطي – رحمه الله تعالى – في كتابه تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي :

” ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم هنا وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في شرح مسلم وغيره؛ لقوله تعالى: ( صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) إلى أن قال: ويكره الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين كمن يكتب ( صلعم ) بلى يكتبهما بكمالها ” انتهى المقصود من كلامه – رحمه الله تعالى – ملخصًا.

هذا ووصيتي لكل مسلم وقارئ وكاتب أن يلتمس الأفضل ويبحث عما فيه زيادة أجره وثوابه ويبتعد عما يبطله أو ينقصه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه، إنه جواد كريم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 2 / 397 – 399 ).

ثانيا:

أما حديث: ” اختلاف أمتي رحمة “: فهو حديث موضوع كما في ” الأسرار المرفوعة ” ( 506 )، و” تنزيه الشريعة ” ( 2 / 402 ).

* وقال الشيخ الألباني – عنه – كما في السلسلة الضعيفة والموضوعة حديث رقم: ( 11 ) –:

لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا …

ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: ” وليس بمعروف عن المحدِّثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع، وأقرّه زكريا الأنصاري في تعليقه على ” تفسير البيضاوي ” ( ق 92 / 2 ). انتهى.

* وقال ابن حزم – عن هذا الحديث:

وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنّه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنّه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط، وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية – وساقها -. ” الإحكام في أصول الأحكام ” ( 5 / 61 ).

ثالثًا:

لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب، إلا إذا دعت لذلك ضرورة، كالطبيب المعالج إذا عدمت الطبيبة وبشرط عدم الخلوة، والخاطب للزواج، والشهادة أمام القضاء، ويقتصر فيما سبق على موضع الضرورة دون ما عداه.

وحجاب المرأة ونقابها ليس عائقاً أمام طلب العلم للمرأة، ولا يصح أن تُجعل منافرة ومضادة بين الستر والعلم، ولا بارك الله في علم لا يأتي إلا بمعصية وتهتك للمرأة، وها هي المرأة المتحجبة والمتسترة قد بلغت أعلى المنازل في العلم ونيل الشهادات دون أن تختلط بالرجال أو أن تكشف عن وجهها، وها نحن نرى كثيرًا من الفاشلات في العلم لا يضعن على أجسادهن إلا القليل من الملابس، فمتى كان التهتك يأتي بالعلم والحجاب يمنع منه؟!.

وقد أحسن الشاعر الاُزري بقوله:

ليس الحجاب بمانع تعليمها *  فالعلم لم يرفع على الأزياء

أولم يسع تعليمهن بغير أن * يملأن بالأعطاف عين الرأي

وهو يرد بذلك على المعرّي الذي يحارب تعلّم المرأة بقوله:

علموهن الغزل والنسج والرون * وخلّــوا كتـابـة وقــراءة

فصلاة الفتاة بالحمد والإخلاص * تغنـي عـن يـونس وبـراءة

* وعليه:

فلا نرى صواب قول من قال بجواز كشف الوجه للمرأة في طلب العلم الشرعي، فضلاً أن نرى صواب من قال بكشف ما هو أكثر من الوجه ولغير العلم الشرعي، وفي غير بيئة محافظة كالجامعات والمعاهد المختلطة، وكان ينبغي أن يُقال بالعكس – لو قيل – وهو أنه إذا فسدت البيئات وكثر أهل الشر وجب على المرأة أن يزداد سترها وحياؤها وبُعدها عن مواطن أولئك، لا أن تقترب منهم وتكشف عما يحبون رؤيته.

ونسأل الله تعالى أن يوفقكِ لما فيه رضاه، وأن يجزيكِ خير الجزاء على سؤالكِ واستفساركِ، وهو يدل على الحياء الذي ينبغي على المسلمات أن يتصفن به، ونوصيكِ بالابتعاد عن مواطن الريبة والاختلاط، ولكِ بشرى من النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله: ” من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه “، فاستعيني بالله تعالى واصبري، وقد تركت النساء المسلمات دينهن وأزواجهن وأوطانهن من أجل الدخول في الإسلام، فهذه النقلة من السفور إلى الحجاب لا شيء مقابل ما فعلتْه أولئك النسوة، وثقي أنك ستكونين موضع ثقة وتشجيع أخواتكِ الفاضلات المتسترات، وسيخففن عنكِ وطأة تلك النقلة، ولا تلتفتي إلى المعوقات من أهل الشر والفساد نساء ورجالاً، فهم لا يحبون لكِ الخير، ولا يتمنوْن لك السعادة والثواب.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة