ما ” اللمم “؟ وما حكم تكرر وقوعها من المسلم العاصي؟

السؤال

قال تعالى: ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) صدق الله العظيم.

والسؤال هو: أنني عرفت أن اللمم هي صغائر الذنوب, مثل النظرة والقبلة واللمسة وهذه الذنوب يغفرها الله ما اجتنبت الكبائر، وسؤالي هو: هل معنى ذلك أنه لا يعاقَب العبد على فعل هذه الذنوب حتى في الدنيا إذا تاب منها ثم رجع لها مرة أخرى وهكذا يتوب ويرجع لا يجد العبد أي عقاب من الله على فعل هذه الذنوب؟.

الجواب

الحمد لله

أولا:

لم يتفق المفسرون والأئمة على معنى ” اللمم “، وقد اختلفوا في معناها إلى أقوال:

  1. فقد روي عن جماعة من السلف: أنه الإلمام بالذنب مرة، ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيرًا، قال البغوي: هذا قول أبي هريرة، ومجاهد، والحسن، ورواية عطاء عن ابن عباس.
  2. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ” اللمم “: ما دون الشرك.
  3. قال سعيد بن المسيب: هو ما ألم بالقلب, أي ما خطر عليه.
  4. وقال الحسين بن الفضل: ” اللمم “: النظر من غير تعمد، فهو مغفور، فإن أعاد النظر: فليس بلمم، وهو ذنب.
  5. وذهبت طائفة إلى أن ” اللمم “: ما فعلوه في الجاهلية قبل إسلامهم، فالله لا يؤاخذهم به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين أنتم بالأمس كنتم تعملون معنا، فأنزل الله هذه الآية، وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم.

وبناء على هذا الاختلاف فإنه لا يُجزم بأن معنى ” اللمم ” هو صغائر الذنوب، وعلى فرض أنه هو المعنى الراجح: فإنه لا ينبغي للمسلم أن يتساهل في صغائر الذنوب؛ لأن الصغيرة مع الإصرار عليها قد تتحول إلى كبيرة، بالإضافة إلى أن الإدمان على الصغائر سبب لهلاك الإنسان، فعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إياكم ومحقرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ” رواه الإمام أحمد ( 22302 )، وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3102 ).

ولذا نرى أن ابن عباس وأبا هريرة قد جاء عنهما تفسير ” اللمم ” بتفسيرين: الصغائر والكبائر التي لا تُفعل إلا المرة الواحدة، وليس هذا من اختلاف التضاد، بل هو بسبب اختلاف الحال والشخص، فإما أن يقال: إن اللمم أنه يتناول هذا وهذا، ويكون على وجهين، أو أنهما ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة – ولم يصر عليها – بـ ” اللمم “، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مراراً عديدة.

– وهذا التوفيق من بعض أهل العلم حسن يدل على فقه الصحابة وكمال عقلهم.

ثانيا:

والتائب الصادق في توبته هو الذي يتوب التوبة النصوح، وهي كما قال بعض السلف: ندم بالقلب، واستغفار باللسان, وترك بالجوارح, وإضمار أن لا يعود، وقال آخرون: التوبة النصوح: أن يتوب، ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.

وليس الأمر أن تقع المعصية من العبد، بل الأمر أن يعصي ولا يتوب، أو أن يختم له بتلك المعصية فيموت على غير خير، وإلا فرب ذنب يكون للمؤمن أنفع من كثير من الطاعات، من وجله وإنابته وخوفه، فيَحدث له من أثر تلك المعصية من الخوف والوجل والندم والعزم على الطاعة ما لا يحصله من طاعة، ولكن من يوفَّق لهذا؟.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه عز وجل قال: ” إذا أذنب ذنبًا عبدي فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي, فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي, فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب, اعمل ما شئت فقد غفرت لك “، وفي رواية: ” قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء “.

ومعناه: ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك، وهو يدل على عدم بطلان التوبة الصادقة، ويدل على أنه لا يعاقب على ذنبه إن عاد له بعد التوبة، لكن ذكر بعض أهل العلم أن الحديث في ذنوب مختلفة وليس في ذنبٍ واحد يرجع إليه، وقالوا: إن من رجع إلى ذنبه نفسه: دلَّ ذلك على عدم صدقه في الندم أو في العزم على عدم العود.

وعلى كل حال: فرحمة الله واسعة وفضله عظيم، ومن تاب: تاب الله عليه، ولا ينبغي للمسلم أن يتجرأ على المعصية فقد لا يوفق للتوبة، وما ذُكر في الحديث فهو لبيان سعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله على عباده لا ليتجرأ الناس على ارتكاب المعاصي.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة