الخيالات والأوهام، الأسباب والعلاج

السؤال

أعاني من تخيلات غريبة حيث أني أصبحت غير قادر على التفكير، وعندما أحاول أن أتفكر في الكون فإني لا أستطيع ذلك، وأيضًا أصبحت أعاني من ألم وتقلبات في رأسي, فزادت عليَّ الشكوك, فأصبحت الأمور الواقعية الحقيقية عندي أقرب إلى الخيال؛ حيث إنها تفرض عليَّ ولا أستطيع مقاومتها أبدًا, وحيث أني أصبحت أجد خوفًا كثيرًا في قلبي, وعندما أستيقظ أشعر بخوف شديد أدى إلى أني أتوهم أني فعلت شيئًا يغضب الله أو أني أصبحت غير مسلم, وعندما أكون نائم أحس أني أتحاور مع شخص بكامل عقلي ولكن عندما أستيقظ أكتشف أني أحلم، فالآن عندما أتفكر في هذه الأفكار أحس بالإحباط الشديد خوفًا من أن أكون فعلت شيئًا يخرجني من الإسلام؛ حيث إن هذه الحالة أصبت بها منذ شهرين، هل هذا من سحر أو من فعل الجن؟ وما العلاج؟

الجواب

الحمد لله

الاستسلام للتخيلات والانقياد وراء الأوهام يصيب الألم في الرأس والخبل في العقل والبعد عن الدين، وهو ما لا يليق بالسلم العاقل الذي أكرمه الله بدين الحقائق والبينات، ووهبه عقلًا يتنزه أن ينساق وراء تلك الأوهام والخيالات ليعيش في عالَم خارجي ليس له وجود، ويجتمع فيه الضدان، ولا يفرِّق بين الممكن والممتنع، حتى إن بعضهم ليتخيل عالَمًا آخر له صفاته ولغاته وأشخاصه، ويعيش بعضهم حياته على أنه إله أو نبي أو المهدي! وهذه أحوال بعض من ينتسب للتصوف ممن باع عقلَه للشيطان واستسلم للخيالات، ولا بدَّ للمسلم أن يساهم في القضاء على الخيالات والأوهام في أول طريقها عندما تكون خواطر؛ لأنه إن سكت عنها واسترسل معها أهلكت عقله وقلبه مثل الشرارة التي تُترك فتسبب نارًا عظيمة.

ولابن القيم – رحمه الله – كلامٌ نفيس في بيان حال هذه الخيالات والأوهام، وطرق علاجها.

قال ابن القيم – رحمه الله تعالى -:

– قاعدة في ذكر طريق يوصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال:

وهي شيئان:

أحدهما حراسة الخواطر وحفظها، والحذر من إهمالها والاسترسال معها؛ فإن أصل الفساد كله من قبَلها يجيء؛ لأنها هي بذر الشيطان، والنفس في أرض القلب، فإذا تمكن بذرها: تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات، ثم يسقيها بسقيه حتى تكون عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال.

ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبدُ نفسَه عاجزًا أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرط إذا لم يدفعها وهي خاطر ضعيف، كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس, فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها.

فإن قلت: فما الطريق إلى حفظ الخواطر؟ قلت: أسباب عدة:

– أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك.

– الثاني: حياؤك منه.

– الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته.

– الرابع: خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.

– الخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته.

– السادس: خشيتك أن تتولد تلك الخواطر ويستعر شرارها فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله فتذهب به جملة وأنت لا تشعر.

– السابع: أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحَب الذي يُلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر.

– الثامن: أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلًا بل هي ضدها من كل وجه، وما اجتمعا في قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه، فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمعرفة والمحبة فأخرجتها واستوطنت مكانها؟ لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه.

– التاسع: أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماته فيطلب الخلاص منه فلا يجد إليه سبيلًا، فقلْب تملكه الخواطر بعيد من الفلاح معذب مشغول بما لا يفيد.

– العاشر: أن تلك الخواطر هي وادي الحمقى وأماني الجاهلين, فلا تثمر لصاحبها إلا الندامة والخزي, وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس, وعزلته عن سلطانها, وأفسدت عليه رعيته وألقته في الأسر الطويل، كما أن هذا معلوم في الخواطر النفسانية فهكذا الخواطر الإيمانية الرحمانية هي أصل الخير كله، فإن أرض القلب إذا بذر فيها خواطر الإيمان والخشية والمحبة والإنابة والتصديق بالوعد ورجاء الثواب, وسقيت مرة بعد مرة, وتعاهدها صاحبها بحفظها ومراعاتها والقيام عليها أثمرت له كل فعل جميل، وملأت قلبه من الخيرات، واستعملت جوارحه في الطاعات، واستقر بها الملك في سلطانه، واستقامت له رعيته، ولهذا لما تحققت طائفة من السالكين ذلك عملت على حفظ الخواطر، فكان ذلك هو سيرها وجل أعمالها، وهذا نافع لصاحبه بشرطين: أحدهما: أن لا يترك به واجبًا ولا سنة، والثاني: أن لا يجعل مجرد حفظها هو المقصود، بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية، فيفرغ قلبه من تلك الخواطر, ويعمره بأضدادها، وإلا فمتى عمل على تفريغه منها معا كان خاسرًا، فلا بد من التفطن لهذا، ومن هنا غلط أقوام من أرباب السلوك وعملوا على إلقاء الخواطر وإزالتها جملة فبذر فيها الشيطان أنواع الشبه والخيالات فظنوها تحقيقًا وفتحًا رحمانيًّا وهم فيها غالطون, وإنما هي خيالات شيطانية، والميزان هو: الكتاب الناطق، والفطرة السليمة، والعقل المؤيد بنور النبوة، والله المستعان. ” طريق الهجرتين ” ( ص 274 – 276 ).

أخي الفاضل:

ليس الأمر الذي تعيشه بسبب العين ولا بسبب السحر، وندعوك للتفكر فيما نقلناه لك من كلام علمي متين للإمام ابن القيم، لتعلم أن الداء منك، وأن الدواء يسير على من يسره الله تعالى عليه، وأعانه على كيد الشيطان، فندعوك لتعمير قلبك بالإيمان، وللعلم الشرعي، ولتسخير الجوارح في طاعة الله تعالى.

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة