متعلقة بشخص وهو بعيد عنها فهل يحل لها ذلك؟
السؤال
أنا فتاة أعيش في الأردن، ويوجد في داخلي مشاعر بالحب لشخص يعيش في الكويت, ولكنني لا أراه أو أتكلم معه, فقد عرفته قبل أعوام لكنه رحل, هل هذه المشاعر حرام وتغضب الله عز وجل؟ إنها مشاعر فحسب، وقد حاولت نسيانها خوفًا بأن تكون حرامًا.
الجواب
الحمد لله
هذا هو مرض العشق، وهو داء عظيم يصيب القلب، ويؤثر على الدين والعقل وسائر الجوارح، وإذا لم يعالج المبتلى به نفسَه: أهلكه.
فإن كان هناك سبيل لإبلاغ الرجل بالرغبة بالزواج به فهو العلاج المناسب لهذه المشاعر وهذا العشق، وإن كان لا سبيل للوصول إليه: فالعلاج هو اليأس منه، ولتتفكري فيما يحدثه بقاء هذه المشاعر من آثار سيئة على القلب والعقل والدِّين، ولتلجئي إلى الله تعالى لدفع هذه المشاعر عنك، وعليكِ- أيضًا- أن تبادري إلى الزواج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فهناك ينقطع التفكير، ويُقتصر على المباح الحلال.
وسنختار من كلام ابن القيم رحمه الله ما يناسب المقام من حقيقة العشق، وأسبابه, وعلاجه.
* قال ابن القيم:
هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته، وأسبابه، وعلاجه، وإذا تمكَّن واستحكم: عزَّ على الأطباء دواؤه، وأعيى العليلَ دواؤُه، وإنما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس: من النساء، وعشاق الصبيان المُردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط…
وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى، المعرضة عنه، المتعوِّضة بغيره عنه، فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه: دفع ذلك عنه مرض عشق الصور، ولهذا قال تعالى في حق يوسف: { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلَصين } فدلَّ على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصرْف المسبب صرفٌ لسببه، ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب فارغ، يعني: فارغًا مما سوى معشوقه، قال تعالى: { وأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فَارِغًا إِنْ كَادَت لَتُبْدي بِه } أي: فارغًا من كل شيء إلا من موسى لفرط محبتها له وتعلق قلبها به.
والعشق مركب من أمرين: استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه، فمتى انتفى أحدهما انتفى العشق، وقد أعيت علة العشق على كثير من العقلاء، وتكلم فيها بعضهم بكلام يرغب عن ذكره إلى الصواب…
والمقصود: أن العشق لما كان مرضًا من الأمراض كان قابلا للعلاج، وله أنواع من العلاج، فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبة شرعًا وقدَرًا: فهو علاجه، كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء “، فدلَّ المحبَّ على علاجين: أصلي وبدلي، وأمرَه بالأصلي وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلًا، وروى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ” لم نَر للمتحابَّيْن مثل النكاح “…
وإن كان لا سبيلَ للعاشق إلى وِصال معشوقة قدرًا أو شرعًا، أو هو ممتنع عليه من الجهتين- وهو الداء العضال- فمن علاجه: إشعار نفسه اليأسَ منه؛ فإن النفس متى يئست من الشيء استراحت منه ولم تلفت إليه، فإن لم يزُل مرض العشق مع اليأس: فقد انحرف الطبع انحرافًا شديدًا، فينتقل إلى علاج آخر وهو علاج عقله بأن يعلم بأن تعلق القلب بما لا مطمع في حصوله نوع من الجنون، وصاحبه بمنزلة من يعشق الشمس، وروحه متعلقة بالصعود إليها والدوران معها في فلكها، وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمرة المجانين…
فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء، ولم تطاوعه لهذه المعالجة: فلينظر ما تجلب عليه هذه الشهوة من مفاسد عاجلته، وما تمنعه من مصالحها، فإنها أجلب شيء لمفاسد الدنيا، وأعظم شيء تعطيلًا لمصالحها؛ فإنها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك أمره وقوام مصالحه…
فإن عجَزت عنه هذه الأدوية كلها: لم يبق له إلا صدق اللجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه، وليطرح نفسه بين يديه على بابه، مستغيثًا به، متضرعًا، متذللًا، مستكينًا، فمتى وُفِّق لذلك: فقد قرع باب التوفيق، فليعِفَّ وليكتُم.
” زاد المعاد ” ( 4 / 265 – 274 ) باختصار.
والله أعلم.


