قضاء الدَّين عن الميت من قبل الورثة، والتفريط في الأمانة
السؤال
أنا شاب توفي والدي رحمه الله وأنا المسئول عن أهلي وأموالهم وعندما توفي كان في ذمته دين فقضينا ما نعرفه منه، وبعد فترة وجدنا في أوراقه الخاصة أموالًا لأشخاص لا نعرفهم، وليس لدينا ما نسددهم به، فبحثت عن بعضهم ووجدتهم وسامحوا والبعض الآخر لا زلت أبحث عنهم، ولقد تحملت المبلغ في ذمتي، فهل هذا جائز على الرغم من أنهم لا يعرفونني حتى يقبلوا بتحملي للمبلغ؟ وكما أخبرتكم بأنني المتصرف في أموال أسرتي وأنا للحق لم أحفظ الأمانة كما يجب, وأهلي يقولون لي خذ ما تحتاجه بقدر الضرورة، ولكي أكون صادقا فلقد تجاوزت حد الضرورة إلى اللعب على غير الوجه الصحيح, وأنا والله العظيم أريد إبراء ذمتي، وأريد أن أتوب لوجه الله وأستقيم، ووالله إنني صادق وأرى أن ما شرحت لكم يقف في طريق توبتي وإنابتي لله وإبراء ذمتي، أفيدوني في الحالتين التي شرحت لكم، جزاكم الله كل خير عن المسلمين والمسلمات في كل زمان ومكان.
الجواب
الحمد لله
الواجب على الأبناء بر والديهم في الحياة وبعد الممات، ومن برّهم بعد الممات قضاء ديونهم، وإرجاع الحقوق إلى أهلها.
فإن كان للوالد مال تركه فلا يجوز للورثة أخذ نصيبهم قبل قضاء الدين، وهو مقدم على الوصية، فيكون ترتيب الواجب: الدَّين ثم الوصية ثم الميراث.
وإذا لم يترك الوالد مالًا وكان في ذمته حقوق للآخرين: فمن عفا عن حقه منهم: فخير يقدمه لنفسه ولوالدك.
* قال ابن القيم:
وأجمعوا على أن الحي إذا كان له في ذمة الميت حق من الحقوق فأحله منه: أنه ينفعه ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحي.
فإذا سقط من ذمة الحي بالنص والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه ولو لم يرض به بل ردّه: فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه: أولى وأحرى.
” الروح ” ( ص 121 ، 122 ).
ومن طلب حقَّه: فلا يجب عليكم قضاء ديونه إلا من ماله، فإن لم يكن له مال: فلكم أن تتكفلوا بديْنه برًّا به.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
فإن ديْن الميت لا يجب على الورثة قضاؤه، لكن يُقضى من تركته، ولا يجب على أحدٍ فعل ما وجب على الميت من نذر. ” منهاج السنة ” ( 5 / 232 ).
ولتعلم أن مجرد تكفلك بالدَّيْن لا يبرئ ذمة والدك إلا أن تقضيه، وهو قول الجمهور.
عن جابر قال: توفي رجل فغسلناه وحنطناه وكفناه ثم أتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه فقلنا تصلي عليه؟ فخطا خطى ثم قال: أعليه ديْن؟ قلنا: ديناران، فانصرف فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحق الغريم وبرئ منهما الميت؟ قال: نعم، فصلَّى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: ما فعل الديناران؟ فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: لقد قضيتهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن بردت عليه جلده. رواه أحمد ( 14127 )، وحسنه الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 127 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1812 ).
وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن سيرين والظاهرية: إن الكفالة توجب براءة الأصيل وينتقل الحق إلى ذمة الكفيل فلا يملك الدائن مطالبة الأصيل أصلا كما في الحوالة، واحتجوا بأدلة منها:
أ. قصة ضمان أبي قتادة رضي الله عنه الدينارين عن الميت؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ” أحق الغريم وبرئ منهما الميت؟ “.
قالوا: فدل هذا على أن المضمون عنه بريء من الضمان.
ب. عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتي بالجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل ويسأل عن دينه، فإن قيل عليه دين كف عن الصلاة عليه، وإن قيل ليس عليه دين صلى عليه، فأُتي بجنازة، فلما قام ليكبر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه: ” هل على صاحبكم دين؟ ” قالوا: ديناران، فعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وقال: ” صلوا على صاحبكم “، فقال علي رضي الله عنه: هما علي يا رسول الله برئ منهما، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه، ثم قال لعلي بن أبي طالب: ” جزاك الله خيرًا فكَّ الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة “، فقال بعضهم: هذا لعلي خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: ” بل للمسلمين عامة “.
رواه الدارقطني ( 3 / 46 ).
ج. واحتجوا بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل صاحب الدَّين لما تكفل أبو قتادة بديْنه.
والجواب عن هذا:
أ. الكفالة معناها ضم ذمة في حق المطالبة أو في حق أصل الدين على خلاف السابق والبراءة تنافي الضم، ولو أن الكفالة كانت مبرأة: لكانت حوالة، وهما متغايران؛ لأن تغاير الأسماء دليل تغاير المعاني والأحكام في الأصل.
ب. وأما حديث علي فهو حديث ضعيف جدًّا، كما في ” ضعيف الترغيب ” ( 1134 )، ورواه البيهقي ( 6 / 73 ) وقال: والروايات في تحمل أبي قتادة دين الميت أصح.
ج. وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المضمون عنه: فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ضُمن عنه ذلك: فكه عن ذلك المنع، ولأنه بالضمان صار له وفاء، وإنما امتنع عن الصلاة على مدين لم يخلف وفاء.
واحتجَّ الجمهور بأدلة، منها:
أ. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” نفْس المؤمن معلَّقة بدينه حتى يقضى عنه “. رواه الترمذي ( 1079 ) وحسَّنه، وابن ماجه ( 2413 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1811 ).
ب. قوله عليه الصلاة والسلام في قصة أبي قتادة: ” الآن بردت عليه جلدته ” حين أخبره أنه قضى دينه.
وننصحك – أخي- بتقوى الله تعالى، وعدم تبذير المال فيما سيرجع عليك ضرره في الدنيا والآخرة، ولتعلم أنك مسئول عن رعية ويجب عليك أن تؤدي الأمانة على وجهها الصحيح، وأن تبذل ما في وسعك لدلالتهم على الخير وتحذيرهم من الشر.
وننصحك بمتابعة البحث عن أصحاب الحقوق لأدائها لهم، وابذل ما في وسعك، فإن تمَّ لك ما تريد فذاك، وإلا فلا حرج عليك ولا تثريب، وتصدَّق بمبالغهم عنهم، فإن ظهروا خيِّروا بين إمضاء صدقتك عنهم ومطالبتك، فإن اختاروا مالهم كانت الصدقة لك، وإن اختاروا إمضاء الصدقة أُجروا وبرئت ذمتك.
والله أعلم.


