هل يطيع والديه أم جدته؟
السؤال
هل يطيع والديه أم جدته؟
– أثابكم الله ونفع بكم الإسلام والمسلمين
سؤالي لكم – حفظكم الله – هو:
عن مسألة أشكلت عليَّ كثيرًا، حيث أن لي والدين وجدة – أم أبي -، ونحن نعيش في بيتٍ واحدٍ، ولدي وظيفة أعمل بها في نفس المدينة التي نعيش فيها، جدتي أم والدي لا ترغب في العيش في هذه المدينة التي نحن فيها، وتود أن ترجع لبيتها في القرية، ولكن أبي يحاول أن يقنعها بالجلوس فتجلس وهي غير راضية، وقد أشرت عليها بالموضوع وكادت أن تطير من الفرح بأنني سأذهب بها إلى القرية التي عاشت بها طيلة حياتها ولم تغادرها إلا بعد وفاة جدي – أبي والدي – قبل ثلاث سنين بسبب أنه لا يوجد أحد يعولها هناك، وأن أبناءها لهم أعمال في مدن متفرقة وبعيدة.
والسؤال هنا: هل يجب عليَّ برُّها في هذا الأمر والذهاب بها إلى هذه القرية وأن أبحث عن عمل آخر هناك يكون قريب من القرية؟ وما حكم طاعتها في هذا الأمر إذا رفض أبي أو أمي بالذهاب بها إلى هناك؟ وجزاكم الله عنا خير الجزاء.
الجواب
الحمد لله
أوجب الله تعالى على الأبناء برَّ والديهم، ومن برِّهم: طاعتهم – في غير معصية الله -، والإحسان إليهم، وعدم عقوقهم.
وللجد والجدة – من جهة الأب ومن جهة الأم – الحكمَ نفسه.
* قال ابن المنذر:
والأجداد آباء, والجدات أمهات, فلا يغزو المرء إلا بإذنهم, ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات. انظر ” تفسير القرطبي ” ( 10 / 241 )، وانظر قول مالك في ” المدونة ” ( 4 / 536 ) والشافعي في ” الأم ” ( 5 / 161 ).
ومن لم يجعل الأجداد والجدات من ” الوالدين “: فإنهم – بلا شك – من الأرحام، وللأرحام حقوق شرعية.
ومن حقوق الأرحام – ومنهم الجد والجدة -: الإحسان إليهم وتفقد أحوالهم والقيام على حاجاتهم ومواساتهم، قال الله تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } [ النساء / 36 ]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله تعالى خلق الخلق, حتى إذا فرغ منهم, قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم, أما ترضين أن أصل من وصلك, وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قال: فذلك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا إن شئتم: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } [ محمد / 22 ، 23 ].
والذي يظهر لنا في قضية الأخ السائل: أن ما يقوله الوالد هو الصواب، فبقاء الجدة بين أظهركم خير لها، ورجوعها إلى القرية هو استسلام للعاطفة دون تفكير في عواقب الأمر، ومن مساوئ هذا الرجوع: بقاؤها وحدها في البيت، فإذا كنتَ ستذهب لعملك، وأبناؤها ليسوا عندها: فإنه ستستسلم للوحدة وستعيشها واقعة، وهذا بخلاف بقائها بين ابنها وأحفادها في بيت والدك.
والواجب عليك: طاعة والديك، ولا يلزمك طاعة جدتك فيما ترغب به، لتعرضها مع رغبة والديك، ومع المنطق الصحيح، وعليك بالتلطف في نصيحتها لتجمع بين رغبة والديك والصحيح من فعل جدتك.
ومن لطيف ما أفتي به في مثل هذا المقام: أن رجلًا قال للإمام مالك: والدي في السودان, كتب إلي أن أقدم عليه, وأمي تمنعني من ذلك, فقال له مالك: ” أطع أباك ولا تعص أمك ” يعني: أنه يبالغ في رضى أمه بسفره لوالده, ولو بأخذها معه, ليتمكن من طاعة أبيه وعدم عصيان أمه.
والله أعلم.


