شاب تزوج من امرأة سيئة، وحصلت مشكلة عائلية، فماذا الحل؟
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيوخ الموقرون
تحية طيبة وبعد
– وأرجو أن يتسع صدركم لقراءة هذه الرسالة وأن يصلني منكم ردٌّ شاملٌ بإذن الله.
القصة بدأت منذ عدة سنوات عندما غادر ابني الوحيد دولة قطر التي تربى وتعلم فيها حتى بلغ سنه السابعة عشر، وانتقل إلى القاهرة للدراسة الجامعية في الأكاديمية العربية للعلوم البحرية، ولقد أقام في محل إقامتنا بالقاهرة في شقة مواجهة لشقة خاله الطبيب والمتزوج وقتها حديثًا وأشرف عليه لبعض الوقت.
ومع بدء الحياة الجديدة في القاهرة تعرف ابني الوحيد على فتاة تكبره في السن بحوالي أربع سنوات، ومن وسط اجتماعي وثقافي وعائلي غير متكافئ، ولقد حاولنا بكل الطرق منع استمرار هذه العلاقة وبكل الوسائل لدرجة أنى سافرت خصيصًا وذهبت وقابلت والدها في ورشة السيارات التي يمتلكها- وكانت سيارة ابني فيها للتصليح- وأبلغته أنى غير راضٍ عن علاقة ابني مع ابنته وأعتذر له عن ذلك، وهذا لأن هذه العلاقة لن تنتهي بالزواج لأسباب عديدة شرحتها له، وبدا لي أنه تفهَّم موقفي، وكان كل هذا في حضور ابني وخاله.
مرَّ على ذلك أقل من ثلاث سنوات كنت خلالها أتابع حياته بالطرق العادية، ولكن أي تصرفات مريبة أعاملها بكل حسم.
وتخرج من الأكاديمية وعاد إلى قطر حيث التحق بعمل يتناسب جيِّدًا مع تخصصه الهندسي والبحري فيQatar navigation ، ومرت عدة شهور قليلة، وبعد تخرجه من الأكاديمية بحوالي أسبوع واحد فقط تحركت كل الشياطين لوضعنا أمام الأمر الواقع وتم عقد قران ابني على هذه الفتاة في حفل لم يحضره سوى أهلها وكل الحضور- ومنهم طبعًا والدها- على علم كامل بعدم رضانا عن هذه الزيجة، وبضغط من هذه الفتاة ترك عمله وعاد إلي القاهرة بوعد إصلاح ما صنعه!! ولحقته بعد ذلك بعدة أسابيع قليلة لإصلاح ما يمكن، وتحت الإلحاح العائلي طلَّق ابني هذه الفتاة ووافقنا على مضض على طلبه بضرورة سفره إلي أمريكا لسوء حالته النفسية، وبحجة العمل هناك أو الدراسة وسافر فعلًا، ولكنه اصطحب معه خلسة بدون علمنا هذه الفتاة وتظاهر بعكس ذلك لأكثر من سنة حتى رزق بولد منها، وتدخلت عاطفة الأمومة ووافقت على لم الشمل ونسيان ما فعل من عقوق وكذب وتدليس على والديه وطلبت منه العودة من أمريكا وتكفلت باستضافته هو وزوجته غير المرضي عنها على أمل أن يصلح الله ما بينهما المتوتر وحالهما المتردي، وكذلك تعهدت بإيجاد عمل له في قطر حيث مازلت أعمل فيها، وبالفعل وبعون الله تم ذلك واستلم عمله فعلًا، ومازال فيه، ولكن لكثرة المشاكل بينه وبين زوجته بل وتطاوله عليها أحيانًا بالضرب أمامنا طلبت منه وشجعته على أن يستقل بنفسه وحتى لا نكون أمام الآخرين السبب المعلن في أي مشاكل بينهم قد تؤدي إلي الطلاق والذي دائما ما يصرح به! ومرت الأيام ووضح أن ما تعشمنا فيه كان سرابًا، وبدا واضحًا سوء نية هذه الزوجة ومدى حقدها علينا ومدى استغلالها لزوجها وعدم حرصها على ما يكسبه والإسراف والتبذير المتعمد، بل وحرصها على استغلال كل ما يمكن ماديًّا ومعنويًّا، ولم يعيا مدى المعاناة التي تحملناها كوالدين مقهورين، ومازلنا نتحملها من أجل لم الشمل، بل وأساءت تقدير حب الجدة لحفيدها ومنعتها من رؤيته وتطاولت عليها وأبدت التحدي كمن ملكت الأرض وما عليها، وفي المقابل لم يتحرك الابن الضال بل كان يلتمس لها العذر، وعلى الرغم من كل ذلك وخلال هذه الفترة عاد ابني للإقامة معي ليضغط مصاريفه لاحتمال تركه للعمل، وأثناء ذلك أخفى عني ما قد نمى إلي علمه بتمديد فترة عمله وخطط لإحضار زوجته فيما بعد، ولكل ذلك ولضعف ابني وعدم تصديه لزوجته- التي يدعي حبها والحقيقة التي أراها هي غير ذلك تمامًا- قررت مقاطعته وطلبت منه مغادرة منزلي خاصة وهو ليس في حاجة لي لدخله العالي وتوقع وصول زوجته، وبالفعل عاد مرة أخرى واستأجر لنفسه شقه وأحضر زوجته منذ حوالي شهرين، وخلالهما توجد فقط محاولات ضعيفة للإصلاح لن تكون مجدية لاشتراطه عدم معاتبته على ما فعل وعدم معاقبته على زواجه بدون رضانا وكأن شيئًا لم يكن!! وبكل بساطة ننسى ما أصابنا ونتسامح!! كما لو أننا من الملائكة ليس من البشر.
هذا هو الحال الذي وصلت إليه مع ابن أعتبره عاقًّا، تجاهل توسلات والديه وفضل التزوج من فتاة من أسرة غير متكافئة مع أسرته علميًّا وأدبيًّا، بل وارتضى أن يرتمي في أحضان الشياطين من الجن والإنس ومنهم والدها الذي ادعي تفهمه لموقفي ولم يكن أهلًا للثقة وارتضى زوجًا لابنته على الرغم من معارضة والديه لهذه الزيجة بطرق ولأسباب لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، قد يكون منها الاستعانة بالسحر، وقد يكون منها الطمع في المال الوفير الذي كانت تتمتع به أسرة الزوج الغافل المسحور.
والسؤال الذي يلح علي الآن: ما هو حكم الشرع والدين في هذا المشكلة، وفي هذا الابن غير المعترف بأخطائه العديدة والمستهتر بمشاعر والديه والذي تزوج من فتاة لمجرد معاداة والديه وبحجة ممارسة حقه في الاختيار بصرف النظر عن ما فيه من شبهات؟ وهل طرده من منزلي ومقاطعته وحرمانه من كل ود وعطف ردًّا على ما بدأ به هو- وسبق شرحه- فيه ما يغضب الله؟ بل وهل حث الآخرين على تجاهله ونبذه خارج العائلة ردًّا على ضعفه وعدم ردعه لزوجته التي تتبجح هي وأسرتها فيه ما قد يكون علاجا له من هذه الغفلة؟ وإلا فما هو مدى العقاب الذي يستحقه في الدنيا قبل الآخرة؟ وهل ما أمر به سيدنا رسول الله عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن يكون هو الحل الأمثل، ألا وهو الطلاق؟ وما حكم منعه من الميراث؟.
– أعتذر لطول رسالتي وجزاكم الله كل خير ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
– مقدمه إليكم: الراعي المقصر في تربية وحماية ابنه فشرد!! والراضي والقانع بما حكم الله وقضاه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الجواب
الحمد لله
الذي ظهر لنا من هذه المشكلة أن الجميع فيها قد وقع في الخطأ، وهو ما سبَّب طولًا للمشكلة وتشعبها وتعقدها.
- فأنتم وقعتم في أخطاء شرعية متعددة، ومنها:
- أنكم سمحتم بسفر ابنكم وهو في سن مبكرة إلى ” القاهرة “، ولم يكن ذلك صحيحًا، فهو في سن المراهقة، ولا يعرف ما ينفعه ويضره، والذي وقع فيه خير دليل.
- سماحكم له بالدراسة المختلطة في الجامعة، والاختلاط المحرَّم لا ينتج إلا الشر والسوء والفحش.
- سماحكم له بالسكن وحده في شقة، وخلوة هذه الشاب في هذا السن وفي تلك الديار مع نفسه في شقة لا يأتي إلا بالضرر والسوء.
- ضغطكم عليه ليطلق امرأته التي يحبها، وهو ما قد يكون سبب له من الضيق والهم ما رأيتم بعض آثاره.
- ثم سماحكم له بالسفر وحده إلى ” أمريكا ” وهي بلاد الكفر والفجور خطأ، والسفر إلى بلاد الكفر محرَّم إلا لضرورة، وأنتم تقولون إن السفر كان من أجل نفسيته! فماذا سيرى هناك ويسمع ليخفف على نفسه ويرجع إلى ربه ودينه وعقله؟.
- مقاطعتكم له وطرده من المنزل أيضًا من الأخطاء، فرعاية الأبناء تحت نظر الأهل خير من رعايتهم بعيدًا عنهم، ولعل هذا مما سبب الجفاء وزاد من الفُرقة بينكم وبينه.
- عدم رضاكم عن طلبه للمسامحة مع نسيان الماضي، وعدم توبيخه، ففي ظننا أنكم أخطأتم بهذا، ومثل هذه الأمور لا ينفع فيها العتاب، فأخطاؤه ظاهرة، وأنتم كنتم سببًا في بعضها، فالتلاوم والتباحث فيها قد يزيد الأمور شرًّا وفُرقة، بينما يمكنكم الاستفادة مما حصل من خلال مخالطتكم له ومعيشتكم معه بالتدرج واللين.
- أما أخطاء ولدكم فهي واضحة للمتابع لمشكلتكم والقارئ لها، ومنها:
- دراسته المختلطة، وإقامته وحده، وسفره إلى أمريكا– وقد سبق بيان هذا-.
- تعرفه على فتاة أجنبية ولقاؤه بها والحديث معها ومصاحبتها: كلها معاصٍ وآثام ما كان ينبغي أن يقع فيها، وقد وردت تحذيرات شرعية كثيرة في الكتاب والسنة من هذه المعاصي ومثيلاتها.
- تبذيره وزوجته للمال.
- سماحه لزوجه بأن تمنع أمه من رؤية حفيدها، وكذا سكوته عن تطاولها عليهم.
- وأما أخطاء الزوجة فكثيرة وواضحة، ومنها:
- علاقتها المحرمة مع أجنبي عنها.
- سفرها مع زوجها إلى بلاد الكفر.
- تبذيرها للمال.
- تعديها على أهل زوجها، ومنعهم من رؤية حفيدهم.
وكما ترى أخي السائل فإن الجميع قد وقع في الخطأ، والذي نراه أن يبقى الزواج على ما هو عليه إذا كان ولدكم يرغب بها، ورضا أهل الزوج ليس شرطًا في صحة النكاح وإن كان محبوبًا للشرع، وكونها من أسرة فقيرة لا يعني أنها لا تصلح للزواج، فليس النسب المال والمهنة بدوافع للزواج ولا بموانع منه ابتداءً، ولو قلتم إنكم رفضتم زواج ابنكم منها بسبب خلقها ودينها لكان لكم وجه، وخاصة أنها وقعت في محرمات حتى حصل الزواج.
ولا يحل لكم منعه من الميراث، وخاصة أنه جاءكم طالبًا المسامحة والعفو، فنرى أن تقبلوا منه، وأن تتجاوزا الأمور السابقة– ولا تنسوا أنكم من أسباب حدوثها– وتفتحوا صفحة جديدة، ولعل الأيام القادمة والتي يكبر فيها ابنكم وتزيد أسرته أن يعرف خطأ تصرفاته معكم، ولعل الذكرى والموعظة أن تنبهه إلى ما وقع فيه من أخطاء شرعية.
والله الموفق.


