تعاني من صعوبة المحافظة على الصلوات في بلاد الكفر
السؤال
عمري 20 عامًا وأعيش مع والديّ هنا في الولايات المتحدة، وعائلتي كلها متدينة – والحمد لله -، أرتدي الحجاب منذ سن صغير وما زلت أرتديه، لكن مشكلتي أني غير قادرة على الحفاظ على الصلوات الخمس، وأعلم أن ترك الصلاة إثم عظيم لكن لا أدري لماذا أعجز عن المحافظة على صلاتي، يأتي يوم أصلي فيه كل الصلوات، ثم في اليوم التالي أتكاسل وأتركها، كما عندي صعوبة في الاستيقاظ لصلاة الفجر، وأظن أن كل المشاكل التي أمرُّ بها في حياتي سببها عدم قيامي بالصلاة، أنا فقط كسولة جدًّا، ولا أعرف ماذا أفعل.
الجواب
الحمد لله
- إن البيئة التي يعيش فيها الإنسان تؤثر فيه سلبًا وإيجابًا، والبيئة هنا تشمل بيئة البيت وبيئة الإقامة وبيئة الصحبة، وإذا كانت أسرتك متدينة – كما تقولين – فلعل الخلل أن يكون بسبب بيئة سكنك وإقامتك، وهي ديار كفر وإباحية ومحاربة لله ولدينه وللخلق والفطرة، فمن الطبيعي أن يكون لها أثر سلبي على من أقام فيها، ولعل هذا أن يكون أحد أسباب تحريم الإقامة في ديار الكفر، وعندما تاب قاتل المئة نفس أمره العالِم أن يغادر بيئته إلى بيئة أخرى يُعبد فيها الله تعالى.
- ولعل الخلل أن يكون – كذلك – بسبب بيئة الصحبة، فالصحبة الصالحة تدل على الخير وتحث عليه، والصحبة السيئة تدل على الشر وتحث عليه، ومن هنا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ” – رواه والترمذي ( 2378 ) وأبو داود ( 4833 )، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 927 )، وجاء قوله: ” لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي ” – رواه والترمذي ( 2395 ) وأبو داود ( 4832 )، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 3036 ) -.
- وقد يغفل التارك للصلاة عن حكمها فيظنه مثل باقي المعاصي، ولعله إن وقف على حقيقة حكم تاركها أن ينتبه لنفسه ويصحو من غفلته، فترك الصلاة ليس إثمًا بل كفر مخرج من الملَّة، وقد ذكر الإمام إسحاق بن راهويه أن من ترك صلاة واحدة متعمدًا حتى خرج وقتها فإنه يكفر كفرًا أكبر، وبمثل قوله يفتي الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.
- وعليه: فلينظر المسلم إلى آثار فعله عندما يترك الصلاة، وأن من أعظم الآثار أنه قد يختم له بهذا الترك فتكون خاتمة سيئة، و ” إنما الأعمال بالخواتيم ” – رواه البخاري ( 6233 ) -.
- ومما يعين المسلم على المحافظة على الصلوات أن يعلم ما في المحافظة عليها من أجور جزيلة، فـ ” الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ” – رواه مسلم ( 233 ) -، ومما ” يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: انتظار الصلاة بعد الصلاة ” – رواه مسلم ( 251 ) -.
- وإذا كانت الأجور على المحافظة على الصلاة جزيلة فإن صلاة الفجر له أمرها الخاص وفضلها المختص بها، فـ ” من صلى الصبح فهو في ذمة الله ” – رواه مسلم ( 657 ) – و ” من صلى البردين – الفجر والعصر – دخل الجنة ” – رواه البخاري ( 549 ) ومسلم ( 635 ) -، ويكفي أن يعلم المصلي أن الله تعالى وملائكته يشهدون قراءته في الفجر كما في قوله تعالى { وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [ الإسراء / 78 ].
- وينبغي للمسلم أن يعلم أن التكاسل عن الصلاة من صفات المنافقين كما في قوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء / 142 ]، وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا ” – رواه مسلم ( 622 ) -.
فإذا علِم المسلم ذلك لم يرضَ لنفسه أن يكون متشبهًا بأولئك المنافقين وقد أكرمه الله تعالى بنعمة الإيمان فليكملها وليشكرها بالعمل الصالح.
- ومما يعين المسلم على المحافظة على الصلاة – بل وغيرها من الطاعات – أن يحاسب نفسه في كل يوم على فعله الأوامر واجتنابه للنواهي، ثم يحاسبها على التقصير في النوافل، ومن حاسب نفسه الآن وربَّاها على القيام بالواجبات والمستحبات أمِن حساب الآخرة وضمَن الفوز والنجاة هناك، ومن قصَّر في ذلك في الدنيا فإنه سيفجؤه حساب الآخرة وليس ثمة مجال للاستدراك أو الرجوع إلى العمل.
ومما يروى عن السلف في هذا: ” حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم “، فلعل هذا الحساب للنفس أن يحيي النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على التقصير في الطاعة والفعل للمعصية فتنقله إلى نفس أطهر وأعلى.
- ولا بدَّ للمسلم أن يظل مستعينًا بربه تعالى متوكلًا عليه داعياً له منيبًا إليه، فإذا أعان الربُّ تعالى عبدَه فإنه يوفق لأداء الطاعات، وإذا توكَّل عليه وحده كان حسبه وكافيه، وإذا دعاه استجاب له.
فلا بدَّ لكِ من الحفاظ على هذا كله، وسترين ما يسرك من تغيير إلى الأحسن والأفضل.
سائلين الله تعالى أن يحفظ عليكِ دينكِ، وأن يوفقك لمرضاته تعالى، وأن ييسر لك الخير، ويثبتك على الحق.
والله الموفق.


