تريد تأويل صفات الله حتى لا تقع في التشبيه.
السؤال
كيف نصف الله بأن له يدًا أو وجهًا مع أن الله قال { ليس كمثله شيء }؟ كيف قال أتباع محمد بن عبد الوهاب بأن لله يدًا ووجهًا؟ صحيح أنه جاء في القرآن أن الله يطوي السماء بيده ، ولكن هل يعني هذا أن لله يدًا؟ الذي أريد أن أقوله إن القرآن أُنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في وقت كان الشِّعر هو أهم ما يشغل الناس فجاء القرآن وبه الكثير مما يشابه الشعر ولكن ليس هذا المعنى الحرفي للكلمة.
أرجو أن توضح.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إنّ هذا القول ليس قول أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب فحسب، وإنما هو مُعْتَقَد الصحابة والتابعين والأئمّة المتبوعين، وهذه هي عقيدة أهل السنّة والجماعة.
قال البخاري رحمه الله:” باب قول الله تعالى { لِمَا خَلَقْتُ بِيديَّ } “.
ثم روى – رحمه الله – أحاديثَ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها إثباتُ هذه الصفة لله تبارك وتعالى، ومنها:
- حديث أنس رضي الله عنه في ” الشفاعة ” وفيه قول الناس في المحشر ” يَا آدَمُ أَمَا تَرَى الناسَ؟ خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ … “.
- حديث أبي هريرة رضي الله عنه ” أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” يَدُ الله مَلأى لا يُغِيضُها نَفَقَةٌ… “.
- حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إِنَّ الله يَقْبِضُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَرْضَ وَتَكونُ السَّمواتُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا المَلِكُ “.
” فتح الباري ” ( 3 / 483 ).
* قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله:
فإِنْ سُئِلْنا أتقولون إنَّ لله يدين؟ قيل: نقول ذلك، وقد دلَّ عليه قوله عز وجل {يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }، وقوله عز وجل { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ }.
” الإبانة ” ( 79 – 85 ).
* وقال ابن بطال رحمه الله:
في هذه الآية إثباتُ يدينِ لله، وهما صفتان من صفاتِ ذاته، وليستا بجارحتين خلافًا للمشبِّهةِ من المثْبِتة وللجهميةِ من المعطَّلة، ويكفي في الرد على من زعم أنهما بمعنى القدرة: أنهم أجمعوا على أنَّ له قدرةً واحدةً في قول المثبتة، ولا قدرةَ له في قول النفاة لأنهم يقولون إن الله قادرٌ لذاته.
ويدل على أنَّ اليدينِ ليستا بمعنى القدرة: أنَّ في قوله تعالى لإبليس { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ ص / 75 ] إشارة إلى المعنى الذي أوجب السجود، فلو كانت اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرقٌ لتشاركهما فيما خُلق كلٌّ منهما به وهي قدرته، ولقال إبليس: ” وأيُّ فضيلةٍ له عليَّ، وأنا خلقتَني بقدرتكِ كما خلقتَه بقدرتكِ “، فلما قال: { خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } [ ص / 76 ]: دلَّ على اختصاصِ آدمَ بأنَّ الله خلقَهُ بيديه، ولا جائزَ أنْ يُراد باليدين النعمتان لاستحالة المخلوق بالمخلوق لأن النِّعم مخلوقةٌ ولا يلزم من كونهما صفتي ذاتٍ أن يكونا جارحتين. ” فتح الباري ” ( 13 / 485 ).
* وقال إمامُ الأئمَّةِ ابن خزيمة رحمه الله:
نحن نقول: الله عز وجل له يدان، كما أعلَمَنا الباري في محكم تنـزيله، وعلى لسان نبيِّه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونقول: كلتا يديْ ربِّنا يمينٌ على ما أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ونقول: إنَّ الله عز وجل يقبضُ الأرضَ بإحدى يديْه ويطوي السماءَ بيدِه الأخرى . ” كتاب التوحيد ” ( ص 83 ).
* وقال الإمام البغوي رحمه الله:
الأصبع المذكور في الحديثِ صفةٌ من صفاتِ الله عزَّ وجل وكذلك كل ما جاء به الكتابُ أو السنَّةُ من هذا القبيل في صفات الله تعالى كالنفس والوجه والعين واليد والرجل والإتيان والمجيء والنـزول إلى السماء الدنيا والاستواء على العرش والضحك والفرح – ( وساق الأدلةَ مِن الشرع على هذه الصفات ) – فهذه ونظائرها صفاتٌ لله تعالى، ورد بها السمع – ( أي: الدليل من الشرع ) – يجب الإيمانُ بها وإمرارُها على ظاهرها مُعرِضًا فيها عن التأويل، مجتَنِبًا عن التشبيه معتقِدًا أن الباري سبحانه وتعالى لا يُشبه شيءٌ مِن صفاتِه صفاتِ خلقه، كما لا تُشبهُ ذاتُه ذواتَ خلقِه، قال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، وعلى هذا مضى سلف الأمة وعلماء السنَّة تلقَّوْها جميعًا بالإيمان والقبول وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم – ( أي : حقيقة الصفة ) – إلى الله عز وجل.
” شرح السنَّة ” ( 1 / 168 – 171 ).
* وقال ابن القيم رحمه الله:
تأمل قوله { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } فلما كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم ويضرب بيده على أيديهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السفير بينه وبينهم كانت مبايعتهم له مبايعةً لله تعالى، ولما كان سبحانه فوق سماواته على عرشه وفوق الخلائق كلِّهم كانت يدُه فوق أيديهم، كما أنَّه سبحانه فوقهم فهل يصحُّ هذا لمن ليس له يدٌ حقيقية، فكيف يستقيم أن يكون المعنى ” قدرةُ الله ونعمتُه فوق قُدَرِهم ونِعَمَهم “؟ أم تقتضي المقابلة أن يكون المعنى هو الذي يسبق إلى الأفهام من هذا. ” مختصر الصواعق ” ( ص 334 – 335 ).
ثانيًا:
وما قلناه في إثبات ” اليد ” لله تعالى نقوله في إثبات ” الوجه “، فلله تعالى وجهًا يليق بجلاله تعالى، ولا يشبه وجه المخلوقين إذ { ليس كمثله شيء }، وليس معنى الآية أنه ليس لله له صفات، بل معناها أن صفاته لا تشبه صفات أحد من المخلوقين، ويدل عليه ختمها بقوله { وهو السميع البصير } ولا شك أنهما صفتان للمخلوق أيضًا، وهو يدل على ما ذكرنا من أن مقصود الآية أنه لا تشبه صفات الله تعالى صفات المخلوقين.
فقوله تعالى { ليس كمثله شيء } ردٌّ على ” المشبهة ” – أو ” الممثلة” -، وقوله { وهو السميع البصير } ردٌّ على نفاة الصفات الذين ظنوا أن الاشتراك في الاسم يوجب المماثلة.
* قال البخاري رحمه الله:
” باب قول الله عز وجل { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } [ القصص / 88 ]، ” ثم روى حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ” أَعُوذُ بِوَجْهِكِ ” فقال: { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ” أَعُوذُ بِوَجْهِكَ “، قال: { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } [ الأنعام / 65 ] فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ” هذا أَيْسَرُ “.
* قال ابن بطال:
في هذه الآية والحديث دلالةٌ على أنَّ لله وجهًا وهو مِن صفةِ ذاتِهِ وليس بجارحة! ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين، كما نقول إنه عالم ولا نقول إنه كالعلماء الذين نشاهدهم. ” فتح الباري ” ( 13 / 479 ).
* قال أبو الحسن الأشعري:
وقال عز وجل { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن /27 ] فأخبر أنَّ له وجهًا لا يفنى ولا يلحقه هلاك. ” الإبانة ” ( ص 77 ).
* وقال أيضًا:
فمن سَأَلَنا فقال: أتقولون إنَّ لله سبحانه وجهًا؟ قيل: نقول ذلك خلافًا لما قاله المبتدعون، وقد دلَّ على ذلك قوله عز وجل { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. ” الإبانة ” ( ص 78 – 79 ).
* وقال ابن القيم رحمه الله:
فتأمل رفعَ قولِه { ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } عند ذكر ” الوجه ” ، وجرَّه في قوله { تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرحمن / 78 ]، فـ ” ذو” الوجه المضاف بالجلال والإكرام لما كان القصد الإخبار عنه، و” ذي ” المضاف إليه بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاســم، فتأمله. ” مختصر الصواعق ” ( ص 336 ).
* تنبيه:
مرَّ في كلام ابن بطال قوله في إثبات اليد والوجه عبارة ” ليست بجارحة “، وهي من العبارات التي لم يستعملها السلف في التنزيه ونفي التمثيل.
وبعد:
فأنت ترى أخي الفاضل أن هذا الاعتقاد ليس لأتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب فحسب، وأنهم ما كانوا إلا متبعين لاعتقاد من سلفهم، وقد نقلنا لك أقوال الأئمة من مختلف الأزمنة لتعرف خطأ زعمك الذي ذكرتَه في السؤال، ولو أردنا الاستقصاء أو ذِكر كلام المعاصرين لطال بنا المقام، فلعلَّ ما ذكرناه أن يكون كافيًا لك لتعتقد ما كان يعتقده سلفك الصالح.
والله أعلم.


